ونجد الإمام الشهيد حسن البنا  رضي الله عنه يوضح أن طريق الدعوة طريق واحدة، يجب الالتزام بها، وعدم الانحراف عنها؛ لأنها طريق رسول الله صلي الله عليه وسلم، أعلم الناس بالطريق وأدراهم به فيقول: ( طريق الدعوة طريق واحدة سار عليها رسول الله صلي الله عليه وسلم وصحابته من قبل، وسار الدعاة وتسير عليها بتوفيق من الله من بعده " إيمان وعمل ومحبة وإخاء " دعاهم إلى الإيمان والعمل، ثم جمع قلوبهم على الحب والإخاء، فاجتمعت قوة العقيدة إلى قوة الوحدة، وصارت جماعتهم هي الجماعة النموذجية التي لابد أن تظهر كلمتها، وتنتصر دعوتها، وإن ناوأها أهل الأرض جميعًا ) وكان من أعظم ما من الله به علي الإمام الشهيد أن وفقه للعودة بالمسلمين إلى الفهم الصحيح الشامل للإسلام بعيدًا عن أي اجتراء أو خطأ . الفهم النقي من كل شائبة في العقيدة أو العبادة أو التشريع . الإسلام من منبعه الصافي من كتاب الله وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي " .

    الفهم البعيد عن الخلافات التي مزقت وحدة المسلمين قال تعالي: " واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا " الفهم البعيد عن الغلو أو التفريط ، لكن اعتدال سليم ، والتزام دقيق في جو من الحب والأخوة والتعاون." وكذلك جعلناكم أمة وسطاً " .

لقد أعلن من أول يوم أن دعوة الإخوان المسلمين هي الإسلام بكل متطلباته، ولا شيء غير الإسلام، أو هي الإسلام في القرن الرابع عشر الهجري . أعلن ربانية الدعوة وعالميتها وأنه لا يحدها زمان ولا مكان حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وحدد أهم مطلب تمليه علينا طبيعة المرحلة التي تمر بها الدعوة الإسلامية الرشيدة، على نفس الأساس الذي أقام عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم وصحابته الأكرمين الدولة الإسلامية الأولي. ونجده رضي الله عنه قد اقتبس الطريق من نفس طريق رسول الله صلي الله عليه وسلم والمؤسس علي قوى ثلاث :

    ـ قوة العقيدة والإيمان

    ـ وقوة الوحدة والارتباط

    ـ وقوة الساعد والسلاح بعد ذلك

    ولم يكتف بالوعظ والإرشاد، ولكنه أكد وجوب الجماعة، والعمل الجماعي المنظم الممتد زمانًا ومكانًا، ولابد من تحديد الأهداف، ورسم الخطط، وتحديد الوسائل المشروعة حتى يتم البناء . وأثناء سيره بالدعوة وممارسة الحركة بها حدد مراحلها من تعريف وتكوين وتنفيذ .

    وحدد الخطوات والأهداف المرحلية بإيجاد :

    الفرد المسلم النموذج .

    والبيت المسلم المؤسس على التقوى .

    والمجتمع المسلم المتجاوب مع دعوة الله .

    فالحكومة الإسلامية .

    ويتم ذلك علي مستوى الشعوب والأقطار الإسلامية، ثم تكون الدولة الإسلامية، وعلي رأسها الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم بإذن الله .

  • ثم نجده رضي الله عنه يحدد الوسائل ويمارسها هو والإخوان في كل مكان :

    دروس ومحاضرات وندوات ومؤتمرات .

    ونشرات وصحف ومجلات .

    وأسر وكتائب ورحلات ومعسكرات .

    ورياضة وجوالة .

    والمؤسسات كالمدارس والمستشفيات والمستوصفات والأندية الرياضية والمؤسسات الاقتصادية .

    وكذا في مجال البر والخدمة الاجتماعية .

    وهكذا عاش مع إخوانه الإسلام، فهمًا وعملا في كل المجالات، ولم يحصره في الزوايا والمساجد، أو في العلم والعبادة فقط .

    وهكذا بعد أن أوضح لنا الطريق ومعالمه، وسار بنا عليه فترة من الزمان، لقي الله شهيدًا علي طريق الدعوة، عندما تآمر أعداء الله خارج مصر واستعانوا بأعداء الله بداخلها عليه وعلى جماعة الإخوان؛ فحلوا الجماعة في ديسمبر 1948 وقتلوه في فبراير سنة 1949 . وظنوا واهمين أنهم بقتله وحل جماعته قد انتهي واستراحوا من جماعة الحق التي تهدد باطلهم بالإزهاق، ولكنها في الحقيقة ليست دعوة حسن البنا ولا جماعة حسن البنا، وإنما هي دعوة الله، وجند الله، إنها نور الله، ولن يطفئ نور الله بشر" يريدون ليطئفوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون "  .

    فقد تعرضت الجماعة إلى محن شديدة متكررة في مصر وغير مصر، ولكن لأن المحن سنة الله في الدعوات، فقد ازدادت الدعوة أصالة ونقاء، وازداد المنتمون إليها كما وكيفا؛ بفضل الله ورعايته، فإذا بنا نري تلك الشجرة الطيبة التي غرسها حسن البنا في مصر ورواها بدمه هو والشهداء قبله وبعده تتعمق جذورها، وتمتد فروعها ويشتد ساقها، وستؤتي أكلها بإذن ربها ولو كره المشركون، قال تعالي : " ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها " .

    إن هذه الصحوة الإسلامية التي نراها اليوم على الساحة الإسلامية والمتمثلة في تدين الشباب فتيانًا وفتيات؛ ما هي إلا الأوراق والفروع المورقة لتلك الشجرة . هي الآثار والثمار الطيبة لحركة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية وأمثالهما من الحركات أو الجماعات علي الساحة. إنها صحوة تقوم علي أساس من الفهم السليم الشامل للإسلام ، وعلي روح جهادية وثابة، تؤثر الشهادة في سبيل على كل أعراض الدنيا وتأبي الحياة الذليلة. تقاوم الظلم والفساد والإلحاد ولا تخاف في الله لومة لائم " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم "

    هكذا نور الفجر بدأ يطل علينا من بين حجب الظلام يبشرنا بقرب نهاية الليل بكل كلامه وسطوع شمس الحق؛ لتزهق الباطل بكل صوره وأشكاله بإذن الله " وقل جاء الحق وزهق الباطل " وأملنا في الله كبير أن يتحقق ذلك علي أيدي هذا الجيل من الشباب المسلم " ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا "  لذلك لزم الاهتمام الكبير بإعداده وتوضيح الطريق له ليتعرف علي معالمه وعلي صور الانحراف كي يسير بقوة وبرؤية واضحة غير مبال بتشكيك أو تثبيط .

    وهذا ما سنتناوله بعون الله، سائلين إياه الإخلاص والصدق، وأن يجعل من وراء ذلك الخير وبالله التوفيق .

منقول بتصرف من كتاب – طريق الدعوة بين الأصالة والانحراف – للأستاذ مصطفى مشهور  رحمه الله .