{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُون َأَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}

يختلف المؤمنون عن غيرهم، يختلفون فى أصولٍ، وفى فروعٍ، فى قواعدَ وشكلياتٍ، وطرائق تفكيرٍ واعتبارات، يختلفون فى ترتيب أولويات كلٍ، وفيما يمكن تجاوزه، وما لا يمكن. يختلفون فى الكثير والكثير، وقد ذكر الله لنا- سبحانه- فى كتابه العزيز من سورة البقرة، طرفًا من صفاتٍ مذمومةٍ، لا ينبغى للمسلم الصادق أن يتصف بها، وذلك موضوع هذه الآيات الكريمة من سورة البقرة.

وفى تفسير الظلال، يقول الأستاذ سيد قطب ـ رحمه الله ـ فى تفسير هذه الآيات: (وقد كان بعضهم إذا لقوا المؤمنين قالوا: آمنا..  أي آمنا بأن محمدا مرسل، بحكم ما عندهم في التوراة من البشارة به، وبحكم أنهم كانوا ينتظرون بعثته، ويطلبون أن ينصرهم الله به على من عداهم. وهو معنى قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)..  ولكن: (إذا خلا بعضهم إلى بعض)..  عاتبوهم على ما أفضوا للمسلمين من صحة رسالة محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن معرفتهم بحقيقة بعثته من كتابهم، فقالبعضهم لبعض: (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم)..  فتكون لهم الحجة عليكم؟  وهنا تدركهم طبيعتهم المحجبة عن معرفة صفة الله وحقيقة علمه؛ فيتصورون أن الله لا يأخذ عليهم الحجة إلا أن يقولوها بأفواههم للمسلمين!  أما إذا كتموا وسكتوا فلن تكون لله عليهم حجة!  وأعجب العجب أن يقول بعضهم لبعض في هذا: (أفلا تعقلون؟)..  فيا للسخرية من العقل والتعقل الذي يتحدثون عنه مثل هذا الحديث! انتهى  

{أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} يقول المفسرون: وأَوَلَا يَعْلَم هَؤُلَاءِ اللَّائِمُونَ مِنْ الْيَهُود إخْوَانهمْ مِنْ أَهْل مِلَّتهمْ، عَلَى كَوْنهمْ إذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا، وَعَلَى إخْبَارهمْ الْمُومِنِينَ بِمَا فِي كُتُبهمْ مِنْ نَعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَبْعَثه , الْقَائِلُونَ لَهُمْ}  أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّه عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْد رَبّكُمْ{ أَنَّ اللَّه عَالِم بِمَا يُسِرُّونَ فَيُخْفُونَهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي خَلَائِهِمْ مِنْ كُفْرهمْ وَتَلَاوُمهمْ بَيْنهمْ عَلَى إظْهَارهمْ مَا أَظَهَرُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ الْإِقْرَار بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَى قِيلهمْ لَهُمْ آمَنَّا , وَنَهْي بَعْضهمْ بَعْضًا أَنْ يُخْبِرُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا فَتَحَ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وَقَضَى لَهُمْ عَلَيْهِمْ فِي كُتُبهمْ مِنْ حَقِيقَة نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْته وَمَبْعَثه، وَمَا يُعْلِنُونَ فَيُظْهِرُونَهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَصْحَابِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ إذَا لَقُوهُمْ مِنْ قِيلهمْ لَهُمْ : آمَنَّا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ نِفَاقًا وَخِدَاعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.

والدرس هنا عميق كبير، درس له الأثر الفاعل فى الحياة، درس مثل كل دروس القرآن العظيم، يجب على كل عاقل أن يلتفت إليه، ويقيس نفسه عليه، فيراجع اعتقاده وسلوكه، ويبادر بالتوبة والإصلاح، فما ذكر الله لنا ذلك المثال المعيب إلا لنتجنب الوقوع فى مثله، ومثله كثير فى وقائع الحياة، صغيرها وكبيرها.

لقد عاب الله- سبحانه- على هؤلاء أنهم يحسبون للناس ولكلامهم وأحكامهم حسابًا، لكنهم لا يحسبون لله ذلك الحساب، إنهم يخشون أن يظهروا أمام الناس متناقضين، وأن يعطوا خصمهم الحجة عليهم، لكنهم لا يأبهون لحقيقة أن الله يعلم إصرارهم على الباطل، وتماديهم فى التكبر على الحق، وتكذيب الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنهم مشغولون بخصومتهم وترتيب حججهم، ورص قواهم، مشغولون بعدوهم، وإدارة صراعاتهم، مشغولون برغبتهم فى الانتصار، حىيصون على غير الحق! وتلك هى الطامة التى تهلك الناس، فى كل زمان ومكان، وفى كل محاور ومستويات الأداء البشرى، أن يكون محل نظر الإنسان واهتمامه غير الوصول إلى الحق، أن يكون مجال اهتمامه غير شامل نظر الله له، واطلاعه على سره وعلانيته.

كثير منا مشغول بالناس، مهتم بهم، حريص على ما لديهم عنه، مشغول برأيهم عنه، بتقييمهم له، بحكمهم له أو عليه، مشغول ببراءته عندهم، وتجميل صورته، وتنقية صفحته لديهم، مشغول بما اتخذهم خصومًا، وبمن يعاديهم، مشغول كل هذا، يضيع العمر فيه، بينما هو غافل كل الغفلة عن الله، عن علم الله به، علمه المحيط الشامل، علمه الذى لا يعزب عنه شئ مهما كان، هو مشغول عن حكم الله له أو عليه، عن تقييم الله له، عن مقامه عند الله، عن مصيره حين ينتهى به المطاف لديه.

نتعلم من هاتين الآيتين منهجًا رشيدًا للحياة، نتعلم الحرص على الحق، أينما كان، نتعلم الاجتهاد أن نتحرى الحق والصواب، نتعلم أن نهتم بما ينفعنا، وبما يصنع الفارق فى حياتنا الدنيا وحياتنا الآخرة،  نتعلم تصويب وجهتنا، فالله هو الغاية، هو الأحق أن يراعى، هو الأحق أن نفوز به، هو الأحق أن نكون عنده من الأخيار الكرام.

 إذا صح منك الود فالكل هين     وكل الذى فوق التراب تراب