قراءة: الدكتور خالد فهمي*
إن الأيام التي فجَّرتها مأساة ضياع القدس موجعة إلى أبعد حد، ومفجعة إلى أبعد حد!
هذا ملخص شديد الإيجاز لما يمكن تصوره، ولما يمكن التوقف أمامه ولا سيما في ديوان الشعر المعاصر.
تقول نازك الملائكة:
يا قبةَ الصخرة
يا لغم
يا إعصار يا سجينة خطرة
على الذي يسجنها غدًا يصير سجنها قبره
يا قبة الصخرة
حاشاك أن ترضى هوان الأمة الحرة
سيهبط النصر على مرتلي القرآن
على المصلين وفي صوامع الرهبان
على الفدائيين في أودية النيران
غدًا غدًا يتفجر البركان
ويبدأ الطوفان
ينتفض الشهيد في الأكفان
يكسر القضبان
يقاتل الآسر والسجان
ينتصر الإنسان
يرتفع الأذان
حرًّا عبيري الصدى من قبة الصخرة
يُرطِّب المهامة القفرة
ويعلن الصلاة والجهاد والثورة
في القدس في الجولان في سيناء
في المدن العذراء
في الريف في سجون إسرائيل في الصحراء
في الأرض والسماء
سيستحيل الماء والتراب والهواء
مدافعًا فاغرةً وثورةً حمراء
تزلزل العصابة السوداء
ويزهق الباطل والبهتان
ويمكرون ويمكر الرحمن.
القصيدة تُمثل نقطة تحول في شاعرية نازك الملائكة، وهي المرحلة التي مهَّدت لتبنيها روح الشعر العربي وتقاليده الراسخة القديمة، والقصيدة صوت قوي مسكون بآثار قوية لما يُسمَّى أحيانًا باسم "الأدب الإسلامي" على مستويات عديدة، فهي إسلامية في لغتها وإسلامية في القضية التي تطرحها، وإسلامية في التصور الذي تتبناه وهي تطرح القضية، وإسلامية فيما سكنها من نصوص تراثية تناصت معها الشاعرة العظيمة.
أنت واجد روحًا عجيبةً تسري في النص ابتداءً من ندائها الشجي المحمل بكل ما يُثير الشجن، ويشدنا بالفقد والحسرة فقبة الصخرة، وهي أثرٌ مادي قادرٌ على أن يُفجِّر في داخل كل مسلم حقيقي كثيرًا من الآلام والآمال، وكثيرًا من الدموع والأحزان، وهي حريصة على استثمار هذه الروح المتوارية خلف هذا المنادي، فتعمد إلى تكراره مرةً أخرى بعد سلسلة من النداء القائمة على بنية الفصل من غير استعمالٍ لحروف العطف وهو ما صنع تكثيفًا بارزًا يشعر بما تمتلكه هذه الأرض المقدسة من طاقات قادرة على مواجهة العدو، وهي طاقات طبيعية وصناعية، الغرض منها استفزاز القوى المجاهدة لكي تسعى نحو استثمارها.
القصيدة تدخل إلى قلب القضية من بابها الرسمي المنطقي طالما شكك فيه كثيرٌ من مخاصمي الحالة الإسلامية ومعاديها، فالنصر معلوم المقومات ومعروفة المقدمات التي ستقود إليه، و"مرتلي القرآن والمصلين" تعبيران يتجاوزان مفهوم الكناية عن موصوف هم المسلمون والإسلاميون أو المقاومون أو المجاهدون والمنتفضون، هما يتجاوزان ذلك كله، وإن كانا صادقين في الدلالة على ذلك الفريق؛ لأن المسألة هنا إفصاحٌ عن الطريق الذي سيحقق تحرير الأرض، وكسر العدو.
وانضمام الرهبان إلى قائمة القصيدة لا يصح أن يُحمَل على رواسب مرحلة قديمة في فكر نازك الملائكة أو لمداعبة تيارات مجاورة للحالة الإسلامية، الرهبان في القصيدة اعتراف واقعي بقبول كل العاملين للقضية، فالوطن محبوه كثيرون، وأحلام التحرير ليست حكرًا على فريقٍ دون غيره.
المصلون ومرتلو القرآن والرهبان والفدائيون عند خطوط النار وجوه متآلفة تدل دلالةً قويةً على إمكان التعايش، هذه الوجوه علامة بارزة على أنَّ الحالة الإسلامية لا تنفي أحدًا، ولا تتنكر لأحدٍ من العاملين للوطن، ربما باسم مفهوم المواطنة، وربما باسم الاشتراك في الهم الواحد، وربما باسم التعايش في الأرض الواحدة، وربما أخيرًا باسم دعوة مبادئها لاحترام كل مخالف ما دام الوطن في دمه، وقضاياه معمول بها.
في القصيدة دعوة صريحة إلى أثر الإيمان في التنمية والرخاء، في القصيدة ربط قوي بين ارتفاع الأذان حرًّا، عبقًا معطرًا يجوب الآفاق، مردود الصدى وبين تنمية الحياة، وارتقائها، ارتفاع الأذان قائد إلى ترطيب الصحارى المقفرة قادر على إعمار الأرض التي يصعب نظريًّا تصور إعمارها.
في القصيدة تخطيطٌ يعلو بمنزلتها ولا يسقط بها، ويوضح الطريق نحو استنقاذ الأرض كل الأرض، وهو مرسوم الخطا، يبتدئ بالصلاة والجهاد والثورة، في القصيدة: فهمٌ راقٍ لحقيقة الصلاة التي تزرع في المصلين القدرةَ على مواجهة كل باطل، في الصلاة المقرونة بالجهاد، والعطف بالثورة على الجهاد لا يصح أن يحمل على أنه عطفٌ تفسيري؛ لأن كلمة الجهاد لم ترجع غريبة أو غير مقبولة، وإنما يسكن في هذا العطف روحٌ تبعث على إمكان تعايش الأفكار إن تلمَّسنا بينها خيوطًا متشابهة، فالجهاد والثورة عند غير الإسلاميين يلتقيان إن كان الهدف طرد عدو، ودحر احتلال، وتحرير أرض.
في القصيدة دعوة لم تعد إلا مع الحالة الإسلامية إلى توحيد الانتماء لعالمٍ بينه من الروابط ما لا يخفى من دينٍ ولغةٍ وجغرافيا، وما من متشابكٍ يتداخل ولا يصح أن ينظر إلى القدس والجولان وسيناء على أنها مدن بأعيانها، مقصودة دون غيرها، الحالة الإسلامية ترى الأرض العربية والإسلامية كلاًّ واحدًا، بدليل هذا الجمع الجميل المستكن في تعبير (المدن العذراء) والبادي من خلف تقنية طباق الاستغراق والشمول المسكون في تعبير (في الأرض والسماء)، هذا الطباق يهدف إلى أنَّ الأرضَ كلها هي همنا في مسعى التحرير والتنمية.
القصيدة تعلن أن تحرير الأرض قادم باسم الأرض التي تدافع عن نفسها، وباسم الأرض التي تجند كل إمكاناتها في ذلك السبيل وباسم الدم الذي ينتفض وباسم السير في منطق الأشياء، وباسم أن الاحتلال باطل وبهتان وباسم التاريخ الذي يقرر في وضوح سقوط كل عصابات البغي، وباسم القدرة الإلهية البديعة التي تقضي على مؤازرة المجاهدين، وبالقدرة على إسكات صوت الماكرين وباسم الرحمة التي تشمل كل العاملين من أجل حرية الأوطان.
قصيدة نازك الملائكة للصلاة والثورة صوت حر يرد بعنف على كثيرٍ من الذين ينالون من الأدب الإسلامي، وينال كثيرًا من الذين شغبوا زمانًا طويلاً حول جدوى المعجم اللغوي الإسلامي.
في قصيدة نازك الملائكة إحياء لمعجمٍ ثري مفعم بتأجيج التعاطف مع القضية والتحرك لنصرتها، لم تأب القصيدة، أن تحتفي بالصلاة وبمرتلي القرآن وبالصوامع، لم تلفظ القصيدة الجهاد والشهيد والانتفاض والقضبان والبهتان، ولم تقع ألفاظ من غيرها موقعا قلقًا، استطاعت القصيدة أن تتعامل مع المعجم الإسلامي تعاملاً جيدًا دافع عن القصيدة.
وتشابكت القصيدة في النص الحاكم لثقافتنا، وهو القرآن الكريم، فلم تأتِ الأسطر الشعرية التالية (ويزهق الباطل والبهتان، ويمكرون ويمكر الرحمن) قلقة فاقدة الحياة، استطاع ذلك الاقتباس الحي أن يبعث الأمل في النفوس.
قصيدة نازك الملائكة تعلن بقوة أن الشعر المعاصر، لم يزل قادرًا على مناصرةِ كبرى قضايانا، للصلاة والثورة ندعو، وبالصلاة والثورة، ستعود الأرض حرة!
---------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية
كلية التربية للبنات بالجوف- السعودية