لا ريب أن في القرآن الكريم هدى للمتقين، وأنه شفاء ورحمة للمؤمنين، وأنه يهدى للتي هي أقوم، وأنه يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وغير هذا من البركات والخيرات، فالحمد لله على نعمة القرآن. ونسأله سبحانه التوفيق للشكر، والانتفاع بالقرآن، وألا نكون ممن اتخذه مهجورًا! اللهم آمين.

فكيف للمؤمن أن يغترف من فيضه، ويستضيء من نوره، ويهتدى بهداه؟ كيف للمؤمن أن يفوز بالقرآن الكريم؟ كيف له أن يكون من أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته؟

إن القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله له، وهو متاح لكل البشر، كما أراده الله رب العالمين، فليس لأحد من الناس- مهما كان- سلطة على القرآن، ولا نفوذ، ليس لأحد- كائنا من كان- أن يمنع أحدًا من قراءته، ولا النظر فيه، ولا الاهتداء بهديه. فمالنا لا ننهل منه! ومالنا أشبه بالمعرضين عنه! ومالنا لا نهتدى ببيناته، ولا نحتكم لأوامره، ولا نقيم له بيننا وزنه المستحق! أخشى أن نكون ممن عناهم القرآن بشكوى الرسول الكريم: {وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورًا} نعوذ بالله، ونستغفره، ونتوب إليه.

والطريق إلى القرآن وإلى هدايته محفوف برضوان الله، وفرحه بما يبذل العبد ويجتهد. والطريق إلى القرآن وهدايته مزين بصحبة الأخيار الكرام، ممن اصطفاهم ربهم، وأعلى فى الدارين ذكرهم، {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا...} {بل هو آيات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم}

ولعل مما يفيد الإنسان ليفهم القرآن الكريم، وينزله منزلته المستحقة، وينتفع بخيراته على أفضل الوجوه وأكملها، ويهتدى بهدايته كاملةً غير منقوصةٍ، أن يعلم حقيقة القرآن الكريم، وأوصافه وخصائصه، وأن يعلم كذلك ماذا قال عنه الله سبحانه، ورسوله الكريم- صلى الله عليه وسلم- وكذلك من المفيد أن يعلم الإنسان طبيعة ما في القرآن الكريم من علوم وحكم، وبديع عرض الحقائق المختلفة، وأن ينتبه لاختلاف الأساليب الوارد استخدامها، كذلك أن يجتهد ليمتلك القدرة على التفريق بين صور البيان القرآنى المتعددة، من تقرير للحقائق، وعرض للنماذج، وتعقيبات وعبر، وبيان سنن، وأوامر ونواه، ومواعظ وإشارات في شتى ما يحتاجه الناس.

من المفيد، بل من الضرورى أن يستثمر الإنسان فى القرآن الكريم، أن يبذل الوقت، والجهد، أن يعمل الفكر، وما لديه من علوم وخبرات، حتى يحصد من ثمار ذلك كله خيرًا، بل يحصد الخير العميم الذى وعدنا ربنا، وهو الهداية للتي هى أقوم، والبشرى للمؤمنين، والفلاح والفوز المبين، من المهم أن يتعامل الإنسان مع القرآن كما أراد الله لنا أن نتعامل معه، من المهم أن نفهم القرآن كما أراد الله لنا أن نفهمه، وأن ننزل القرآن منزلته التى أنزله الله إياها، ولا يجوز بحالٍ أن نتعامل مع القرآن كيفما اتفق، لا يجوز لنا أن نتعامل مع القرآن الكريم كما يتعامل أحدنا مع كلام غيره، ولا كما توارثنا التعامل مع القرآن، ولا كما يفعل غيرنا، بل الأصل أن نتفق على أن التعامل مع القرآن عبادة، بل أشرف العبادات، وأن التعامل مع القرآن هو المدخل، وهو أول الطريق لفهم الإسلام، وإدراك ما فيه، ولن يستطيع أحد أن يفهم الإسلام بعيدًا عن القرآن، وكل فهم للإسلام بعيدٍ عن القرآن أو عن السنة- أحدهما أو كليهما- فهو اجتهاد بشرى بعيدًا عن النص الحاكم، وهو لا يلزم أحدًا. 

فلن يكون الإنسان حكمًا على الله! ولن يكون الإنسان حكمًا على كلام الله، وعلى رسالته، وعلى مراده من خلقه. 

من المهم جدًا أن نأتي البيوت من أبوابها، وأن نطرق الأبواب الصحيحة في الظرف الصحيح، وبالطريقة الصحيحة، ولن يغلق الله باب هدايته أمام مجتهد صادق.