محاور الفهم
إن مما يساعد العاقل على فهم القرآن الكريم، وإدراك المزيد من هدايته، والاطلاع على حكمه الربانية، وعلومه الشريفة العالية، مما يساعد على أن يرتقي في فهمه، وأن يتعمق فيه؛ ومما يساعده على تحقيق ذلك أن يفهم القرآن الكريم باعتبار كل محاور فهمه.
ومحاور فهم القرآن الكريم هي تلك الاعتبارات التى يجب أن نفهم النص القرآنى باعتبارها، وتلك المحاور متعددة، ولا يحدها إلا فهم الإنسان وقدرته على إدارة معنى النص القرآنى، واستحلاب خيره، ومن تلك المحاور محور المتحدث- سبحانه- بأسمائه وصفاته، ومحور مراد الله من خلقه، ومحور الزمان، ومحور المكان، ومحور المخاطَب، ومحور غيره من الناس، ومحور القدرات الممنوحة، ومحور القدرات الممنوعة، ومحور الفرص المتاحة، ومحور الفرص غير المتاحة، ومحور ما جاء المخاطب من العلم، ومحور ما غاب عنه من العلم، ومحور مستويات الأداء المطلوب، وما يتعلق بها من درجات الناس عند الله، ومحور الشيطان، وأهدافه من الإنسان، ومحور حقيقة الحياة الدنيا، وغير ذلك مما يكون من محاور، وما يتعلق بالنص من اعتبارات.
ذلك أن النص القرآنى هو كلام رب العالمين، ليس كمثله كلام، ولا يقاربه كلام من كلام البشر مهما كان قائله، فالقرآن حينما يحدثنا، يراعى كل هذه المحاور مجتمعة، والقادر وحده هو القادر على ذلك، ولابد أن نتذكر هذه الحقيقة، ونستشعر هذه الخاصية المعجزة، ونحن حين نفعل ذلك نقترب كثيرًا كثيرًا من الفهم الأعمق للمعانى القرآنية، وتتسع أمام عيوننا عطاءات القرآن، وهداياته البليغة، ونفتح لقلوبنا منافذ الأنوار، فتتجلى لنا الكثير من الحقائق، ونلمس هداية القرآن بأيدينا.
وكذلك تتعدد وسائل البيان في القرآن الكريم، فمرة تجد تقريرات لحقائق الكون والحياة، وما يتعلق بطبيعة النفس البشرية، وأحوالها المختلفة، ومرة تجد عرض النماذج البشرية، ما اهتدى منها ومن ضل، وتجد أفعالهم وأقوالهم ومواقفهم، تجد ذلك في مختلف ما مر بهم من ظروف القوة والضعف، والبدايات والنهايات، ومرة تجد في القرآن بيان الأعمال المترتب عليها نتائجها، على صورة الشرط والجزاء، أو معادلات الحياة التى لا تتخلف، وقريب منها ما عرضه القرآن من سنن الله في خلقه، مثل قوانين الصراع بين الحق والباطل، وشروط النصر، وظروف تخلفه، ومنها ما يعرض طبيعة أهل الحق وأعمالهم، وطبيعة غيرهم من أهل الباطل واعمالهم، ومنها ما يبين أنواع الناس في هذه الحياة، ونماذجهم المختلفة والمتعددة، ومن القرآن ما يعرض صورًا لقدرة الله، وحكمته، أو صورًا لرحمته وقيوميته، وغير ذلك من جميل أسمائه الحسنى وعظيم صفاته العليا، ومن القرآن ما يعرض صورًا لمستقبل البشر فى الحياة الآخرة، فيعرض ما بعد الموت من مراجل مختلفة، ونهايات مختلفة، فيعرض الجنة والنار، وما فيها مما أعد الله أهل كل منها، ومن القرآن ما هو أحكام وتشريعات، وآداب وأخلاق، وغير ذلك مما يجده المؤمن الذى يعايش كتاب الله- عز وجل.
ولا ريب أن هذه الأنواع كلها وغيرها، تختلف فى هدايتها، ولون عطائها، وطريقة الاستفادة منها، لكن الذى يفيد كل متدبر للكتاب العظيم أن يستحضر في كل مرة يتدبر فيها مختلف المحاور التى ذكرناها، فكل جملة قرآنية تستحق أن ننظر ونعيد النظر فيها، كل جملة قرآنية تستحق تفهم ويعاد فهمها باعتبار كل هذه المحاور.
ذلك أن القرآن حق كله، وأنه كله من عند الله، والقرآن كله يراعى هذه المحاور جميعًا، وذلك طرف من إعجازه، ودليل على أنه من عند الله، (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا)
فعلى المتدبر في القرآن أن يدير المعنى باعتبار كل محور، ولا يوقف نهمه، ولا يغلق عن فضل الله بابه، فالقرآن مأدبة الله، وقد وصفه الله بأنه كتاب كريم، والكريم حينما يملك يعطى، وحينما يعطي الكريم فهو يعطي حسب قدرته على العطاء.