كلمة قالتها مريم عليها السلام، وأمنية تمنتها، وهي زفرة صدر ضاق بما يحمل، وعلامة حزن شديد ألم بنفس مكروبة تحمل ما لا تطيق من هم الأيام القادمة، وما تحمله هذه الأيام من تحديات جسام. كلمة قالتها مريم وهي في أتون الابتلاء، تلتهم المخاوف المرعبة عقلها الصغير، وتشتعل في جنباتها نيران الرعب من المجهول، ذلك المجهول الذى لا يحمل من بشارات الخير إلا حسن ظن بالله. قالتها مريم، وهي فى وسط المحنة الرهيبة، وحيدةً ضعيفةَ حيرى، بعيدة عن أهلها وديارها، والناس أجمعين، لا تكاد تصدق أو تستوعب ما يحدث لها، وما يحدث لها ليس له مثيل معلوم، فلم يسبقها أحد بمثل هذا الابتلاء.
إنها محنة العذراء الطاهرة العابدة المتبتلة، المنقطعة في محرابها، التى نذرتها أمها التقية المؤمنة، نذرتها قبل مجيئها إلى هذا العالم، نذرتها أن تهبها لله خادمة فى بيت الله، وقد كانت تظن أن ما في بطنها ذكر يصلح لهذه المهمة، لكن الله وهب الأم الصالحة بنتا صالحة، وتقبلها بقبول حسن، وأنبتها نباتا حسنا، ثم نشأت مريم في كنف نبيّ من أنبياء الله- زكريا عليه السلام، نشأت في المسجد، ولم تعرف إلا المحراب والعبادة والتقرب إلا مولاها العظيم، يأتيها رزقها من عند الله، فيتعجب لها ولرزقها النبى الكريم زكريا، نشأت مريم وهي ليست في شيء من شئون الدنيا، وليس لها في شهواتها ولهوها ولعبها نصيب.
إنها محنةُ لم تخطر لها ببال، ولم تخطر على بال أحد! أن تصبح هذه العذراء مثال الطهر والنقاء، مثال العفة والتقوى، مثال العبادة والتنسك، موضع الكرامات، ومأوى الفضائل، ومنبع التدين ومنتهى أمل الصالحين- محنة أن يخلق الله في بطنها ولدَا من غير زواج، وينمو جنينها، ويقترب موعد الولادة، إنها لحظات المواجهة التى تقترب، مواجهة العالم بأسره، مواجهة الناس بهذا الحدث الضخم العجيب.
إن آلافَا من الساقطات يضعن أطفالهن من البغاء غير آبهين بما يقول الناس ولا ما يفعلون، ولا يزالون، يتكاثر عددهن في هذا العالم. ولكن الأبرار الأخيار لهم ميزانهم ولهم كرامتهم، لذا فقد كانت مريم على ما وصفها ربها، ضاقت بها الحياة، وشق عليها أمر نفسها، فتمنت الموت، تمنته مستحيلًا، إذ تمنته فى ماضى الأيام - (يا ليتنى مت قبل هذا)، إنها المؤمنة الصابرة التقية، لكنها هى على طبيعتها البشرية، مثل كل إنسان يضيق ببلائه، لا سيما حين يجهل قادم الزمان، وما يحمله له من أقدار الله العظيم، الكريم، الحليم، الرحيم.
تمنت أن لو كانت نسيًا منسيًا، تمنت أنها لم تكن، ولم يكن يعلم بها أحد، ولا يذكرها أحد، هكذا نسيًا منسيًا، وقد كان يكفى أن تتمنى واحدة منهما، لكنها الرغبة المتجذرة فى النفس، المسيطرة على كل الخلجات والثغرات، المتحكمة فى العقل والضمير، التى لا تترك مجالًا لغيرها، رغبة أن تكون قادرة على أن تنأى بنفسها عن هذا الاختبار الصعب العصيب، رغبة أن تختار قدرها بيدها، وتحدد نوع ومكان وزمان ومقدار الابتلاء.
إنها رغبة متكررة بين الصفوف المؤمنة، مهما اختلف الزمان، والمكان، والظروف، وشخوص المؤمنين!
إننا نضيق بقدر الله لنا، هذه حقيقة، ومن الخير أن نتعرف عليها، ونعترف بها، من الخير أن نواجه أنفسنا بعيوبنا، وذنوبنا، من الخير أن نفر إلى الله، نقر بذنوبنا حتى نتوب منها، ونستغفر الله كما ينبغى لجلاله وكماله وحكمته ورحمته.
والعجب كل العجب أن ترى أقدار الله مع مريم، أن تتفكر وتتدبر في هذا المآل العجيب، الذى لا يقدر عليه إلا الله! لقد كانت أمنية مريم أن لو كانت نسيًا منسيًا، فإذا بها اليوم أكثر نساء العالمين شهرةَ، بل، أكثرهن احترامًا وتقديرًا، ، ولك أن تتخيل عدد الملايين، بل، آلاف الملايين من الناس وعبر المئات من السنين، وفى أقطار المعمورة، وباختلاف اللغات واللهجات، كلهم يحبون مريم، ويعرفون مريم، المسلمون منهم يعرفون لها قدرها، ويقرءون مديحها في قرآنهم، ومن النصارى من يجعلها أمًا للإله، ومنهم من يتخذها إلها، يصنع لها التماثيل، ولتوجه لهذه التماثيل بصنوف العبادة! تلكم مريم، التى- يومًا ما تمنت النسيان، وتمنت أن تطويها جهالة الناس بها! إنه قدر الله، يأبى الله إلا أن تكون إرادته هى النافذة، وكلمته هى العليا.
ولنا فى ذلك العبرة والدرس البليغ، فليس لمؤمن أن يرى لنفسه عند ورود الأقدار شيئا، إنما نحن لله، وبالله، إنما نحن جنوده، شرفنا الله بالعمل له، والتذكير به، وبذل الجهد لنصرة دينه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولولا فضل الله علينا ورحمته ما اهتدينا ولا صلينا، ولا سلكنا طريق أصحاب الدعوات.
ليس لصاحب الدعوة أن يختار على اختيار الله، ولا أن يشتهي غير ما أراد الله، ولا أن يرجو أن يعجل ما أخر الله، أو يتأخر ما أراد الله له التعجيل، إنه يؤمن أنه (ليس لك من الأمر شئ)، (وأن الأمر كله لله) (ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون)
إننا بحاجة ماسة لمراجعة مثل هذه الحقائق، هذه الحقائق التى ما قصر القرآن ولا السنة في عرضها، وعرض تفاصيلها، لكننا لا نحسن القراءة أحيانًا، وأحيانَا لا نتفكر، ولا نتفهم، فنكون كمثل الحمار يحمل أسفارًا.