في كل بلدان العالم هناك حقوق للمسجونين والمعتقلين السياسيين لا يتم منعها حتى عن أكبر عتاة المجرمين، فيما يجري سؤال المحكومين بالإعدام عن آخر أمانيهم ليتم تحقيقها؛ إلا أن حال المسجونين والمعتقلين بمصر يختلف عن باقي دول العالم.

جهاد عبدالغني (33 عاما) معتقل سياسي من محافظة الشرقية، محكوم بالسجن 15 عاما، ولم تكن أمنيته إلا أن يموت بين يدي أسرته، خاصة أنه مريض بالسرطان، وعاني في أيامه الأخيرة من شدة الألم.

لم تكن فقط قرارات مصلحة السجون بداخلية الانقلاب وقادة سجن "الزقازيق العمومي" و"أبوزعبل 2"، بالقاهرة الكبرى، و"بدر 3"، قرب العاصمة الإدارية الجديدة، بمنعه من العلاج على نفقة أسرته طوال عام ونصف العام يعاني فيهما من سرطان الفم؛ وحدها التي قتلت جهاد.

بل إن فقدانه الأمل في تحقيق أمنيته بأن يموت على فراشه كانت سببا في تعجيل موته بجانب رفض السلطات إجراء عملية جراحية قررها الأطباء، لتنتهي رحلة الألم والتعذيب البدني والقهر النفسي والحرمان من العلاج الذي تكفله كل التشريعات.

وقد أُبلغت أسرة جهاد، الأربعاء 21 ديسمبر الجاري، بوفاته، وأنه لفظ أنفاسه الأخيرة داخل محبسه بالمركز الطبي، لمجمع بدر للإصلاح والتأهيل، نتيجة وفاته بسرطان الفم والحلق.

أرسل جهاد رسالته الأخيرة إلى المدير التنفيذي للشبكة المصرية الحقوقي المصري أحمد العطار، الذي قال لـ"عربي21": "عشت مع جهاد أزمته منذ بداية مرضه، دون أن أعرفه أو ألتقي به، حتى آخر استغاثة أرسلها لي، وكان يتمنى أن يموت وسط أولاده وأسرته".

تعذيب هنا ورأفة هنا

وفاة جهاد، تأتي بعد وفاة السجين أشرف عبد السلام منصور بمحبسه في سجن "برج العرب" بمحافظة الإسكندرية، وسط مطالبات بالكشف عن أسباب وفاته.

وفي المقابل، تنتهج سلطات الانقلاب نهجا أكثر قانونية ورأفة مع السجناء من رجال الأعمال، والمشهورين، إذ تتزامن وفاة جهاد، وأشرف، مع وفاة رجل الأعمال والإعلام السابق محمد الأمين، بمستشفى خاص، بينما كان يقضي عقوبة حبسه في قضية مخلة بالشرف، هي "استغلال جنسي لفتيات بدار أيتام يمتلكها ببني سويف".

ويقول أحد السجناء الجنائيين، من منطقة حلوان بالقاهرة: "قضيت 3 أعوام حبسا في سجن طرة، أثناء حبس رجال أعمال ووزراء عهد حسني مبارك ونجليه علاء وجمال، وكنا نتمتع بالكثير من الامتيازات ونظل طوال اليوم خارج الزنازين، أسوة بمعاملة كبار رجال الدولة".

وأضاف لـ"عربي21": "كنا نتريض، ونظل في الشمس والزيارات بلا توقف، والطعام والعلاج جيد"، مؤكدا أنه "حتى في السجون هناك من يعيشون كالباشوات وهناك من يجري تعذيبهم".

الجريمة مستمرة

ولا يزال المئات من المعتقلين رهن الإهمال الطبي، فيما ترفض السلطات المصرية هذه الاتهامات، وتعلن وزارة الداخلية عن وجود رعاية طبية جيدة، للمسجونين.

وهو ما تشكك فيه منظمة العفو الدولية، عبر بحثها الذي شمل 16 سجنا مصريا، وكشفت فيه أن عيادات السجون تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لتقديم رعاية صحية كافية.

وعلى سبيل المثال، يقبع المرشح الرئاسي السابق عبدالمنعم أبوالفتوح، المعتقل منذ فبراير 2018، وسط معاناته مع مرض السُكري وارتفاع ضغط الدم وتضخم البروستاتا، ورفض سلطات السجن مرارا طلبه بتلقي العلاج على نفقته.

واستشهد الرئيس محمد مرسي، 17 يونيو 2019، بذات الطريقة وهي القتل البطيء بالإهمال الطبي المتعمد، وفق ما أكدته منظمات حقوقية حينها.

وهي الطريقة، التي استشهد بها الدكتور عصام العريان في 13 أغسطس 2020، وسط رفض جهاز الأمن الوطني نقله لمعهد أمراض الكبد.

واستشهد فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين ، في سجن طرة عام 2017 نتيجة الإهمال الطبي.

ماذا تقول أرقام وإحصائيات قتلى الإهمال الطبي المتعمد؟

منظمات حقوقية مصرية قدرت عدد السجناء والمحبوسين احتياطيا بـ 120 ألف سجين، منهم حوالي 65 ألف معتقل سياسي، وبإجمالي 82 ألف سجين محكوم عليهم، و37 ألف محبوس احتياطي.

ولا يكاد يمر شهر حتى تقدم المنظمات الحقوقية أرقامها بحصيلة الموتى خلف القضبان داخل نحو 88 سجنا، بعدما هزمهم المرض وأكلتهم الزنازين، وسط تعمد مصلحة السجون تجاهل آلامهم، ورفض طلباتهم للعلاج على نفقة أسرهم، ليهزمهم المرض، ويتواصل انفراط عقد المعتقلين السياسيين.

ووفق إحصاءات، "مركز الشهاب لحقوق الإنسان"، فهناك 46 مصريا توفوا بالسجون ومقار الاحتجاز عام 2021، ليشهد العام 2020 وفاة 73 سجينا، وقبلهم 40 شخصا عام 2019، و36 بالعام 2018، و80 في 2017، و121 عام 2016، و185 في 2015، و166 عام 2014، و73 في 2013، بإجمالي 820 مصريا خلال تلك الفترة.

وفي نوفمبر 2022، وثقت منظمات حقوقية، 1095 حالة وفاة لمعتقلين بالسجون ومقار الاحتجاز المصرية منذ الانقلاب العسكري عام 2013، نحو 15 بالمئة منهم في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور و85 في المائة في عهد قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي.

ووفق منظمة "كوميتي فور جستس"، كان السبب الأول للوفاة الحرمان من الرعاية الصحية بنسبة تفوق الـ 70 في المائة، فيما كان التعذيب سبب وفاة 13 في المائة، كما شكل سوء أوضاع الاحتجاز 2.7 في المائة.

وفي 2021 وحدها، ووفق إحصاءات منظمة "نحن نسجل"، توفي 60 محتجزا بالسجون ومقار الاحتجاز المصرية، بينهم 52 سجينا سياسيا و8 جنائيين، بينهم 6 أطفال.

وفي 2022، رصدت منظمات حقوقية وفاة 5 مصريين بمراكز ومقار الاحتجاز في نوفمبر، وتوفى اثنان في أكتوبر، و4 في سبتمبر، و6 في  أغسطس، و7 في يوليو، وواحد في يونيو، و6 مصريين محتجزين في  مايو، و3 في إبريل، ومثلهم في فبراير، و2 في يناير، ليبلغ العدد نحو 38، بالإضافة إلى وفيات ديسمبر.

وأكد الحقوقي خلف بيومي، لـ"عربي21"، أن عدد قتلى الإهمال الطبي في السجون المصرية خلال العام الجاري، حتى الآن هم 37 معتقلا سياسيا.

تورط السلطات

من جانبه قال العطار: "خلال متابعتنا ورصدنا وتوثيقنا لوفاة المعتقل جهاد عبدالغني، بعد رحلة شاقة ومؤلمة ومراحل متصاعدة من القهر والعجز عن إنقاذ حياته، ليس فقط بسبب الآلام المستمرة، ولكن لتورط سلطات سجن الزقازيق، وليمان أبوزعبل 2 فى وفاته".

وأضاف لـ"عربي21": "وبالإضافة لظروف الحبس بأماكن وزنازين تفتقد أدنى معايير الإنسانية، والتي زادت معاناة جهاد، وكلها إجراءات أعتبرها جريمة لا تقل عن جريمة الإعدام بإجراءات موجزة".

وأكد العطار، أن "ما حدث مع جهاد، حدث لمئات المعتقلين الذين ماتوا بالسجون وأماكن الاحتجاز، حيث تمكنا من رصد ما حدث للبعض وآخرين لم نتمكن من معرفة ما حدث لهم، وتوفوا دون معرفة الأسباب".

وأوضح أنه "خلال العام الحالي تم رصد وفاة 39 معتقلا غالبيتهم بسبب ظروف الحبس المزرية، وانعدام الرعاية الصحية والطبية وتأخر العلاج"، مبينا أن "ما يحدث من جريمة هو استهتار واستهانة بأرواح وأعمار المحبوسين بقضايا سياسة أو جنائية".

وقال إن "هذا نتيجة طبيعية لسياسة السلطات المصرية القضائية والنيابية، والتي تعمل على فتح جميع الأبواب للسلطات التنفيذية لارتكاب المزيد من الانتهاكات الأمنية الخطيرة بدون رقابة أو محاسبة لترسيخ سياسة الإفلات من العقاب".

وختم حديثه بالتأكيد على أن "الجرائم التي تُرتكب بحق المعتقلين لا تسقط بالتقادم".

إدانات دولية

وقالت منظمة العفو الدولية، إن مسئولي السجون بمصر يعرِّضون سجناء الرأي وغيرهم من المحتجزين بدواع سياسية للتعذيب ولظروف احتجاز قاسية وغير إنسانية، ويحرمونهم عمدا من الرعاية الصحية عقابا على معارضتهم.

وأكدت المنظمة في تقريرها الصادر في 25  يناير 2021، أن قسوة السلطات تسببت أو أسهمت في وقوع وفيات أثناء الاحتجاز، كما أنها ألحقت أضرارا لا يمكن علاجها بصحة السجناء.