يخطو الاقتصاد المصري المتباطئ نحو عام جديد، وسط صدمات خارجية تنذر بأوضاع قاتمة، وأجواء محلية تدفعه إلى مزيد من التراجع والركود والبطالة، مع ندرة مستلزمات الإنتاج، وتضخم يتوقع أن يبلغ ذروته، عام 2023، ويستمر حتى منتصف عام 2024.
فقد الجنيه 58% من قيمته عام 2022، وارتفع معدل التضخم الأساسي إلى 21.5%، نوفمبر الماضي، ويتوقع خبراء أن يتراوح ما بين 25% إلى 27%، مع زيادة الفائدة على الجنيه، وتصاعد تقديرات الدين الخارجي إلى 200 مليار دولار، نهاية العام.
وفشلت حكومة الانقلاب في إعادة إنعاش اقتصاد أوقعته في فخ "إدمان الديون" التي أنفقتها على مشروعات لا تدر عائدا سريعا أو عديمة الجدوى، ساعية إلى إقناع المواطنين، بقدرتها على تجاوز أزمة مالية حادة، صنعتها بأيديها، فدفعتها إلى بيع الأصول العامة بسعر بخس، مقابل مشروعات لا يستفيد منها الجمهور.
طرق نظام الانقلاب أبواب العام الجديد، بإعلان "وثيقة ملكية الدولة"، وتسليم مشروع موازنة العام المالي 2023/ 2024، بعد أيام من توقيع اتفاق ثالث، مع صندوق النقد الدولي، يستهدف تحريرا كاملا للعملة وإصلاحا ماليا وهيكليا، مصحوبا بـ"خطة إنفاق عامة، تدعم الشرائح الاجتماعية الأكثر تضررا من الأزمة الاقتصادية الحالية".
بشر وزير مالية الانقلاب المواطنين بزيادة العجز في الموازنة إلى 558.2 مليار جنيه، حيث سترتفع الإيرادات العامة إلى 1.52 تريليون جنيه، بنسبة 11%، عن العام الجاري. وتجاهل ذكر وسائله لتمويل العجز، في ظل حالة الانكماش التي تمر بها المصانع، والركود الحادث بالأسواق، وزيادة معدلات البطالة، بما سيؤثر على حصيلة الضرائب العامة.
يشير تقرير الأداء السنوي للموازنة العامة الصادر منذ أيام، عن البنك المركزي للعام المالي 2021-2022، إلى وجود شهية شرسة للحكومة للاقتراض، وطلب معونات من دول ومؤسسات مالية إقليمية وعالمية، من شتى بقاع الأرض، بما "أبقي الدولة رهينة بقدرة الحكومة على الاقتراض واستمرار المعونات"، من أجل تمويل العجز الدائم والمستمر في الموازنة.
وشكلت ودائع دول الخليج بالبنك المركزي نحو نصف الديون، حتى نهاية يونيو 2022، بعد أن ارتفعت وديعة الإمارات إلى 5.7 مليارات دولار، والسعودية إلى 5.3 مليارات، وقطر إلى 3 مليارات ومقايضة اليوان الصيني قيمتها 2.7 مليار دولار.
وتجرع المصريون الدواء المر، مع الخفض المستمر للجنيه، وأنفق البنك المركزي 25 مليار دولار من أرصدة البنوك والقروض الدولية، والأموال الساخنة، لدعم استقرار سعر الصرف من يونيو 2020 حتى مارس 2022، بما أدى إلى وضع مالي غير مستقر، مع هروب 25 مليار دولار أخرى من التدفقات الأجنبية، بعد زيادة الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة على الدولار، فانخفض تصنيف مصر الائتماني إلى سالب B، مع توقع "فيتش" عدم قدرة الدولة عن سداد ديونها.
يدافع رئيس الوزراء عن سياسة الحكومة بالتوسع في الاقتراض، ويعتبرها ساهمت في إقامة مشروعات عملاقة، داعمة للبنية التحتية.
يجابه رجال الأعمال والخبراء تفاؤل المسئولين عادة، بوابل من الانتقادات، فيؤكدون أن الحكومة "ليس لديها القدرة على تغيير الطريقة التي تعمل بها في إدارة الاقتصاد". وكشف أحمد جلال وزير المالية الأسبق، والمكلف من قيادة الانقلاب بإدارة الملف الاقتصادي فيما يسمى "الحوار الوطني" الذي بدأ أغسطس الماضي، لبحث خروج مصر من الأزمة الاقتصادية، في تصريح لـ "العربي الجديد" أن "الحكومة تمشي في المسار نفسه الذي جربته مرارا وتكرارا وثبت فشله، حيث تصر على التشدد النقدي، وتخفيض قيمة العملة، دون أن تبحث عن الوسائل الأخرى التي توقف إهدار المال العام، واستغلال الطاقات المتاحة، في المؤسسات القائمة، دون الحاجة إلى إهدار المزيد من الأموال المقترضة، لبناء أخرى، لا حاجة للدولة بها".
يشير جلال إلى أن أغلب المباني العامة والمصانع، تعمل لفترة واحدة، بينما يمكن رفع طاقتها الإنتاجية، لتعمل على مدار الساعة، مبينا أن تمويل الاستثمار العام بالقروض، يجب أن يتوقف، إلا في أضيق الحدود، وأن تمتنع الحكومة عن إنشاء صناديق خاصة، لتتحول إلى جيب من الجيوب الغائبة عن الموازنة العامة.
وأشار خبراء إلى دعوة نظام الانقلاب لمؤتمر اقتصادي موسع في أكتوبر الماضي، في نهاية المطاف انتهى إلى توصيات لم يقبلها "نظام أحادي عنيد يصر على السيطرة الكاملة على إدارة الاقتصاد وتوجهاته المستقبلية، في اتجاه يمثل كارثة على المصريين، حسب خبراء اقتصاد".
وأدرك الخبراء أن المؤتمر الاقتصادي الذي حضره 1200 رجل أعمال وخبير عالمي ومحلي، انتهي "بالفشل، بعد أن حدد رأس النظام اتجاه الاقتصاد وحدوده الحمراء، مع تمسكه بدور الجيش في إدارة الاقتصاد والأعمال، وتشككه في القطاع الخاص وقدرات المدنيين، ومن بينهم نائب رئيس وزراء سابق داعم للنظام".
وأشار أعضاء بجمعية رجال الأعمال، إلى دهشتهم من موقف الحكومة من حلول طرحوها لزيادة الإنتاج الصناعي والزراعي والصادرات لمواجهة الأزمة الاقتصادية، وتقدموا بها لمجلس الوزراء منذ سبتمبر الماضي، ولم يُلتفت إلى خططهم ولا مشاكلهم إلا بعد اتفاق الحكومة مع صندوق النقد على إخراج الواردات من الجمارك.
وأوضح عضو مجلس إدارة الجمعية حسن الشافعي لـ "العربي الجديد" أن الحكومة أطاحت بأهم الخطط المقدمة لها للنهوض بالصناعة، والتي تستهدف الوصول إلى صادرات بقيمة 100 مليار دولار، حيث ألغت فجأة الدعم عن قروض المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ورفعت سعر الفائدة بالبنوك، نهاية ديسمبر، والتي تستوعب نحو 250 ألف منشأة ومشروع يعمل بها ملايين الأسر بالمحافظات.
ويطالب رجال الأعمال بضرورة الاستماع إلى القطاع الخاص، الذي تراجع دوره بصورة غير مسبوقة، في الناتج الإجمالي من 16% إلى 6.5% في العقد الأخير، وتحسين بيئة الأعمال، وإزالة المعوقات التي تجبرهم على وقف الأنشطة أو تحجيم الاستثمارات والهروب للخارج.
وتؤكد مديرة مؤسسة التمويل الدولية، ياسمين الحيني، أهمية الشفافية داخل مؤسسات الدولة، وبناء جسور الثقة مع القطاع الخاص، والتي يظهر جديا أثرها عند تطبيق السياسات العامة. ويحذر الرئيس التنفيذي لمجموعة صافولا، سامح حسن، من التعويم المتكرر للجنيه، الذي يربك المستثمرين ويدفع إلى تآكل الأرباح ورءوس الأموال، بما يفقد السوق المصري جاذبيته للاستثمار المحلي والأجنبي المباشر.
ويرفض سياسيون توسع حكومة الانقلاب في الاقتراض للإنفاق على مشروعات العاصمة الجديدة، والمشروعات التكميلية المرتبطة بها، ومنافسة القطاع الخاص في مشروعات يمكنه الاستثمار بها وخاصة الخدمية، كالمطاعم والفنادق والمحلات، ومحطات الوقود.