سلط أستاذ العلاقات الدولية، الخبير في شئون الشرق الأوسط، محمد سلامي، الضوء على تردي الوضع الاقتصادي في مصر، مشيرا إلى أن تدخل الجيش في اقتصاد البلاد، وضعف العملة الوطنية، والحرب في أوكرانيا، ووضع ما بعد جائحة كورونا، والعديد من القروض الدولية، كلها عوامل جعلت هذا الوضع أكثر خطورة.

وذكر سلامي، في مقال نشره بموقع "ميدل إيست آي"، أن السلطات المصرية اعتمدت في الغالب على مساعدة حلفائها التقليديين، العرب والغربيين، الذين حصلت على دعمهم من خلال تعزيز القيم الغربية والاستقرار والحفاظ على توازن القوى الإقليمي.

لكن القاهرة أدركت تدريجياً أن هذه المساعدات كانت مصحوبة بشروط مسبقة من شأنها إما إرهاق الاقتصاد المصري، كما في حالة قروض صندوق النقد الدولي، أو توجيه الثروة خارج البلاد إلى مستثمريها العرب في منطقة الخليج.

ولهذه الأسباب، سعت مصر مؤخرًا إلى تنويع مصادر مساعداتها الخارجية وتعزيز العلاقات مع الحلفاء الآخرين، خاصة أولئك الموجودين في الشرق الأقصى.

وفي نوفمبر 2016، حصلت مصر على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي في أعقاب ثورة 2011 وما تلاها من انخفاض عائدات قناة السويس.

ومع تدهور الوضع الاقتصادي بشكل أكبر، وافق الصندوق على قرضين إضافيين بمبلغ 2.72 مليار دولار و5.2 مليار دولار لوقف آثار جائحة كورونا.

وحصلت حكومة الانقلاب بعد ذلك على موافقة الصندوق بشأن قرض رابع بقيمة 3 مليارات دولار في ديسمبر الأول 2022 على مدى 46 شهرًا بشروط مسبقة للتكيف الاقتصادي.

وتحتل مصر الآن المركز الثاني في الحصول على أكبر مبلغ من القروض المجمعة في تاريخ صندوق النقد الدولي بعد الأرجنتين.

وكان الشرط الأكثر أهمية للصندوق هو خصخصة الأصول الحكومية، على الرغم من قبضة الجيش على الاقتصاد، والتباطؤ في بناء المشروعات الضخمة، والتحول إلى سعر صرف عملة أكثر مرونة.

وخيبت هذه المطالب آمال نظام الانقلاب في القاهرة، وأشار سلامي إلى أن الشعب يحمل السيسي مسئولية الأزمة الاقتصادية الحالية.

وكانت المشروعات الوطنية ومشروعات البنية التحتية بمثابة وسيلة لكسب الدعم الشعبي للنظام وتعزيز العلاقات بين الجيش والسيسي، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي، بحسب سلامي، مشيرا إلى أن السيسي تعهد، بمؤتمر اقتصادي في أكتوبر بأن يظل حضور الجيش الاقتصادي نشطا، على النقيض من التزام صندوق النقد الدولي.

وأدت الاستجابة لاشتراطات صندوق النقد الدولي الأخرى، مثل الإلغاء التدريجي لدعم الوقود، إلى زيادة الضغوط على الطبقة المتوسطة والعمال المصريين.

وعلى مدار عامين متتاليين، حجبت واشنطن 130 مليون دولار من إجمالي 1.3 مليار دولار مخصصة لمصر سنويًا كمساعدات عسكرية، كما قاد السيناتور الأمريكي، باتريك ليهي، حظر مساعدات أخرى بقيمة 75 مليون دولار في أوائل عام 2022، في خطوة ألقت بظلالها على علاقات القاهرة مع واشنطن.

وهنا يشير سلامي إلى أن ممالك الخليج، التي كانت بمثابة الحليف الرئيسي لمصر والتزمت بدعم اقتصادها، منذ عام 2013، بإجمالي 12 مليار دولار بعد انقلاب السيسي ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي، لم تعد راغبة في منح مساعدات مالية مجانية وغير محدودة لحلفائها.

وأضاف أن دول الخليج مارست، إلى جانب صندوق النقد الدولي، ضغوطاً على السيسي لتلبية متطلبات صندوق النقد الدولي وتنفيذ الإصلاحات، وتعمل في الوقت نفسه على تطوير خطط اقتصادية طموحة لتنويع اقتصاداتها والبحث عن مصادر إيرادات بديلة للنفط.

وأوضح سلامي أن خطة دول الخليج تغيرت لمساعدة الدول الأخرى، حيث أعطت الأولوية للاستثمارات بدلاً من المساعدات المباشرة أو الودائع أو المنح.

وأعلن وزير المالية السعودي محمد الجدعان في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في 18 يناير، أن المساعدات السعودية أصبحت مشروطة، قائلا: "كنا نقدم المنح والودائع المباشرة دون شروط، ونحن نغير ذلك"، ومن دون ذكر مصر بالاسم، عرف المراقبون على الفور أن تصريحاته كانت تشير إلى القاهرة.

وفي فبراير، أعلنت مصر عزمها بيع 32 شركة مملوكة للدولة لزيادة احتياطيات النقد الأجنبي. وأبدى المستثمرون السعوديون والإماراتيون اهتماما كبيرا بالاستثمار في هذه الشركات المربحة.

وأنفق صندوق الثروة السيادية في أبو ظبي، وصندوق الاستثمارات العامة في السعودية، حوالي 3.1 مليار دولار للاستحواذ على حصص أقلية كبيرة في بعض "أقوى الشركات" المملوكة للدولة المصرية.

ويعد صندوق الثروة السيادية في أبوظبي أيضا أكبر مساهم خاص في البنك التجاري الدولي بمصر، حيث اشترى حصة 17.5% في أبريل 2022 مقابل 911.5 مليون دولار.

تغيير الأولويات

وإزاء ذلك، يلفت سلامي إلى أن الشروط الصارمة التي فرضها صندوق النقد الدولي وانخفاض استعداد دول الخليج لمساعدة مصر، أجبرت القاهرة على البحث عن شركاء جدد.

 ورغم أن شركائها التقليديين ما زالوا يشكلون أهمية حيوية لبقاء البلاد اقتصادياً، إلا أن مصر تبحث عن "مانحين شرقيين جدد" يفرضون قيوداً واشتراطات بكلفة أقل.

ومن بين هؤلاء المانحين، تعد الصين الأكثر نفوذا، فالشراكة الاستراتيجية مع مصر لا تمنح بكين فوائد اقتصادية فحسب، بل أيضا ثقلا جيوسياسيا، حسبما يرى سلامي، مشيرا إلى أن مصر تمثل، بالنسبة لبكين، "شريكا مهما بمبادرة الحزام والطريق، واقتصادا أكبر من أن يسمح له بالفشل".

وعلى مدى العقد الماضي، أصبحت بكين واحدة من أكبر شركاء التجارة والاستثمار للقاهرة، واجتذبت مصر نحو 28.5 مليار دولار من الاستثمارات الصينية بين عامي 2018 و2019، ما يجعلها أكبر متلق للاستثمارات الصينية في العالم العربي.

وخلقت هذه الاستثمارات حوالي 24 ألف فرصة عمل، بحسب سلامي، مشيرا إلى أن الصين تعد أكبر مستثمر في منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بالسويس.

كما سعت الصين إلى تمكين مصر من سداد ديونها، وقدمت قروضا طارئة لاستعادة انضباط السياسة الاقتصادية المصرية.

وتميل بكين، في هذا الصدد، إلى اتباع مسار مستقل، بدلا من التنسيق مع الدائنين الآخرين وصندوق النقد الدولي، وبهذه الطريقة، أصبحت رابع أكبر دائن لمصر، بقيمة 8 مليارات دولار.

وتعتبر القروض ذات الفائدة المنخفضة، التي قدمتها الصين لمصر بقيمة 500 مليون دولار، جذابة، خاصة أن مصر سيتعين عليها سداد 11.4 مليار دولار لصندوق النقد الدولي وحده على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

وتعد الهند، باعتبارها اقتصادًا سريع النمو، حليفًا محتملاً آخر لمساعدة مصر على معالجة أزمتها الاقتصادية، بحسب سلامي، مشيرا إلى أنها تمثل بديلا لمصر في استيراد القمح، بعد تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وفي الصيف الماضي، طلبت القاهرة شحنة كبيرة من القمح من الهند، ورغم حظر الهند على تصدير القمح بسبب ارتفاع الأسعار العالمية، إلا أن نيودلهي استثنت القاهرة ووردت لها 61 ألف طن.

وبالمثل، حصلت مصر، في يونيو الماضي، على خط ائتمان بقيمة غير محددة من الهند لواردات الغذاء.

ويخلص سلامي إل أن مكانة مصر، كشريك حوار في منظمة شنغهاي للتعاون، وطلبها للانضمام إلى مجموعة بريكس، وإمكانية التخلص من الدولار في التجارة مع روسيا والصين وتركيا، كلها علامات على التنوع الاقتصادي في القاهرة والتوازن الجديد مع شركائها.

ومع ذلك، يتوقع سلامي أن تتقدم مصر ببطء في هذه العملية، وأن تواصل، على التوازي، تركيز الاهتمام على داعميها الماليين الرئيسيين في الغرب والخليج.