كتب: أشرف شعبان الفار

لم يكن التمايز بين الناس فى زمن من الأزمان ولا ظرف من ظروف التاريخ بقدر ما هو الآن. فأحداث فلسطين، بمقدماتها المعلومة على مدار القرن، وصولًا إلى واقعها اليوم، وبطولات رجالات المقاومة الفلسطينية، على كل الأصعدة وفى كل الميادين، وحجم المفاجآت فيها، وقوة تأثيرها فى شتى الاتجاهات، وكذلك التفاعلات والتغيرات العالمية غير المسبوقة، وردود الأفعال والتحركات والجهود المبذولة هنا وهناك، واختلافها، بل، وتناقضها أحيانا، كل ذلك يبرز عيانا أمورًا لم تكن بهذا الوضوح من قبل.

فشدة وضوح شر الأشرار، وضعف الضعفاء، وعمالة العملاء، وانكشاف الغطاء عن مكونات حزب الشيطان فى كل مكان وميدان، وكذلك شدة وضوح بطولة الأبطال، وتوفيق الله لجنده، ومدى قدرتهم، رغم التحديات المعلومة لكل ذى عينين، مع شدة وضوح خيبة العدو، وهشاشته، وضعفه على كل المحاور وفى كل ميدان، مما يحمل أعتى الجيوش والأساطيل على المسارعة لنجدته. وغير ذلك مما يطول ذكره، يجعل التمايز حقيقة غير مسبوقة، ويجعل العمى عنه مستحيلًا!

وحين يشتد التمايز تعلو نبرات المنافقين والشياطين على السواء، وينشط هذا الحزب اللعين، بدافعٍ مما تخفى صدورهم، وموالاةً لأعداء الإسلام، ورغبةً فى التماس العيب للبرآء، وقذف المؤمنين بأحاديث الإفك المعهودة، وأقاويل الباطل المكرورة.

وهنا ربما يكون من المفيد أن نتذكر ما اتفقت عليه الأمة التى أخرجها ربها خير أمة للناس، {هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله}. رغم أنوف الكافرين والمشركين والمنافقين، الذين {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم}. 

فقد اجتمع فقهاء المسلمين على أنه يتعين الجهاد في سبيل الله لتحرير أي جزءٍ محتلٍ من بلاد المسلمين، ولو كان شبراً واحداً، ويتعين الجهاد أي: يصبح فرض عين كالصلاة والصيام في رمضان والزكاة.

فالجهاد في الأصل فرض كفاية، لكنه يتعين فيصبح مثل الصلاة المفروضة وصيام رمضان في أمور ثلاثة: 

أولاً: أن يحضر المكلف صف القتال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ}

ثانياً: إذا استنفر الحاكم أحداً من المكلفين.

ثالثاً: إذا احتل العدو جزءاً من أرض المسلمين. يقول أبو حنيفة- رحمه الله: فإن غلب العدو على بلدٍ من بلاد المسلمين، أو ناحيةٍ من نواحيها، ففرض عين. أي الجهاد- فتخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن مولاه، وكذا يخرج الولد من غير إذن والديه، والغريم بغير إذن دائنه. ثم يقول: امرأة سبيت من الشرق وجب على أهل المغرب تخليصها.

إننا نورد هذا الكلام- الذى هو موضع اتفاق بين المسلمين جميعًا- لغرض واحد، ألا وهو تقرير حقيقة، لها أثرها الفعال فى هذه المواجهة الشريفة، والجولة الرائعة من جولات هذا الصراع المعلوم. تلك الحقيقة أن مسئولية استخلاص فلسطين، وتحريرها من النهر إلى البحر من براثن الصهيونية العالمية المدعومة من الصليبية العالمية إنما هو مسئولية الأمة جميعًا، وأن الحكم الشرعى المستقر هو أن الجهاد فى سبيل تحقيق هذا الهدف فرض عين. لاسيما وأن أهل فلسطين بعددهم وعتادهم ليسوا قادرين على ذلك، ولا يختلف فى هذه الحقيقة أحد.

ومن الناحية العقلية البحته فمن المستحيل إلقاء هذه المسئولية على طائفة قليلة العدد والعدة من المسلمين، لا تمثل نسبة فى عددهم، ولا حتى فى عدد جيوشهم الر سمية. لا سيما والعدو المعتدى- إسرائيل ومن يدعمها- بهذا العدد الضخم وهذه العُدَّةُ المعلومة.  

فنحن أمام مشهد فى غاية الوضوح والتباين، مشهدٌ فى طرفه الشرعى تقبع أمةٌ آثمةٌ، آثمة بخذلانها وقعودها عن نصرة من يستحق النصرة، فأهل فلسطين: 

- مظلومون، وقع عليهم اعتداءٌ لا تجهله عينٌ، ولا ينكره أحدٌ، من احتلالٍ ظالمٍ، وحصارٍ مجرمٍ طويلٍ، وتقتيل فاجرٍ لا يميز بين وليد وشيخ وامرأة ورجل، وغير ذلك من الجرائم التى تستعصى على الحصر. فقد وجب نصرهم لهذا كله. 

- ولقد وجب نصرهم لواحد من هذه المظالم إن لم يكن إلا واحد، فكيف وقد اجتمعت عليهم هذه المظالم كلها! 

- وهم مع ذلك إخوة فى الدين! 

- وقد أظهروا قوةً ورغبةً فى رد العدوانِ وتحريرِ الأوطانِ. 

- وأثبتوا للعالم أجمع إمكانية دحر عدوهم، رغم قلة عددهم وعتادهم ورغم ضعفهم الظاهر، وحصارهم الطويل. 

فلم يبق عذر لمتخلف عن نصرتهم أمام الله.

والمشهد فى طرفه العقلى معادلةٌ واضحةٌ صريحةٌ، فتحرير فلسطين- كل فلسطين- يلزم له عشرات الملايين من هذه الأمة، بجيوشها ولوازمها من عتاد وتجهيزات عسكرية، ومن إعلامها، وعلمائها، ومفكريها، ورجالها ونسائها، وأموالها، ومقدراتها، وغير ذلك مما تتطلبه مثل هذه الحروب الكبيرة. ليواجهوا ما يجيشه الأعداء المتحالفين فى العلن ودون مواربة ولا استخفاء. وقد ظهر جليًا عدد الدول الداعمة ومقدار ما تتيحه فى هذه الجولة من قدرات وإمكانات. 

وهذا العمل- تحرير فلسطين- وما يستلزمه، من المستحيل أن تلقى الأمة به إلى بضعة آلاف من شبابٍ محاصرين لسنواتٍ، محرومين من كل عدةٍ وعتادٍ!

وأمام طرفى المشهد بشقيه الشرعى والعقلى يتضح أنه من المستحيل شرعًا وعقلًا أن نتصور تحرير فلسطين فى هذه الظروف، فالله- سبحانه- لا ينصر أمةً آثمةً قاعدةً، متخلفةً عن نصرة المستحقين نصرتها، أمةً ودعت  الجهاد، ورمته خلف الظهور. ومن المستحيل عقلًا أن تقوم قلةٌ محاصرةٌ محرومةٌ من كل المقومات بواجبٍ يتطلب ملايين الأمة بكل مقدراتهم وتجهيرزاتهم. 

نعم لقد انتصر المجاهدون المرابطون فى أرض فلسطين، وفرح بذلك كل المؤمنين وساء صباح المنافقين والمجرمين. لكنه النصر المحدود، نصر اللهِ الفئةَ المؤمنةَ التى أعدوا كما أمرهم ربهم، وأفرغوا الوسع كما تعلموا من كتابه وسنة رسوله، وجاهدوا فى سبيله بأموالهم وأنفسهم، وتوكلوا عليه، وطلبوا الشهادة مظانها، ففتح الله لهم فتحًا مبينًا، وجعلهم للناس آية فى البطولة والإقدام، وتحقيق الانتصارات، فكاد الله بهم الطغاة المجرمين، وشفى بهم صدور قومٍ مؤمنين، وأقام بهم الحجة على الأمة كلها.

لكن هذه الجولة المظفرة شئٌ، وتحرير فلسطين والمسجد الأقصى المبارك قصةٌ أخرى، وإن بقيت الأمة على إثمها وخذلانها وقعودها فربما نشهد كثيرًا من جولات هذه الفئة المؤمنة أو تلك، دون النصر الكبير والتحرير الشامل. لأن ذلك النصر والتحرير لكل فلسطين والقدس والمسجد الأقصى هو واجب الأمة كلها، ويتوقف على حركتها كلها.

إننا نستبق إرجاف المرجفين، ونباح المنافقين، الذين يشحذون ألسنتهم بالسوء، وودوا لو خلت الأمة من أبطال يفضحون بروائع جهادهم خبيث ما فى صدور هؤلاء الشرذمة المنافقين. إن هؤلاء يتربصون بالمؤمنين الدوائر، بل لا يرون فى جهاد المجاهدين إلا دماء الأبرياء وأنقاض منازل الضعفاء، وبدلًا من أن يروا فى ذلك إجرام مواليهم، إذا هم يريدون أن يجعلوا ذلك جريمة المجاهدين! وكأنه المنافقين لا يفقهون، ولا يعلمون، كأنهم لم تصلهم أخبار الأنبياء والمرسلين، وكيف سارت معهم وعليهم سنن الله فى الصراع الدموى الرهيب بين الحق والباطل، كانهم ينكرون على الأنبياء صدعهم بالحق، وتبيلغهم كلمات الله. كأنهم ينكرون على أولياء الله قيامهم فى وجه السلاطين الجائرين لتسمو منازلهم مع حمزة بن عبد المطلب.

نقول لهؤلاء ولغيرهم، إن تحرير فلسطين كل فلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك هو واجب الأمة كلها، ولن يقع فى ملك الله إلا ما يشاء، ولكن عاقلًا لا ينتظر هذا الانتصار الكبير والتحرير الشامل والأمة على ما هى عليه! وإن انتصار الفئة المؤمنة فى فلسطين اليوم حجة على كل قاعد، وقد وضع الله للنصر شروطًا، ولن تنتصر الأمة وتتحرر أوطانها والمقدسات إلا بالجهاد والقيام بدورها، ولن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا.   

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} التوبة