بقلم: عماد عجوة *

 الصورة غير متاحة
 
القدس هي زهرة المدائن.. مدينة الرسالات والأنبياء، تحمل على كاهلها تاريخًا طويلاً، يضرب بجذوره عبر الدهور وأحقابها الغابرة، والمدينة جزءٌ من هوية المسلمين وثقافتهم، فمسجدها الأقصى المبارك محور معجزة الإسراء والمعراج، إليه انتهى الإسراء ومنه بدأ المعراج إلى السماوات العُلا، وفيه صلَّى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إمامًا بالأنبياء والرسل جميعًا.. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).

 

فتحها الفاروق عمر دون أن تُراق فيها قطرة دم، ووقَّع مع بطريركها صفرونيوس وثيقةَ الأمن والسلام "العُهدة العمرية"، وروى ترابها المجاهدون الأخيار بدمائهم الزكية، وحرَّرها الناصر صلاح الدين من الصليبيين.

 

إن قدسيةَ هذه المدينة ومكانة المسجد الأقصى المبارك لدى المسلمين جميعًا جعلتها مطمعًا للغزاة، وكان الاحتلال الصهيوني لها ولأرض فلسطين أبشعَ صور غزوها على مر التاريخ؛ فقد دنَّس المقدسات وانتهك الحرمات، وحاك ضدها مؤامراتٍ لا تخفى على أحد.

 

قصة المنبر

كان القائد المسلم السلطان نور الدين محمود بن زنكي كلما انتهى من معركة انتصر فيها على الصليبيين يقول لقُوَّاده الحمد لله اقتربنا من القدس وسوف ندخله إن شاء الله قريبًا نُقيم فيه الصلاة فلنستعد بمنبرٍ عظيمٍ يليق بذلك اليوم العظيم يصعد فيه الخطيبُ ويُحيي يوم النصر ويهز الجدران كما يهز القلوب، فاستدعى سنة (563هـ/1167م) أمهر المهندسين والصناع، وكان منهم حميد الدين بن ظافر الحلبي، وسليمان بن معالي وطلب منهما أن يصنعا منبرًا فخمًا لم يُصنع مثله من قبل، وأن يكون المنبر تحفةً تتلألأ يتميز بدقةِ صنعته ليليق بجلال المسجد الأقصى، وكأنَّه كان على يقين أنَّ الله ناصره ومحرر القدس على يديه، واستعجلهما في الطلب، وبدأ الصناع بتنفيذ المنبر في مكانٍ يُدعى (الحلوية) في مدينة حلب في سوريا، إذ اشتهرت مدينة حلب في تلك الفترة بصُناعها ودقة صناعة الأخشاب فيها، وأمر نور الدين ببناء إيوان خاص في مدرسة الحلوية في مدينة حلب ليوضع فيه حتى تحين ساعة النصر والتحرير للمسجد الأقصى.

 

والمنبر كان يُشكِّل تحفةً فنيةً وأثريةً رائعةً نادرةَ الشكل؛ ولذلك يعده الباحثون والآثاريون من أجمل المنابر الأثرية وأدقها صناعةً والتي لا مثيلَ لها في العالم الإسلامي، فهو مصنوعٌ من قطعٍ خشبية معشَّق بعضها مع بعض دون استعمالِ مسامير أو أية مادة لاصقة، ويبلغ ارتفاعه نحو ستة أمتار وطول قاعدته أربعة أمتار واستخدم في صناعته خشب الأرز من لبنان وأخشاب الصنوبر والأثل ومرصّع كلّه بالعاج والأبنوس، وبابه يرتفع فوقه تاجٌ عظيم ثمَّ درج سلم يوصل إلى جلسةِ الخطيب التي يتوجها من أعلاه جوسق خشبي محمول على صفوفٍ من المقرنصات، ويحتوي المنبر على نصٍّ تأسيسي يقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بعمله العبد الفقير إلى رحمته الشاكر لنعمته المجاهد في سبيله المرابط لإعلاء دينه الملك العادل نور الدين ركن الإسلام والمسلمين منصف المظلومين من الظالمين أبو القاسم محمود بن زنكي ابن أبو سيف ناصر أمير المؤمنين أعزَّ الله أنصاره وأدام اقتداره وأعلى مناره ونشر في الخافقين ألويته وأعلامه وأعز أولياء دولته وأزال كفار نعمته وفتح له وعلى يديه؛ وذلك في شهور سنة أربعة وستين وخمس مائة"، وعلى يمين الخطيب وهو يرتقى المنبر مكتوب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾ (النحل).