السؤال:
طفلي لا يحب الدراسة، وأستخدمُ الكمبيوتر كحافزٍ ولكن أخشى من سلبياته.. ما ضوابط استخدام الكمبيوتر بصفةٍ عامة، وأثناء الدراسة على وجه الخصوص؟ وهناك مشكل أخرى، فعندما أحرم طفلي من استخدام الكمبيوتر يتسرب إلى مقهى الإنترنت.. ماذا أفعل؟
يجيب على الاستشارة د. منى صبحي الاستشاري التربوي للموقع
لم يعد هناك مجال للاختلاف على أهمية الكمبيوتر في حياتنا وضرورته، كبارًا وصغارًا، إنه الآن الوسيلة الأكثر جاذبيةً وفعاليةً للتعلم والمعرفة والاتصال ومواكبة أحداث العصر، ويزداد بريقه إثارةً بشريحة الأطفال، وأحيانًا الشباب لقدرته الفائقة والمتجددة على تلبية طموحهم ودوافعهم إلى اللعب خاصةً المحاط منه بالتشويق والإثارة والعنف أيضًا!
والمشكلة ليست في الوسيلة، كما ينسحب الأمر على التلفاز وغيره من وسائل الإعلام أو وسائط الثقافة؛ إذ إنها لا تخرج عن كونها وسائل استخدمها الإنسان ويتحكم فيها ويستوعبها؛ بل ويسخرها لتحقيق غاياته وأغراضه وأهدافه، أما أن تستحوذ تلك الوسائل على الإنسان وتجعله أسيرًا لمعطياتها وتستنفد منه الوقت والعمر والمال فتلك هي المشكلة المأساة، خاصةً لو تحوَّل هذا الاستحواذ مع مرورِ الوقت إلى إدمان وما يستتبعه من إنهاك نفسي وعصبي وعقلي يمسخ من شخصيةِ الفرد ويُخرجه عن دائرة السواء ويضعه في موقفٍ صعب ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)﴾ (الملك).
وعندما تُدرك الأم الجانب السلبي بين استخدام طفلها للكمبيوتر ومدى خطورة استسلام الأبوين والطفل معًا أمام سيطرة هذا الجهاز على حياةِ الطفل وإكسابه سلوكيات وعادات ضارة، بدءًا من تأثير الإشعاع الصادر عن الشاشة على حاسة النظر الجهاز الهضمي والحركي ومرورًا بتكريس واقع انعزال الطفل عن المحيط الخارجي وجماعة الأقران والدفع به إلى خانة الفردية والتلقي من اتجاهٍ واحدٍ والتفاعل المحدود، وانتهاءً إلى تمحور حياة الطفل واختزالها في نشاطٍ أُحادي ضيق يُعطِّل من طاقاته الكلية وقدراته مجتمعة، ويؤدي إلى الركون في دائرة الوهم والسعادة الوقتية، بينما العمر يمضي والأهداف المرحلية تائهة في تلك العبثية ناهيك عن القيم والمعتقدات الهدامة التي يتشربها من برامج الكمبيوتر المستوردة من ثقافاتٍ أخرى أو مواقع الإنترنت المشبوهة وما أكثرها، خاصةً تلك التي تتخفى وراء برامج الألعاب والكارتون والتسالي، وتسوق لأطفالنا مفاهيم العنف والصراع والأنانية والمادية والفردية والغلبة والفوضى الأخلاقية!
عندما تُدرك الأم بعضًا من هذه السلبيات لاستخدام طفلها جهاز الكمبيوتر لا شك أنها ستعيد التفكير مائةَ مرة قبل أن تفتح الباب بيديها لهذه المخاطر، وأراها تخطط بذكاءٍ ووعي ليوم الطفل وحياته بشكلٍ يُلبي احتياجاته ويُراعي دوافعه ويرتب على طموحاته ويُنمي مدركاته وتطلعاته بشكلٍ علمي ومتوازن وفعَّال!
إنَّ الكمبيوترَ من وسائل التنمية العقلية المطلوبة إذا وُجدت الضوابط في استخدامه، وهذا يتعين بشأنه على الأم أن تُحدد وقتًا لا يزيد عن ساعة زمنية واحدة للأعمار الصغيرة (أقل من 8 سنوات)، وإن كان يُفضَّل أن يكون في حدود النصف ساعة فقط، وتُراعي الأم الجلسة الصحية للطفل واستقامة العمود الفقري والمسافة المناسبة بين العيون الصغيرة والشاشة، كما عليها اختيار التوقيت المناسب بحيث لا يتعارض مع أوقاتِ النوم أو الطعام أو الراحة الأسرية، فضلاً عن أوقات الصلاة وسائر العبادات.
أما عن المادة المعروضة فمن البديهي أن تكون تحت إشراف الأم حتى لو كان من الكارتون أو ألعاب الكمبيوتر، وحبذا لو يكون هناك إطلاعٌ مسبقٌ على تلك المادة وتنقيتها أو الإشارة إليها من قِبل الأم وتقليل مضار تلقيها، وكم سمعنا عن ألعاب كمبيوتر يتعرَّض لها أطفالنا تمنح مستخدميها مكافآتٍ إن اجتازوا مراحلها بنجاح، وتكون المكافأة فتاة تُحيي الفائزَ بجسدها!!
أما عن استخدام الكمبيوتر كحافزٍ ومشجعٍ على الدراسة فهو أسلوب لا بأسَ به مع الالتزام بالضوابط المذكورة، إضافةً إلى مراعاة تخصيص وقت استعادة النشاط الذهني للطفل بعد عودته من المدرسة والغداء والراحة لاستذكار دروسه، وجعل وقت الكمبيوتر للأوقات البينية، مثل وقت الراحة أو بعد الانتهاء من المذاكرة أو قبل النوم على ألا يعطل إخوته، أو يقلل نومه شخصيًّا، كما يُستحسن أن يُوضع جهاز الكمبيوتر في مكانٍ عام داخل البيت ليسهل على الأم متابعة سلوكيات طفلها وقدرته على التجاوب والتعليق والتفاعل وتصحيح رد الفعل وتصحيح الفعل الخاطئ منها مثل: حظي سيئ، ضربة حظ، اللعنة، سحقتهم.. وغيرها من الألفاظ والانفعالات المرفوضة.
ويجب على المربين أن يشرحوا لأطفالهم حقيقة الحياة بأسلوبٍ مبسطٍ وواضح، وأنَّ الله خلقنا وكرَّمنا عن باقي المخلوقات، وأعطانا العقل كي نُفكِّر بطريقةٍ متوازنةٍ في استخدام النعم التي تُحيط بنا بشكلٍ جيد، وأنَّ أجسامنا نعمة، ويجب المحافظة عليها بالغذاء والصحة والرياضة والبعد عن الإضرار بها، وأنَّ تنويع النشاط العقل والبدني مطلوبٌ على مدار اليوم فتارةً نقرأ، وأخرى نلعب، وثالثة نتابع البرامج، ورابعة نعمل وننتج، وهكذا، أما الجلوس إلى الكمبيوتر أو نشاط واحد لفترةٍ طويلةٍ فهذا خطأ وضار، وعلى قدر ما يكون للمربي من وضوحٍ في الرؤية وقوة في الإقناع وحزمٍ في تطبيق القواعد التربوية منذ الصغر، بالقدر نفسه نستطيع أن نجعل من أطفالنا أشخاصًا أسوياء متوازنين في حياتهم متوافقين في طموحاتهم مع واقعهم.
أما عن مشكلة الحرمان من الكمبيوتر وبالتالي يتسرب الطفل إلى أماكن "السايبر" ومقاهي النت وما تعج به من صور وثقافة متدنية، فهي مشكلة أم أو أب اختلطت عندهم الأمور بين ما يجب عمله ووسائل تحقيق هذا الواجب، وغالبًا ما يكون اللجوء إلى وسائل العنف والحرمان، أو الكبت أو العقاب الصارم، في مقابل تصاعد الضغط على الطفل من زملائه وحديثهم عن متعة اللعب على الكمبيوتر، وتوافر أحدث الألعاب في "السايبر" وإمكانية اللعب الجماعي في "السايبر" وما يحققه من متعةِ المنافسة والمهارة في تحقيق الفوز.. هنا يجب على المربين مراعاة تلك الدوافع والضغوط وإتاحة اللعب على الكمبيوتر بضوابطه كما أسلفنا، والتحقق من مكان "سايبر" مؤتمن مع مجموعةٍ مختارةٍ من أصدقائه كل فترة مع التذكير دائمًا بأهمية الوقت وتنظيمه بشكلٍ مرتبٍ يجب ألا يجور وقت على آخر، ومراجعة طبيعة العلاقة بين الوالدين والطفل؛ بحيث تكون الصراحة والصدق والأمانة والعواطف السوية هي الأساس، مع التأكيد دائمًا على قيم بذل المودة والاحتضان وتقريب المسافات والاهتمام برغائب الأطفال بشكلٍ منطقي حتى لا تطير العصافير من الأعشاش وتتعرض أجنحتها الغضة للتكسير وقد خلقها الله للتحليق في دنيا الاستخلاف.