عبدالله مأمون

نزلت سورة الفتح بعد صلح الحديبية، ذلك الحدث الذي شكّل اختبارًا صعبًا لإيمان الصحابة وثقتهم بوعد الله. فقد رأى بعض المسلمين في الصلح تنازلاً وإعطاء للدنيّة في الدين، حتى إنهم لم يستجيبوا فورًا لأمر النبي ﷺ بالتحلل من الإحرام. لكن بعد أن استجابوا لأمره وعند عودتهم إلى المدينة، نزلت السورة الكريمة تحمل بشارة عظيمة: “إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا”.

وبعيدا عن مقصود الفتح—هل هو فتح مكة أم صلح الحديبية نفسه—إلا أن الآيات أكدت أن ما جرى لم يكن هزيمة، بل كان انتصارًا حقيقيًا للمؤمنين. حيث كان الصلح بابا من أبواب التمكين للدين،  ومثل الحدث وما انطوى عليه  طمأنة القلوب، وتثبيت اليقين بأن وعد الله حق.

 

أعظم من فتح مكة

لم يكن الوعد مقتصرًا على الفتح  ودخول مكة، بل أعطى الله لنبيه والمؤمنين ما هو أعظم، فقال تعالى: “ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا”. عندها، تساءل الصحابة: “يا رسول الله، هذا لك، فماذا لنا؟” فجاء الرد الإلهي: “ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزًا عظيمًا”. وهكذا، يوجّه ربنا سبحانه وتعالي أعين المؤمنين وقلوبهم  إلى فتح ونصر أعظم،  ألا وهو رضوان الله سبحانه وتعالى،  ولعل الآيات كان آثرها في قلوب المؤمنين أعظم من دخول مكه بالفعل .

حقيقة الصراع وأساس العقيدة

السورة لم تقتصر على تطمين قلوب المؤمنين، بل أكدت أيضًا أن الله هو مالك الأمور جميعًا، فقال تعالى: "ولله جنود السموات والأرض”. هذه الحقيقة تكررت في السورة، لتوضح أن النصر ليس بيد البشر، بل هو بيد الله وحده، وأن المعركة في جوهرها ليست بين قوتين متكافئتين، بل هي معركة يجريها الله سبحانه، وفق حكمته.

كما أبرزت السورة  مفهوما  رئيسيا للبيعة، فقال تعالى: "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم”. فعندما مدّ الصحابة أيديهم لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن ذلك مجرد عقد بين بشر وبشر، بل كان عهدًا مع الله  عز وجل . وهذا درس لكل مؤمن: أن العلاقة مع الله هي الأساس، وأن كل التحركات والجهاد والدعوة ليست سوى وسائل لتحقيق هذا العهد الإلهي.

 

المسئولية الفردية أمام الله

 

 هذا المعني الذي تأكد من قوله سبحانه وتعالي:  ( إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) يحدد مسئولية كل إنسان عن هذا العهد وتلك البيعة أمام الله،  وعندما يتقين  كل منا  من قوله تعالي “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا” عندها ستوجه جهده الرئيسي  إلى داخله ونفسه  أولا مستعينا بما وهبه الله من معينات وأسباب . ليجد لنفسه عند الله عملا يطرق به أبواب رحمة الله، فيفوز وقتها،  ويتحقق له ما كان يصبو إليه من بيعته وجهده وبذله .

خاتمة

سورة الفتح جاءت لتغيّر نظرة المسلمين إلى الأحداث، وتوضح أن النصر قد يأتي في صورة قد تبدو تنازلًا، لكنه في حقيقته تمكين. كما أنها رسخت مفهوم العهد مع الله، وربطت الإيمان بالمسئولية الفردية، مما يجعل كل مؤمن مطالبًا بالعمل بإخلاص، والجهاد في سبيل الله، والثقة بأن الله هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي يمنح الفتح في الوقت الذي يراه مناسبًا.