د. أحمد دياب

- "لا بد من زيادة الميزانية يا خليل.. الأسعار نار والدنيا تغلي، وأنت لا تشعر بشيء" قالت الزوجة وهي تجمع الأطباق في حدة وانفعال ثم تابعت "أنت عارف كيلو الطماطم بكم؟!"

 

- "أنا عارف أنها مجنونة، أقصد الطماطم طبعًا، فما زلت أذكر صوت البائع يصرخ "يا مجنونة يا قوطة"، على كل حال ربنا يسهل وأشوف لي "شغلة ثالثة"، فقط ادعي لي أنتِ، كلك بركة..." قال الزوج بنبرة ود مهدئًا لزوجته.

 

- "اضحك عليَّ اضحك، من أين تأتي البركة، والحالة كل يوم في النازل، حتى الولد اللي صرفنا عليه عشرين سنة، قاعد من غير عمل..".

 

- "البركة في الحكومة يا ست.. ولا "بلاش" ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم.."
قال الزوج ضاحكًا ضحكةً باهتةً وهو يتلفت حوله.. "عمومًا إن شاء الله فرجه قريب، وأنا بعد الشغل الثاني الساعة التاسعة، سأذهب للبحث عن شغلة ثالثة أي عيادة ولا مستوصف، اشتغل ساعتين ثلاثة يزودونا قرشين ينفعوا.. فقط، ادعي لي أنتِ ادعي لي..." قال الزوج وهو يرشف القطرة الأخيرة في كوب الشاي ويهم بالخروج.

 

- "ربنا" يفتحها عليك ويسترها معك.. ألف سلامة يا أبو إبراهيم" ودعت الزوجة زوجها وعادت توقظ الأولاد للمدارس.

..............

خرج خليل من مدخل "البلوك" ونظر خلف المبنى... مواسير الصرف يعلوها الصدأ والوصلات ترشح، ربنا يستر ولا تنكسر، فالحالة لا تتحمل بند إضافي، كفاية فواتير المياه والكهرباء ومصاريف المدارس..." قال خليل في نفسه وقد طفت على ذاكرته قائمة بالمشكلات.. ربنا يحفظنا.

..............

على محطة الأتوبيس.. وقف خليل مع جمعٍ كبير من الناس ينتظر، بعد دقائق وصل "مينى باص" شركات النقل الجديدة، "الله يسهل له يا عم أجرته بجنيه... "أتوبيس" آخر قادم من بعيد الحمد لله سألحق بالعمل.. يا الله.. أتوبيس مميز بـ50 قرش؟! عمومًا ما زال هناك وقت، هذه فائدة الخروج قبل الموعد بساعتين" قال خليل في نفسه، وهو يتجاهل الأتوبيس المميز.. الوقت يمر يبدو أنني سأتأخَّر عن العمل.. بدا القلق على وجهه وتمتم "يا رب الأتوبيس أبو ربع جنيه يأتي..."

 

الحمد لله أتوبيس آخر قادم من بعيد الحمد لله... أُف.. أتوبيس بخمسين قرش تاني.. أمري إلى الله.. بدل أن أتأخر، ويخصم مني نصف يوم، حار ونار..." همهم خليل في نفسه ثم قفز راكبًا.

..............

- "تذاكر يا سيد.. تذاكر يا سيد،، صوت الكمساري ينادي على خليل.

- "اصبر حتى أستطيع أن أقف جيدًا أولاً، أنا لا أدري كيف يكون هذا "أتوبيسا" مميزًا وبخمسين قرش ونحن لا نستطيع حتى نقف على أقدامنا..؟! "قال خليل وهو يخرج ورقة بخمسين قرش.

- "مش عاجبك اركب تاكسي يا خويا..." ردَّ الكمساري ساخرًا وهو يقطع له التذكرة.. بينما يشق خليل طريقه داخل الأتوبيس ليجد مكانًا يقف فيه، وقعت عينه على أحد الركاب جالسًا يقرأ جريدة فذهب ليقف بجواره.. "مكان جيد، من جهة أقف، ومن جهة اختلس بعض النظرات وأقرأ بعض العناوين، دون أن أضطر إلى شراء جريدة.." قال خليل في نفسه وهو ينشط في الوصول إلى جوار صاحب الجريدة قبل غيره.

 

"المانشيت" الرئيسي: العبور الثاني، مرحلة تاريخية جديدة، قفزة نحو الإصلاح، المواطنة وتكافأ الفرص والمساواة في الحقوق والواجبات.. يبتسم صاحب الجريدة ويهز رأسه ويقلب الصفحة.. مناخ حقيقي للتنمية والاستثمــ.. لم يكمل خليل قراءة الجملة شعر أن صاحب الجريدة ينظر إليه, فصرف بصره إلى سقف "الأتوبيس"، وبعد لحظات عاوده الفضول فنظر إلى الجريدة مرةً أخرى، عنوان رئيسي: الغالبية في مجلس الشعب يوافقون من حيث المبدأ على