تتسع في الأوساط الفلسطينية، خصوصًا بين النخب السياسية والفكرية والأكاديمية، دائرة الرفض لما يُعرف بـ"خطة ترامب-نتنياهو"، لوقف الحرب على غزة، وسط إجماع بأنها محاولة لفرض رؤية هدفها تصفية الحقوق والمشروع الوطني.

 

ويرى كتاب ومثقفون وقيادات حزبية وأكاديميون أن الخطة تُعيد إنتاج منظومة السيطرة والوصاية الاستعمارية بغطاء دولي، وأنها تسعى لشطب القضية الفلسطينية وسط تأكيد أن أي تسوية حقيقية لا يمكن أن تقوم على إملاءات خارجية، بل على اعتراف صريح بالحقوق التاريخية والسياسية للشعب الفلسطيني.

 

احتلال صهيوني مقنّع

 

احتلال صهيوني مقنّع.. وصاية أمريكية دولية.. نزع للشرعية ومحو للهوية الفلسطينية.. تصفية المقاومة باتجاه تصفية القضية الفلسطينية.. هذا باختصار المضمون الحقيقي لخطة ترامب لإنهاء حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة، وفق الدكتور محسن صالح، مدير مركز الزيتونة للدراسات.

ويرى د. محسن صالح في مقال له أن هذه الخطة بالرغم من شقها الإنساني، فإنها تستهدف في جوهرها "إنقاذ" الاحتلال الصهيوني وإعادة تأهيله وتسويقه، وشرعنة الاحتلال، وشرعنة الوصاية الدولية، وشرعنة استئصال المقاومة الفلسطينية، وشطب قضية فلسطين سواء وافقت عليها حماس أم لم توافق.

 

وكشف البيت الأبيض عن الخطة رسميا غداة لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومجرم الحرب بنيامين نتنياهو في 29 سبتمبر الجاري، المكونة من 20 بندًا، طارحة رؤية مزعومة لوقف الحرب على غزة، دون ضمانات حقيقية لوقفها أو الانسحاب الصهيوني مع تجاهل الاستحقاق الأساسي للصراع وجوهره، وهو حق الشعب الفلسطيني في أرضه وسيادته عليها، وصناعة قراره، وانتخاب قيادته بإرادته الحرة.

بالتأكيد هناك حاجة ماسة وقصوى لوقف حرب الإبادة الصهيونية على غزة، وليس ثمة مصلحة في إهدار قطرة دم واحدة ما أمكن ذلك؛ غير أن هذه الخطة تعمدت – وفق د. محسن صالح- اصطناع تناقض أو تعارض بين الحقوق الإنسانية المعيشية للفلسطينيين، وبين حقوقهم الأصيلة الشرعية والقانونية والسياسية، وكأن حصولهم على الأولى يلغي حقهم في الحصول على الأخرى.

ويشير إلى أن مشكلة خطة ترامب ليست في حماس ولا مع حماس، بل مع الشعب الفلسطيني كله باتجاهاته كافة، فهي لا تتعامل مع الفلسطينيين كأناس أسوياء لهم حقوق أساسية كباقي البشر في الحرية والحياة الكريمة على أرضهم وتحت سيادتهم؛ وإنما تحاول أن توسع دائرة التعامل الصهيوني معهم كبشر ناقصي الأهلية أو كـ"حيوانات بشرية" إلى سلوك دولي وبغطاء عربي إسلامي!

 

20 سببا لرفض الخطة

 

أما الكاتب إبراهيم حمامي، فحدد 20 سببا لرفض خطة ترامب – نتنياهو، أبرزها أنها تختزل القضية الفلسطينية في ملف إنساني – إغاثي وتُغيّب بعدها السياسي، ولأنها تُقصي الجميع: منظمة التحرير والفصائل الوطنية وتهمّش التمثيل الشرعي، وتستغل الكارثة الإنسانية في غزة لفرض حلول سياسية منقوصة. كما أنها توظّف الانقسام الفلسطيني لتفكيك المقاومة وشطب المشروع الوطني.

 

بعد ساعات قليلة من نشر الخطة تكشفت تفاصيل كيف حدث التلاعب في بنودها لتعبر بشكل أكثر وضوحًا عن رؤية  الاحتلال الصهيوني.

 

‏فبينما روّج الرئيس الأمريكي لمشهد "توافق عربي – أمريكي – صهيوني" حول الخطة، كانت الحقيقة أن بنيامين نتنياهو أعاد كتابة النص، مدفوعًا بمخاوفه الأمنية وحساباته السياسية.

 

تعديلات تقلب الطاولة

 

وكشف تقرير باراك رافيد في أكسيوس أن نتنياهو، في جلسة ماراثونية مع جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ورون ديرمر، فرض تعديلات قلبت الطاولة: ربط الانسحاب الصهيوني من غزة بنزع سلاح حماس، ومنح تل أبيب حق الفيتو على أي خطوة، مع إبقاء قواتها داخل القطاع "إلى أجل غير مسمى".

هذه الصياغة أثارت – حسب التقرير- تحفظا وامتعاضا لدى عواصم عربية وإسلامية، رأت أن واشنطن تراجعت عن التفاهمات السابقة، لذلك لم يكن غريبا أن يعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أن ما طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة هو مبادئ في الخطة تحتاج لمناقشة تفاصيلها وكيفية العمل من خلالها.

 

وأوضح الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في تصريحات لقناة الجزيرة أن الخطة ما تزال في مراحلها الأولى، وتحتاج إلى تطوير وتوضيح، خاصة فيما يتعلق بآليات الانسحاب الصهيوني من القطاع.

 

ولادة مشوهة

 

الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة يرى أن هذه الخطة ولدت مشوهة: وعود بوقف القتل ودعم إنساني ومسار نحو الدولة، يقابلها واقع على الأرض يضمن للاحتلال البقاء والسيطرة.

بين الخطاب العلني والاتفاقات السرية، يتضح – وفق عفيفة- أن ما عُرض على حماس ليس ما صاغته العواصم العربية مع واشنطن، بل ما أراده نتنياهو بالضبط.

 

مشروع صهيوني بغطاء أمريكي

 

أما الكاتب إياد القرار فيذهب إلى أن جوهر المبادرة أنها ليست خطة تسوية محايدة، بل مشروع صهيوني بغطاء أمريكي، يترجم ما عجز الاحتلال عن تحقيقه بالقوة العسكرية في غزة.

 

وأشار إلى أن المبادرة تخلو من أي التزام حقيقي بوقف الحرب نهائيًا، أو الانسحاب الكامل من غزة، أو رفع الحصار المستمر منذ عشرين عامًا، كما لا تتضمن الإفراج عن جميع الأسرى الفلسطينيين.

 

واتفق مع باقي الخبراء بأن الخطة تسعى لفرض وصاية دولية على القطاع، بما يعني استمرار الاحتلال بصورة جديدة تستهدف كسر المقاومة وتجفيف بيئتها الشعبية.

 

ورأى أننا أمام مخطط استسلام جماعي، صيغ بأقلام صهيونية ونُطق بلسان أمريكي، يهدف إلى تكريس الهزيمة تحت اسم "السلام".

 

ويؤكد أن الموقف الفلسطيني المقاوم، بقيادة حماس والفصائل، يُدرك خطورة هذه اللحظة ويستعد لمواجهتها بخيارات سياسية متوازية.

 

وتداول مؤثرون على المنصات مقطعا للشيخ الشهيد أحمد ياسين، يقول فيه: "طريقنا صعب صحيح لكن المهم أن إرادتنا لا تنكسر ولا نستسلم".