المقدمة :
البُشرى بالخيرات من وسائل حث العباد، وحضهم، وتنشيطهم على العمل الصالح، والاستبشار بالخير من الأمور النفسية التي تجعل صاحبَها يعيش حياةَ خالية من الاكتئاب واليأس، وتقلل نسبة إصابته بالأمراض النفسية والعضوية؛ لذلك أمر القرآن الكريم المؤمنين بالاستبشار بأن اللّهُ لا يضيع أجورَهم، وقد كانوا يخشون على إيمانهم، ويخافون سوء الخاتمة المحبطة للأعمال، فلما رأوا ما للمؤمنين عند اللّه من السعادة، وما اختصهم به من حسن الخاتمة التي تحصّل معها الأجور وتضاعف الأعمال؛ استبشروا؛ لأنهم كانوا على وجل من ذلك.
وأمرهم بالاستبشار بالنصر المرتقب على أعدائهم، وهلاكهِم وقطعِ دابرِهم، لكي ينشطهم في السعي في مجاهدة أعدائهم باللسان والسنان، ووعدهم إن فعلوا ذلك بالرحمة التي تسعهم، والرضوان الذي لا سخط بعده، والنعيم الذي لا انقطاع له في جنات الخلد.
واشترط لتحقيق البشرى الإيمان والعمل الصالح؛ لأنهما قاعدتا الثواب والجزاء، ثم بشرهم ببشارات عامة، وبشارات خاصة على حسب المستوى الإيماني ومقتضياته، وذكر في كتابه المُبشِّرين والمبشَّرين، وبيَّن الأسباب الموصلة للبشرى التي إذا قام بها المؤمنون؛ تحققت لهم البشارة في الدنيا والآخرة.
وأصل البشرى ومنشؤها هو اللهُ الرحيمُ بعبادهِ المًحبُ لهم، المتوددُ إليهم بصنوفِ نعمه العليمُ الخبيرُ بما يسرُهم وينشطهُم لطاعته؛ حتى يكونوا أهلاً لجواره في جنته؛ فهي وإن جاءت في بعض المواضع من بعض خلقه كالملائكة والرسل؛ لا تخرج عن الله فهو الآمر بها المحقق لها.
ومن عنايته ورعايته بعباده أن تكون بشارتُهم على حسبِ درجاتِهِم، وحسبِ عظمِة المُبشَّر به، فمن كان أعظمَ درجة عنده بشَّره ، ولما كان الرسل والأنبياء أعظم منزلة عنده بشرهم بنفسه، أو بملائكته المقربين كما قال تعالى في سياق تبشير ابراهيم بإسماعيل -عليهما السلام- فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [ الصافات: 101]، وقال تعالى في سياق تبشير زكريا بيحيي.– عليهما السلام -يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُه ُيَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً [ مريم: 7]
وأرسل ملائكته لتبشير مريم الصديقة – عليها السلام - بعيسى كما قال تعالى إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [ آل عمران:45].
ثم بشَّر أعظم المؤمنين درجة عنده وهم المهاجرون المجاهدون بأموالهم وأنفسهم، عن طريق أفضل رسله محمد ؛ فجمعوا بين مزيتين توفيق الله وتسديده لهم في القيام بالأعمال الموصلة إلى البشرى، وهذا ما يشير إليه قوله (رَبُّهُم) التي تعني المربي والمصلح لأوليائه، وتبشيرهم على لسان أصدق الخلق وأقربهم منزلة عنده كما قال تعالى : الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ. يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ. خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ[ التوبة :20-22].
وأرسل الرسل للناس مبشرين ومنذرين؛ ليقيم عليهم الحجة؛ وقد قاموا - عليهم السلام –بتبليغ رسالتهم حق القيام وأعذروا إلى الله، وبشَّروا أكثر مما أنذروا؛ لأنهم رحمة للناس؛ ولأن ربهم الذي أرسلهم رحمته سبقت غضبه، وبقي ورثتهم من بعدهم يحملون عبء الرسالة التي تقصم الظهر، وترعد الفرائص؛ فإذا ساروا على خطى الرسل والأنبياء، وقدموا البشارة على النذارة؛ فازوا ونجوا وحصلت لهم السعادة في الدنيا، وجعل لهم المحبة والمودة في قلوب الناس، وفي الآخرة مرافقة الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجواره الكريم.
وأرسل الرياح مبشرات بنزول المطر عند الإياس؛ فتكون بفضله ومَنِّه وكرمه سبباً في استبشار عباده بالخير العميم من إحياء العباد، وخصب البلاد.
معنى البشرى ودلالاتها:
لغةً: الخبرُ السارُ الذي يظهر أثرهُ على الوجه.
اصطلاحًا: كلُ خبرِ صادقِ تتغير به بشرةُ الوجه، وُتُستعمل في الخيرِ والشرِ، وفي الخيرِ أغلب.
أنواع البشارات
بشارات عامة للمؤمنين
بُشِّر المؤمنون ببشارات عامة، لم يُذْكَر فيها المُبَشَّر به؛ ليدل على العموم، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير، رُتِبَ على الإيمان؛ فهو داخل في هذه البشارة.
فإن قلت لِمَ لمْ يذكر ما يبشرهم به؟
قال الشيخ رشيد رضا – رحمه الله – "لَمْ يَذْكُرْ مَا يُبَشِّرُهُمْ بِهِ؛ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، وَشُمُولِهِ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَسَعَادَةِ الْآخِرَةِ" ( ) .
فإن قلت لِمَ لمْ يذكر مقدار البُشْرى وصفتها ؟
قيل ؛ لأن مقدارها وصفتها بحسب حال المؤمنين، وإيمانِهم قوة وضعفاً، وعملاً بمقتضاه.
وهذه البشرى للمؤمنين تدل دلالة واضحة على محبة الله للمؤمنين، ومحبة ما يسرهم، واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.
وقد ذُكِرت صفات للمؤمنين المُبَشَّرين بالبشارات العامة في آيات منها :
1- المقيمون الصلاة :
قال تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[ سورة يونس : 87] أي : وبِشِّرْ مُقِيمِي الصَّلاَةِ الْمُطِيعِي اللَّهِ بِحِفْظِ اللهِ إِيَّاهُمْ مِنْ فِتْنَةِ فِرْعَوْنَ وَمِلْئِهِ الظَّالِمِينَ لَهُمْ وَتَنْجِيَتِهِمْ مِنْ ظُلْمِهِمْ وبالنصر والتأييد، وإظهار دينهم.
2- الممتثلون لأحكام الله:
قال تعالى نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( ) .
فالآية تبشر المؤمنين الذين يتقون الله في إتيان أزواجهم في موضع الحرث، بأن هذا العمل عبادة لله ؛ لأنهم يحققون حكمة الله من خلقه للزوجين، وذرء النسل وخلافة البشر في الأرض.
3- المجاهدون في سبيل الله :
قال تَعَالَى : وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( ).
أي: وَبَشِّرْ يَا مُحَمَّدُ الْمُؤْمِنِينَ بِنَصْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَفَتْحٍ عَاجِلٍ لَهُمْ( ).
4- الموفون ببيعتهم مع الله :
وقال تعالى :إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( ).
هَاتَانِ الْآيَتَانِ تبينان حَالِ الْمُؤْمِنِينَ حَقَّ الْإِيمَانِ، الْبَالِغِينَ فِيهِ مَا هُوَ غَايَةٌ لَهُ مِنَ الْكَمَالِ، وهم:
- (التَّائِبُونَ ) أي: الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات.
- (الْعَابِدُونَ) أي: المتصفون بالعبودية للّه، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين.
- (الْحَامِدُونَ ) للّه في السراء والضراء، واليسر والعسر، المعترفون بما للّه عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، المثنون على اللّه بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء النهار.
- ( السَّائِحُونَ ) المراد بالسياحة: السفر في القربات، كالحج، والعمرة، والجهاد، وطلب العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك.
- (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) أي: المكثرون من الصلاة، المشتملة على الركوع والسجود.
- ( الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبات
- ( وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) وهي جميع ما نهى اللّه ورسوله عنه.
- ( وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ) بتعلمهم حدود ما أنزل اللّه على رسوله، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لها فعلا وتركا( ).
ثم أمر الله رسوله ببشارتهم فقال ( وبشر المؤمنين ) : أي المتخلقين بها بكل ما يَسرهم بعد تخصيصهم بدار السعادة، وفي الآيتين بالبشارة تارة من الخالق(فَاسْتَبْشِرُوا) وتارة من أكمل الخلائق (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)أعظم مزية للمؤمنين، وفي جعل الأولى من الله؛ أعظم ترغيب في الجهاد، وأعلى حث على خوض غمرات الجلاد ( ).
قاعدتا الثواب في القرآن :
يقرن القرآن دائما بين الإيمان والعمل الصالح كلما ذكر العمل والجزاء. فلا جزاء على إيمان عاطل خامد لا يعمل ولا يثمر. ولا على عمل منقطع لا يقوم على الإيمان.
البشارات الخاصة
أولاً : البشارةُ بالولد :
من أعظم ما يُبشر به المؤمنُ في الدنيا الولدَ الصالحَ الحامل لنور الهداية :
1- تبشير إبراهيم بإسحاق عليهما السلام مع كبر سنه وامرأته عجوز :
قال تعالى : لإبراهيم على لسان الملائكة : لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( ) ، وهو إسحاق عليه الصلاة والسلام ، تضمنت هذه البشارة بأنه ذكر لا أنثى عليم أي: كثير العلم، وفي الآية الأخرى وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( ). فقال لهم متعجبا من هذه البشارة: (أَبَشَّرْتُمُونِي ) بالولد ( عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ ) وصار نوع إياس منه (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) أي: على أي وجه تبشرون وقد عدمت الأسباب؟
( قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ ) الذي لا شك فيه؛ لأن الله على كل شيء قدير، وأنتم بالخصوص -يا أهل هذا البيت- رحمة الله وبركاته عليكم فلا يستغرب فضل الله وإحسانه إليكم( ).
وقوله : (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) : قيل : إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ومرتين وأكثر طلبًا؛ للالتذاذ بسماع تلك البشارة، وطلبًا لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ( ).
وقيل أيضا : استفهم أبأمر اللّه تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم؟( ).
وقال أبو حيان – رحمه الله - قولهم له : فلا تكن من القانطين نهي ، والنهي عن الشيء لا يدل على تلبس المنهي عنه به ولا بمقارنته.
وقوله : ومن يقنط ردّ عليهم ، وأن المحاورة في البشارة لا تدل على القنوط ، بل ذلك على سبيل الاستبعاد لما جرت به العادة. وفي ذلك إشارة إلى أنّ هبةَ الولدِ على الكبرِ من رحمة اللّه، إذ يشدُ عضدَ والدهِ به، ويؤازره حالة كونه لا يستقل، ويرث منه علمه ودينه( ).
2- تبشير زكريا بيحيى - عليهما السلام - مع كبر سنه وامرأته عاقر:
قال تعالى يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا . قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا . قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا( ).
أي: بشره الله تعالى على يد الملائكة بـ " يحيى " وسماه الله له " يحيى " وكان اسما موافقا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين. (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) أي: لم يسم هذا الاسم قبله أحد، فحينئذ لما جاءته البشارة بهذا المولود الذي طلبه استغرب وتعجب وقال: ( رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ) والحال أن المانع من وجود الولد، موجود بي وبزوجتي؟ وكأنه وقت دعائه، لم يستحضر هذا المانع لقوة الوارد في قلبه، وشدة الحرص العظيم على الولد، وفي هذه الحال، حين قبلت دعوته، تعجب من ذلك، فأجابه الله بقوله: ( كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) أي: الأمر مستغرب في العادة، وفي سنة الله في الخليقة، ولكن قدرةَ اللهِ تعالى صالحةُ لإيجاد الأشياء بدون أسبابها؛ فذلك هين عليه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم يكن شيئا( ).
وهنا تساؤل : لماذا تعجب زكريا من البشارة بالولد ؟
هذا التعجب تعجب مُكَنَّى به عن الشكر، فهو اعتراف بأنها عطية عزيزة غير مألوفة؛ لأنه لا يجوز أن يسألَ اللهَ أن يهب له ولداً ثم يتعجب من استجابة الله له( ).
3- تبشير مريم بعيسى عليهما السلام :
قال تعالى : إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( ) ، يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة الله عبده ورسوله عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله ؛لأنه كان بالكلمة من الله ؛ لأن حالتَه خارجةُ عن الأسباب، وجعله اللهُ من آياته وعجائب مخلوقاته( ).
ثانياً : تبشير عيسى بمحمد :
قال تعالى : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ( ).
لقد بشر كل نبي قومه بنبينا محمد ، واللّه أفرد عيسى بالذكر في هذا الموضع ؛ لأنه آخر نبي قبل نبينا ، فبين أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحدا بعد واحد حتى انتهت إلى عيسى عليه السلام.
البشرى(المُبَشر به):
البشارة بالثواب في الدنيا :
بُشِّر أولياء الله في الدنيا ببشارات كما قال تعالى :أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا( ).
من هذه البشارات :
1. الرؤيا الصالحة :
عَنِ أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -- يَقُولُ : لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ قَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ( ).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما - قَالَ كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ -- السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ :" أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ"( ).
2. البشارة بنصر من الله وفتح قريب :
قال تعالى : وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( ).
أي : وَبَشِّرْ يَا مُحَمَّدُ الْمُؤْمِنِينَ بِنَصْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ ، وَفَتْحٍ عَاجِلٍ لَهُمْ( ) تتسع به دائرة الإسلام، ويحصل به الرزق الواسع.
وهذه الآية من معجزات القرآن الراجعة إلى الإخبار بالغيب( ).
من الفوائد المستنبطة من الآية :
إذا فضَّل تعالى شيئاً على شيء وكل منهما له فضل احترز بذكر الفضل الجامع للأمرين؛ لئلا يتوهم أحد ذم المفضل عليه كما قال هنا ( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)، حيث فضل الله المجاهدين في سبيل الله وبين فضلهم وختم الآية بقوله (وبشر المؤمنين)؛ لئلا يتوهم أن غير المجاهدين مذموم؛ فذكر الفضل الجامع بين المجاهدين والمؤمنين وهو الإيمان، وكل منهما له فضل حسب حالة إيمانه .
البشارة بالثواب في الآخرة :
1- البشارة بالأجر الكبير :
قال تعالى : إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( ).عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ-رحمه الله- ، (أَنَّ لَهُمُ، أَجْرًا كَبِيرًا) قَالَ: الْجَنَّةُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَجْرٌ كَبِيرٌ، أَجْرٌ كَرِيمٌ، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فَهُوَ الْجَنَّةَ( ).
2- البشارة بالمغفرة والأجر الكريم :
قال تعالى : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ( ).
أي بشرهم بمغفرة الذنوب ، ودخول الجنات.
3- البشارة بالأجر الحسن :
قال تعالى : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ( ).
الأجر الحسن :هو الفوز برضا الله ودخول الجنة، وفي وصفه بالحسن، دلالة على أنه لا مكدر فيه ولا منغص بوجه من الوجوه، إذ لو وجد فيه شيء من ذلك لم يكن حسنه تاماً ، ومع ذلك فهذا الأجر الحسن لا يزول عنهم، ولا يزولون عنه، بل نعيمهم في كل وقت متزايد .
4- البشارة بالفضل الكبير :
قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا( ) .
الفضل: العطاء الذي يزيده المعطي زيادة على العطية؛ لأنه لا يكون فضلاً إلا إذا كان زائدا على العطية. والمراد أن لهم ثواب أعمالهم الموعود بها وزيادة من عند ربهم( )، قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ( ) .
وذكر في هذه الآية الكريمة :المبشَّر، وهم المؤمنون، وذكر المبشَّر به، وهو الفضل الكبير، أي: العظيم الجليل، الذي لا يقادر قدره، من النصر في الدنيا، وهداية القلوب، وغفران الذنوب، وكشف الكروب، وكثرة الأرزاق الدَّارَّة، وحصول النعم السارة، والفوز برضا ربهم وثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه.
وهذا مما ينشط العاملين، أن يذكر لهم، من ثواب اللّه على أعمالهم، ما به يستعينون على سلوك الصراط المستقيم، وهذا من جملة حكم الشرع ( ).
وفي أمره لرسول اللّه بالتبشير تأنيس عظيم ووعد كريم بالثواب الجزيل( ).
5- البشارة بقدم صدق عند الله :
قال تعالى :وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ( ). أي : "لَهُمْ أَعْمَالاً صَالِحَةً عِنْدَ اللَّهِ يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا مِنْهُ الثَّوَابَ"( ).
وكلمة قدم صدق تعني أيضاً : " قدم ثابتة راسخة موقنة لا تتزعزع ولا تضطرب ولا تتزلزل ولا تتردد، في جو الإنذار وفي ظلال الخوف، وفي ساعات الحرج ،" قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ"، في الحضرة التي تطمئن فيها النفوس المؤمنة. حينما تتزلزل القلوب والأقدام"( ).
6- البشارة بالجنة ونعيمها :
قال تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ). وقال تعالى : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( ).
أي بشرهم يا محمد أن لهم بساتين جامعة من الأشجار العجيبة، والثمار الأنيقة، والظل المديد، تجري من تحتها أنهار الماء، واللبن، والعسل، والخمر، يفجرونها كيف شاءوا، ويصرفونها أين أرادوا، وتشرب منها تلك الأشجار فتنبت أصناف الثمار المتشابهة في الحسن واللذة والفكاهة، ليس فيها ثمرة خاصة، وليس لهم وقت خال من اللذة، فهم دائماً متلذذون بأكلها.
ثم لما ذكر مسكنهم، وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم، ذكر أزواجهم، فوصفهن بأكمل وصف وأوجزه، وأوضحه فقال: ( وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ) فلم يقل "مطهرة من العيب الفلاني "ليشمل جميع أنواع التطهير، فهن مطهرات الأخلاق، مطهرات الخلق، مطهرات اللسان، مطهرات الأبصار، فأخلاقهن، أنهن عرب متحببات إلى أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعل، والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط، والمخاط والبصاق، والرائحة الكريهة، ومطهرات الخلق أيضا، بكمال الجمال، فليس فيهن عيب، ولا دمامة خلق، بل هن خيرات حسان، مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن، وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح( ).
وهذه الآية الكريمة من الآيات الجامعة في البشرى حيث ذكر فيها : المبشِّر والمبشَّر، والمبشَّرُ به، والسبب الموصل لهذه البشارة.
فالمبشِّر: هو الرسول - - ومن قام مقامه من أمته.
والمبشَّر: هم المؤمنون العاملون الصالحات.
والمبشَّر به: هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات.
والسبب الموصل لذلك: هو الإيمان والعمل الصالح، فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة، إلا بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة، على يد أفضل الخلق، بأفضل الأسباب.
الفوائد المستنبطة :
استحباب بشارة المؤمنين، وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها وثمراتها، فإنها بذلك تخف وتسهل.
البشارة بالعقاب:
الْغَالِبُ فِي اسْتِعْمَالِ الْبِشَارَةِ أَنْ تَكُونَ فِي الْإِخْبَارِ بِمَا يَسُرُّ ، فَهِيَ إِذًا مَأْخُوذَةٌ مِنَ انْبِسَاطِ بَشْرَةِ الْوَجْهِ ، كَمَا أَنَّ السُّرُورَ مَأْخُوذٌ مِنَ انْبِسَاطِ أَسَارِيرِهِ ، وَعَلَى هَذَا يَقُولُونَ : إِنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِيمَا يَسُوءُ يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّهَكُّمِ ، وَقِيلَ : إِنَّ الْبِشَارَةَ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُسِرُّ وَفِيمَا يَسُوءُ اسْتِعْمَالًا حَقِيقِيًّا ; لِأَنَّ أَصْلَهَا الْإِخْبَارُ بِمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي بَشْرَةِ الْوَجْهِ فِي الِانْبِسَاطِ وَالتَّمَدُّدِ ، أَوِ الِانْقِبَاضِ وَالتَّغَضُّنِ( ).
1. البشارة بالعذاب الأليم :
تستعمل البشرى في الشر بقيد كما قال تعالى : بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( ) .
والعذاب الأليم : هُوَ الْمُوجِعُ، وَذَلِكَ عَذَابُ جَهَنَّمَ.
قال ابن عطية –رحمه الله - : جاءت البشارة هنا مصرحًا بقيدها؛ فلذلك حسن استعمالها في المكروه. ومتى جاءت مطلقة؛ فإنما عرفُها في المحبوب( ).
2. لا يرون الملائكة في يوم خير لهم :
قال تعالى : يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً ( ) .
أي : لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرون الملائكة لابشرى يومئذ لهم ، وذلك يَصْدُق في ثلاثة مواضع :
وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار، وغضب الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سَموم وحَميم، وظلِّ من يحموم. فتأبى الخروج وتتفرق في البدن ، فيضربونه( )، كما قال الله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ( ) ، وقال: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أي: بالضرب ، أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ( ).
ثم في القبر حيث يأتيهم منكر ونكير فيسألهم عن ربهم ونبيهم ودينهم فلا يجيبون جوابا ينجيهم فيحلون بهم النقمة، وتزول عنهم بهم الرحمة كما روى أبو داود بسنده عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ وَفِى يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِى الأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : " اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا :....ثم قَالَ : " وَإِنَّ الْكَافِرَ ". فَذَكَرَ مَوْتَهُ قَالَ : " وَتُعَادُ رُوحُهُ فِى جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولاَنِ : مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ : هَاهْهَاهْهَاهْ لاَ أَدْرِى.فَيَقُولاَنِ لَهُ : مَا دِينُكَ فَيَقُولُ : هَاهْهَاهْ لاَ أَدْرِى. فَيَقُولاَنِ : مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِى بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ : هَاهْهَاهْ لاَ أَدْرِى. فَيُنَادِى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : أَنْ كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ ". قَالَ : " فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا ". قَالَ : " وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاَعُهُ ". زَادَ فِى حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ : « ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا ». قَالَ : « فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا ». قَالَ : " ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ"( ).
ثم يوم القيامة حين تسوقهم الملائكة إلى النار ثم يسلمونهم لخزنة جهنم الذين يتولون عذابهم ويباشرون عقابهم، فهذا الذي اقترحوه وهذا الذي طلبوه إن استمروا على إجرامهم لا بد أن يروه ويلقوه، وحينئذ يتعوذون من الملائكة ويفرون ولكن لا مفر لهم كما قال تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ( ) .
فهلا اقتدينا بأفعال الله بتبشير المؤمنين بكل خير، ودفع كل ضُر؟
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين