د. يوسف القرضاوي

إن شمول معنى العبادة في الإسلام  له آثار مباركة في النفس والحياة، يحسُّها الإنسان في ذاته، ويلمسها في غيره، ويرى ظلالها في الحياة من حوله. وأبرز هذه الآثار وأعمقها أمران:

الأول: أنه يصبغ حياة المسلم وأعماله فيها بالصبغة الربانية، ويجعله مشدودًا إلى الله في كلِّ ما يؤدِّيه للحياة، فهو يقوم به بنية العابد الخاشع، وروح القانت المخبت، وهذا يدفعه إلى الاستكثار من كلِّ عمل نافع، وكلِّ إنتاج صالح، وكلِّ ما ييسِّر له ولأبناء نوعه الانتفاع بالحياة، على أمثل وجوهها. فإن ذلك يزيد رصيده من الحسنات والقربات عند الله عزَّ وجلَّ. كما يدعوه هذا المعنى إلى إحسان عمله الدنيوي وتجويده وإتقانه، ما دام يقدِّمه هدية إلى ربِّه سبحانه، ابتغاء رضوانه وحسن مثوبته.

والثاني: أنه يمنح المسلم وحدة الوجهة، ووحدة الغاية في حياته كلِّها، فهو يرضي ربًّا واحدًا، في كل ما يأتي ويَدَع، ويتجه إلى هذا الرب بسعيه كله: الديني والدنيوي. لا انقسام ولا صراع ولا ازدواج في شخصيته ولا في حياته.

إنه ليس ممن يعبدون الله في الليل، ويعبدون «المجتمع» في النهار.

وليس ممن يعبدون الله في المسجد، ويعبدون «الدنيا» و«المال» في ساحة الحياة.

وليس ممن يعبدون الله في يوم من أيام الأسبوع، ثم يعبدون ما سواه ومن سواه سائر أيام الأسبوع.

كلا، إنه يعبد الله وحده حيثما كان، وكيفما كان، وفي أي عمل كان. فوجه الله لا يفارقه في عمل ولا حال ولا زمان: {وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِ} (البقرة:115). وبهذا ينصرف همه كله إلى الله، ويجتمع قلبه كله على الله، ولا يتوزع شمل حياته وفكره وإرادته ووجدانه بين شتى الاتجاهات، والتيارات والانقسامات. إن حياته كلها وحدة لا تتجزأ. منهجه فيها عبادة الله، وغايته رضوان الله، ودليله وحي الله.

شمول العبادة لكيان الإنسان كله:

هذا هو المظهر الثاني لشمول العبادة في الإسلام. فكما شملت العبادة في الإسلام الحياة كلها، استوعبت كذلك كيان الإنسان كله. فالمسلم يعبد الله بالفكر، ويعبد الله بالقلب، ويعبد الله باللسان، ويعبد الله بالسمع والبصر وسائر الحواس، ويعبد الله ببدنه كله، ويعبد الله ببذل المال، ويعبده ببذل النفس، ويعبده بمفارقة الأهل والوطن.

المسلم يتعبد لله بالفكر، عن طريق التأمل في النفس والآفاق، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء، والتدبر لآيات الله المنزلة وما فيها من هدى وحكمة، والنظر في مصاير الأمم وأحداث التاريخ وما فيها من عظة وعبرة.

ويتعبد المسلم لله بالقلب، عن طريق العواطف الربَّانية والمشاعر الروحية، مثل: حب الله وخشيته، والرجاء في رحمته، والخوف من عقابه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والشكر لنعمائه، والحياء منه، والتوكل عليه، والإخلاص له.

ويتعبد المسلم لله باللسان، عن طريق الذكر والتلاوة، والدعاء والتسبيح، والتهليل والتكبير.

ويتعبد المسلم لله ببدنه كله: إما كفًّا وامتناعًا عن ملذات البدن وشهواته، كما في الصيام. وإما حركة وعملًا ونشاطًا، كما في الصلاة التي يتحرك فيها البدن كله: اللسان والأعضاء، مع العقل والقلب.

ويتعبد المسلم لله ببذل المال الذي هو شقيق الروح، كما في الزكاة والصدقات، وهذا ما يسميه الفقهاء «العبادة المالية»، كما سمّوا الصلاة والصوم «العبادة البدنية»، ويعنون بكلمة «البدن» هنا: كيان الإنسان كله لا الجسم المادي وحده. فإن النية شرط لكل عبادة، ومحلها القلب بالإجماع، وعبادة المجنون والسكران ونحوها لا تصح ولا تقبل، {حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} (النساء:43).

ويتعبد المسلم لله ببذل مهجته والتضحية بنفسه وبمصالحه المادية العاجلة، ابتغاء مرضاة الله، كما في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى.

ويتعبد المسلم لله بمفارقة الأهل والوطن والضرب في الأرض: إما للحج والعمرة، وإما للهجرة إلى أرض يستطيع فيها المسلم إقامة دينه، وإما للجهاد في سبيل الله، وإما لطلب علم نافع، أو نحو ذلك، مما يبذل فيه المسلم - عادة - راحة بدنه وحُرّ ماله. ولهذا نعتبر هذا النَّوع من العبادات «بدنيًّا وماليًّا» معًا حسب التقسيم الفقهي المتعارف.

العبادة في الإسلام لفضيلة الشيخ