مع وصول كل خبر عن انتشال شهيد من المناطق القريبة أو المحاذية لما كان يعرف بـ"مراكز المساعدات الأمريكية" غرب مدينة رفح، تذهب أم أحمد لتنفي الاحتمال عن استشهاد طفلها الذي فقدته بينما كان متجها للحصول على طعام لعائلته المجوعة، فما أن ترى أنه الجثمان لا يعود له حت يتجدد أملها بأن يكون معتقلا وعلى قيد الحياة.
انتظرت "أم أحمد الحلبي" عودة طفلها الصغير طويلاً وهو الذي خرج في صباحٍ مثقلٍ بالخوف والجوع، متجهاً نحو غرب رفح حيث "مصائد الموت"، على أمل أن يحصل على بعض المساعدات الغذائية، ولم تكن هي ولا ابنها يعلمون أن تلك الخطوات البسيطة نحو "رغيف الخبز" يمكن أن تكون آخر ما يعرف عنه من معلومات وأخبار وآثار.
تقول الأم المعذبة: "منذ ذلك اليوم لم أره، بحثنا في كل مكان، تواصلنا مع مؤسسات حقوق الإنسان الكثيرة، لكن لا أحد يعرف شيئًا عن أحمد، حدثنا البعض أنه أُصيب، والبعض قالوا إن الدبابات داهمت المنطقة وجرفتها بالكامل".
منذ اختفائه، تحولت أيام العائلة إلى أوقات انتظارٍ طويلة لا تنتهي، وليلٍ ممتدّ لا يعرف الضوء، ورغم مرور الأيام، ما زالت والدة أحمد تتمسك بخيط الأمل الأخير، ترفع عينيها إلى السماء وتقول: "ربّي رجّع لي ابني… أو طمّنّي عليه، بس أعرف وينه".
آلاف المفقودين
وفي أعقاب سريان وقف إطلاق النار بداية الأسبوع المنصرم، أعلن جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، أن نحو 9500 شخص ما زالوا مفقودين، منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على القطاع قبل عامين.
وقال الناطق باسم الجهاز محمود بصل، في بيان صحفي، إن الدفاع المدني تلقى بلاغات عن فقدان 9500 شخص منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر 2023، داعياً اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى التنسيق مع السلطات الإسرائيلية لمعرفة مصيرهم.
وتشير تقديرات أممية منشورة، إلى أن عدد المفقودين في غزة يتراوح بين 8 آلاف و11 ألف حالة غالبيتهم من النساء والأطفال ولا تزال طبيعة مصيرهم مجهولة.
وتتنوع حالات الفقدان بين من دُفنوا تحت ركام منازلهم، ومن هُجّروا أو استُخدموا دروعا بشرية، أو اقتيدوا قسرا إلى الاعتقال دون أي معلومات عن مصيرهم، لتعيش عائلاتهم ممزقة بين الأمل واليأس.
المفقودون.. إفرازات الحرب
الباحث في المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرا غازي المجدلاوي، قال إن الحرب الإسرائيلية على غزة أفرزت ظاهرة المفقودين والمخفيين قسرًا، حيث تزايدت أعدادهم بشكل كبير مع استمرار العدوان.
وقدر، في حديث مع المركز الفلسطيني للإعلام، وجود 8 إلى 9 آلاف مفقود، يعتقد أنهم تحت الأنقاض أو في مناطق التمركز العسكري الصهيوني، داعياً إلى تدخل دولي بإشراف الأمم المتحدة والصليب والهلال الأحمر لتوفير المعدات الثقيلة وخبراء الطب الشرعي وتقنيات الحمض النووي، لتمكين الأهالي من دفن أبنائهم بكرامة وفق الأعراف والاتفاقيات الدولية.
ويرى "المجدلاوي" أن هذا الواقع استدعي ضرورة إنشاء مؤسسة متخصصة تعمل على توثيق هذه الحالات وتسليط الضوء على معاناة العائلات المكلومة.
وأوضح أن "المركز الفلسطيني للمفقودين"، مبادرة وطنية تهدف إلى توثيق قضايا المفقودين الفلسطينيين والمخفيين قسرًا؛ في محاولة جادة للكشف عن مصيرهم وحفظ حقوقهم وحقوق أسرهم؛ كما يقول "المجدلاوي".
ووفق "المجدلاوي" فإن المركز يعمد إلى تقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي لعائلات المفقودين، بالإضافة إلى توثيق جرائم الاختفاء القسري والسعي لمحاسبة مرتكبيها على المستويين المحلي والدولي.
وأكد أن المركز يعمل على إنشاء قاعدة بيانات رقمية دقيقة تشمل معلومات مفصلة عن المفقودين، بما في ذلك أماكن وظروف اختفائهم، مع التركيز على جمع إفادات شهود العيان وأفراد العائلات لإعداد قصص إنسانية توثق معاناة الضحايا وذويهم.
ويعتقد أنه برغم أن الأولوية ستكون للمفقودين خلال الحرب على غزة، إلا أن نطاق عمل المركز يمكن أن يمتد ليشمل كل ما يتعلق بحالات المفقودين الفلسطينيين في الداخل والخارج، مما يجعله منصة وطنية ودولية لتوثيق هذه الجرائم.
وأوضح أن المركز يعتمد على فريق من الباحثين والقانونيين الذين يعملون على توثيق حالات الاختفاء القسري، بالإضافة إلى تقديم الدعم القانوني لعائلات المفقودين من خلال تحديد مسارات قانونية لمحاسبة الاحتلال الإسرائيلي.
وشدد على أن المركز يعمل على التعاون مع المنظمات الحقوقية الدولية للضغط من أجل فتح تحقيقات عادلة في هذه الجرائم، منوها إلى أن المركز سعى إلى بناء شراكات مع منظمات دولية مثل الصليب الأحمر ومنظمات حقوق الإنسان لتسهيل الوصول إلى المعلومات ودعم الجهود المبذولة.
ويرى أن إلزام الاحتلال الصهيوني بالكشف عن مصير المخفيين قسرًا في سجونه يعد التحدي الأكبر، خاصة في ظل عدم تعاون سلطات الاحتلال مع الجهود الدولية، مشيراً إلى ما وصفه بـ"المسئولية الكبيرة" على الأطراف المنخرطة الوسيطة في المفاوضات، والمجتمع الدولي، لوضع قضية المفقودين على طاولة المباحثات.
وأشار إلى أن المركز سيسعى لرفع البلاغات حول حالات الاختفاء القسري، وطرح هذه القضية على طاولة الاهتمام الدولي، بهدف الكشف عن مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
ووسط ركام البيوت المهدّمة المتراكم، وصمت الشوارع التي كانت تعجّ بالحياة، يظلّ مصير آلاف المفقودين في غزة جرحًا عميقا مفتوحا على كل الاحتمالات لذويهم، فلا أسماء في القوائم، ولا قبور يمكن زيارتها، بل صور وذكريات تتقادم، وتبقى القلوب تُنادي دون صدى.
قضية المفقودين ليست رقما عابراً أو مجردا، بل نداء عاجل للبحث والتوثيق، والمحاسبة، فالمأساة لا تكتمل فقط حين يُقتل الإنسان، بل حين يُنسى.