تتدهور الأوضاع الإنسانية في المخيمات الفلسطينية بلبنان بصورة غير مسبوقة، على وقع الاستهدافات الأمنية الأخيرة التي أعادت إلى الواجهة هشاشة الواقع المعيشي داخل هذه التجمعات المنهكة.
ويبرز مخيم عين الحلوة اليوم كأكثر المخيمات تضررًا، إذ يعيش سكانه بين مطرقة الاشتباكات وما خلّفته من دمار واسع، وسندان سياسات التقليص التي تتبعها "أونروا"، والتي شلّت قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والخدمات الأساسية، وعمّقت شعور اللاجئين بالعزلة والتهديد.
وفي موازاة ذلك، لا تزال القيود اللبنانية المفروضة على مزاولة الفلسطيني للمهن تزيد من ضيق الخيارات أمام عشرات آلاف العائلات، في وقت تعاني فيه البلاد نفسها من أزمات اقتصادية وسياسية خانقة تجعل المخيمات آخر من يتلقى الدعم، وأول من يدفع ثمن اهتزاز الدولة وضعف مؤسساتها.
وبين ضعف الإمكانات وغياب المعالجات الجدية، تتسع الفجوة الإنسانية يومًا بعد يوم، فيما يقف اللاجئون أمام واقع قاسٍ يتطلب تدخلًا عاجلًا يمنع تفاقم الكارثة.
تقليصات وتدهور خطير
رئيس الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، علي هويدي، حذر من التدهور الخطير الذي يعيشه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان نتيجة السياسات الأخيرة لـ "أونروا"، والتي طالت قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
وأكد هويدي، لـ"المركز الفلسطيني للإعلام"، أن ما يجري "يُفاقم معاناة مجتمع لجوء أنهكته الأزمات المركّبة ويحتاج إلى حماية لا إلى مزيد من التقليصات”.
وقال إن إجراءات الفصل التعسفي بحق المعلمين تمثّل "سابقة خطيرة"، بعدما أقدمت "أونروا" مؤخرًا على فصل 10 معلّمين بشكل مفاجئ، مع وضع مجموعة أخرى على لائحة التهديد بالفصل، فيما لا يزال آخرون قيد التحقيق أمام لجان داخلية.
ويرى أن هذه الإجراءات تستهدف استقرار العملية التعليمية وتهدد الأمن الوظيفي لموظفين خدموا لسنوات طويلة بجهد مشهود.
ويعتقد "هويدي" أن إغلاق خمس مدارس في مخيم عين الحلوة منذ الاشتباكات الأخيرة، دون ترميمها أو إعطائها أولوية في خطة إعادة التأهيل، يعكس غياب رؤية واضحة لأونروا تجاه احتياجات المخيمات، محذرًا من بقاء آلاف الطلاب دون بيئات تعليمية آمنة وصحية.
وأوضح أن الفصول الدراسية في مدارس "أونروا" باتت مكتظة بصورة غير مسبوقة، نتيجة التقليص الهائل في أعداد الكادر الوظيفي، حيث تجاوز عدد الطلاب في بعض الصفوف أكثر من 45 طالبًا، ما يُفقد العملية التعليمية جودتها، ويضع المعلمين تحت ضغوط جسدية ونفسية كبيرة.
وفي السياق الصحي، قال "هويدي" إن تقليص الأونروا لخدماتها يمسّ بشكل مباشر حياة المرضى، مشيرًا إلى أن الوكالة خفّضت عدد أيام عمل بعض العيادات، وقلّصت السقف المالي للتحويلات الطبية، واستغنت عن جزء من الكادر التمريضي، الأمر الذي ترك مئات المرضى دون متابعة فعلية أو تغطية كافية للعمليات والإجراءات الطارئة.
وأضاف أن مرضى السرطان، وأصحاب الأمراض المزمنة، باتوا الأكثر تضررًا، بعد أن توقفت "أونروا" عن تغطية جزء من الأدوية الأساسية بحجة العجز المالي، وهو ما يراه هويدي "تهديدا مباشرا لحياة الناس، ومخالفة لجوهر التفويض الأممي”.
وأكد رئيس الهيئة 302 أن التقارير الميدانية الواردة من المخيمات تظهر تراجعًا حادًا في مستوى النظافة البيئية وخدمات الصرف الصحي، نتيجة تقليص عقود العمّال اليوميين، ما أدى إلى تراكم النفايات في شوارع بعض المخيمات وتحولها إلى بؤر خطرة على الصحة العامة.
ودعا "هويدي" الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لتوفير تمويل مستدام لـ"أونروا"، ووقف سياسة العقاب الجماعي التي تُمارس بحق اللاجئين.
وقال إن الأمن الإنساني للاجئين الفلسطينيين خط أحمر، والمسّ بخدمات أونروا ليس مجرد تقليص مالي، بل تخلٍّ عن مسؤوليات دولية تجاه شعبٍ يعيش ظروفًا بالغ القسوة.
المرحلة الأخطر
من جهته، قال مدير عام مؤسسة العودة الفلسطينية ياسر علي، إن المخيمات الفلسطينية في لبنان تمرّ بمرحلة هي الأخطر منذ سنوات طويلة.
وأوضح لـ"المركز الفلسطيني للإعلام"، أن واقع المخيمات "معلق على خيط رفيع"، في ظل تداخل عوامل سياسية وأمنية واجتماعية تجعل الوضع مفتوحاً على احتمالات غير مطمئنة.
ويرى أن المخيمات الفلسطينية في لبنان تواجه تراكمات متزامنة من انسحاب تدريجي لدور "أونروا"، وضغوط صهيونية، وتعقيدات داخلية، إضافة إلى محاولات نزع السلاح من الفصائل، وهي عوامل اعتبر أنها "تدفع المخيمات نحو توتر غير مسبوق”.
ويعتقد "علي" أن سياسات "أونروا" الأخيرة تثير قلقاً حقيقياً لدى اللاجئين، لافتاً إلى أن امتناع ألمانيا التي تعدّ الراعي الأساسي لعمليات الوكالة في لبنان عن التصويت لصالح تجديد ولاية "أونروا"، يرسل رسالة خطيرة حول الاتجاه الذي تسير فيه الوكالة.
وكشف عن أن إدارة "أونروا" الحالية تسير في مسار تقليص ممنهج، يمسّ الخدمات الأساسية ويقوّض قدرة اللاجئين على الصمود.
وأشار إلى أن القرارات التي اتخذتها الوكالة في قطاع التعليم، ومن بينها منع الرموز الوطنية الفلسطينية داخل المدارس، أثارت موجة احتجاجات واسعة في المخيمات، كان من أبرزها التحركات التي قادها الشهيد أمجد خشام الذي دفع حياته ثمناً لوقوفه ضد تلك السياسات.
وقال إن هذه القرارات جاءت في وقت حرج، حيث يعاني قطاع التعليم من شبه انهيار عقب توقف خمس مدارس في مخيم عين الحلوة عن العمل منذ عامين، وسط مبانٍ غير مرممة وتجاوزات واضحة في عمليات التلزيم ورفض ترميم مدارس يمكن إصلاحها خلال أيام.
ولفت علي إلى أن أوضاع المعلمين في مدارس "أونروا" باتت "هشة للغاية"، حيث يعتمد معظمهم على العمل بالمياومة، فيما جرى فصل عشرة منهم دون تعويض، استناداً إلى مزاعم بمخالفة القوانين على خلفية مشاركات قديمة في فعاليات وطنية.
وأكد أن الاكتظاظ داخل الصفوف وصل إلى حدود غير مقبولة تتراوح بين 40 و50 طالباً، في وقت تقلّص فيه الدوام الدراسي إلى أربع ساعات فقط، ما يجعل العملية التعليمية "شكلية ومهددة بالانهيار الكامل”.
وأوضح أن أعداد مدارس "أونروا" في لبنان، التي كانت نحو 60 مدرسة، تتراجع بشكل ملحوظ، مع اضطرار آلاف الطلاب للانتقال إلى مدارس خارج المخيمات، ما يشكل عبئاً مادياً ومعيشياً مضاعفاً على الأهل.
وأكد أن الظروف داخل مخيم عين الحلوة تزداد تعقيداً في ظل طوق أمني يفرضه الجدار العازل المحيط بالمخيم ومداخل يتحكم بها الجيش اللبناني، بحيث لا يُسمح بالدخول أو الخروج إلا بإبراز الهوية.
وقال "علي"، إن المخيمات الفلسطينية أصبحت محاصرة بين ضغط "أونروا" وتراجع خدماتها من جهة، والظروف الأمنية والمعيشية القاسية من جهة أخرى، محذراً من أن استمرار هذا الواقع ينذر بانفجار اجتماعي إذا لم تُتخذ خطوات جادة لمعالجة الأزمة ووقف الانحدار المتسارع في حياة اللاجئين.