د. مسعود صبري
الوشم في اللغة العلامة، وقد عرفه الفقهاء بأنه غرز الجلد بإبرة حتى يخرج.
والوشم أحد أشكال تعديل الجلد، فيتم إدخال صبغات في الطبقة الثانية تحت البشرة، ويتم تشكيل رسوم أو تصميمات دائمة، وعادة ما تستخدم آلة كهربائية مختصة بالوشم، مزودة بإبرة أو أكثر لغرز الحبر في الجلد بسرعة.
وقد يظن البعض أن الوشم من الأمور الحديثة، لكنه في الحقيقة قديم جداً، حيث تعود جذوره لآلاف السنين، وقد عرف في كثير من حضارات العالم، وكل حضارة لها خصوصية في الوشم الذي تشتهر به، فقد وجد في الحضارة المصرية والنوبية، وكذلك في بعض ثقافات الدول الأفريقية والآسيوية، وتختلف دلالاته من واحدة لأخرى، فهو إما أن يعبر عن الزينة، أو الانتماء لبعض العرقيات، وقد كان يستعمل وسيلة من وسائل العقاب والتعذيب، وكان البعض يعتبره وسيلة للحماية من الحسد والعين كما في بعض الثقافات البدوية خاصة في منطقة المغرب الكبير.
كما أن هناك أنواعاً كثيرة ووسائل متعددة للوشم، تختلف باختلاف المناطق والثقافات والبيئات.
حكم الوشم في الإسلام
غير أن هذا الوشم وإن كان يمثل نوعاً من الهوية، فإن الإسلام الذي جاء يميز المسلمين عن غيرهم من الثقافات والحضارات رفض هذا الوشم، وجعله حراماً في غالب الأحوال، وقد ورد في ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة»، وعده بعض الفقهاء من الكبائر، ونص بعضهم على أنه مكروه، لكن كراهة تحريمية.
حالات يجوز فيها الوشم
على أن الحضارة الإسلامية متمثلة في فقهائها لم يقفوا موقف العداء الأبدي للوشم، إن كان هناك مصلحة، فمناط التحريم في الوشم هو الضرر الذي يقع على صاحبه والفساد الذي يترتب عليه والنجاسة الموجودة فيه، ومن هنا، فإن الفقهاء رأوا إن كان الوشم في بعض حالاته يحتاج الإنسان إليه احتياجاً حقيقياً، فتنقلب الحرمة إلى الجواز، ولا يكون حراماً ساعتها، ويبقى هذا استثناء من الأصل، فالأصل أنه حرام، لكنه يجوز في بعض الحالات، منها:
الحالة الأولى: إذا قرر الفقهاء الثقات أنه يتعين وسيلة للتداوي، فساعتها يعمل بالقاعدة الفقهية «الضرورات تبيح المحظورات»، ولأن الوشم حرام لغيره، لما فيه من الفساد والضرر على الإنسان، فإنه إن تعين وسيلة للتداوي والحفاظ على صحة الإنسان، فتنقلب الحرمة إلى الجواز؛ لأن حفظ النفس من مقاصد الشريعة المقررة، وهي كلية من كليات الدين.
الحالة الثانية: إذا كان الوشم وسيلة تتزين المرأة به لزوجها بعد إذنه وموافقته، فقد جاء في «حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني» (2/ 459 ط الفكر): «ورد عن عائشة أنه يجوز للمرأة أن تتزين به لزوجها، وقد جاء أن ذلك كان في أسماء رضي الله عنها، ويمكن أن يقال: لا معارضة لإمكان حمل التي على من يحرم عليها الزينة كالمعتدة كما في النامصة ولا يكلف صاحبه بإزالته، ولو وقع محرماً، ومحل حرمته ما لم يتعين طريقاً للدواء، وإلا جاز».
الصلاة بالوشم
محل إشكال الصلاة بالوشم هو أن الفقهاء قد اتفقوا على أن الوشم نجس؛ وذلك لأن الدم قد انحبس في موضع الوشم بما ذر عليه، ولكنهم اختلفوا في حكم إزالة الوشم، وعليه ترتب الخلاف الفقهي في صحة صلاة من بجسده وشم على النحو التالي:
1- المذهب الحنفي:
ذهب الأحناف إلى أن حكم الوشم هو حكم الاختضاب أو الصبغ بالمتنجس، فهو يطهر بالغسل، ولا يضر بقاء أثره على الجسد، فإذا غسل؛ فقد طهر، ولا يلزم منه سلخ جلده وإزالة أثر الوشم؛ لأن إزالة أثر الوشم فيه مشقة، والمشقة مرفوعة في الشريعة، لما تقرر في القاعدة الفقهية «المشقة تجلب التيسير»، وفي هذه الحالة، فتصح صلاة الواشم والواشمة، بل وتصح إمامته على مذهب الأحناف.
2- المذهب المالكي:
ذهب المالكية إلى أن الوشم إذا وقع على الوجه الممنوع بأن لم يتعين دواء، ولم تتزين به الزوجة لزوجها، فإنه لا يكلف صاحبه بإزالته بالنار، بل هو من النجس المعفو عنه، فتصح الصلاة به.
3- المذهب الشافعي:
ذهب الشافعية إلى أن الوشم إذا لم يكن في إزالته ضرر؛ وجب إزالته، ولا تصح صلاته في هذه الحالة، ولكن إن خاف على نفسه الضرر؛ لم يجب إزالته، ولا إثم عليه بعد التوبة منه، فتصح صلاته، ولا ينجس ما وضع فيه يده إذا كان عليه وشم.
4- المذهب الحنبلي:
إذا استطاع الواشم إزالة الوشم من جسده، ولم يكن في إزالته ضرر؛ وجب إزالته، ولو صلى في هذه الحالة فصلاته باطلة.
أما إذا كان هناك خوف على نفس أو عضو من حصول مرض؛ فلا يجب عليه، لأن حفظ النفس واجب، وهو مقدم على مراعاة شروط الصلاة، وذلك قياساً على ترك شرط مجمع عليه لحفظ ماله، فترك شرط مختلف فيه لحفظ بدنه أولى، وحيث لم تجب إزالته؛ فتصح صلاته.
5- الراجح:
الراجح أن حكم الصلاة بالوشم على النحو التالي:
الحالة الأولى: إذا كان الوشم المعاصر مجرد رسم فوق الجلد، فهو يشبه الحناء؛ فالصلاة به صحيحة؛ لأنه ساعتها لا يكون نجساً، ولا تأثير له على صحة الصلاة آنذاك.
الحالة الثانية: إذا استعمل الوشم للحالات المباحة؛ كالتداوي، أو كان زينة للزوج بإذنه؛ تصح الصلاة؛ لأنه مباح استعماله، وما كان مباحاً استعماله؛ لا يبطل الصلاة.
الحالة الثالثة: إن استعمل الوشم لغير حاجة أو ضرورة، فهو نجس، وفيه حالتان فرعيتان:
1- إن كان لا يستطيع إزالته خشية ضرر؛ لم يجب عليه إزالته، وصحت صلاته، لأنه في حكم المضطر، فهو آثم من جهة وضع الوشم، وعليه التوبة، لكن صلاته صحيحة؛ لانفكاك الجهة هنا؛ ولأن حفظ البدن من مقاصد الشريعة، وهو من ضرورات حفظ النفس.
2- إن كان يستطيع إزالة الوشم، ولا ضرر عليه في ذلك، فهو آثم لوضع الوشم، وعليه إزالته؛ وإن اختلف في صحة صلاته، فالراجح أن صلاته صحيحة؛ كما هو الشأن في المذهبين: الحنفي والمالكي، ويترجح ذلك لأن النجاسة المتبقية في الجسد قليلة، وقد قرر الفقهاء في قواعدهم أنه يعفى عن يسير النجاسة، ثم هو تيسير على الناس؛ حتى لا يتركوا الصلاة، وحتى لا يتذرع بعضهم بترك الصلاة لأجل وجود الوشم، لكنه يظل آثماً على ترك الوشم عليه، فتصح صلاته مع الإثم للوشم، وحكم الصلاة شيء، وحكم الوشم شيء آخر.
على أنه مع القول بجواز الصلاة بالوشم، فإن الواجب على المسلم أن يتوب إلى الله تعالى من الوشم المحرم، وأن الوشم ليس من سمات المسلمين، ولا هو مظهر من مظاهر حضارة الإسلام، والمسلم يجب عليه أن يظهر انتماءه وهويته لدينه وحضارته، لا أن يلهث وراء حضارات فارغة لا هَمّ لها إلا أن تذر الإنسان في تيه، باحثاً عن ترف أو راحة كالسراب لا يجدها، ليظل لاهياً؛ حتى يستطيعوا قيادته نحو الهاوية، وليتحكموا فيه.
وهذا أيضاً من مقاصد الشيطان، وقد حكاه القرآن في قوله تعالى: (وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً {118} وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً {119} يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً {120} أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً) (النساء).
وقد أراد الله تعالى للمسلم أن ينتمي لدين الذي ارتضاه للمسلمين، وأن يجعل قبلته نحوه وليس نحو حضارة الكافرين، وأنه يجب أن يتمايز المسلمون عن غيرهم، حيث قال تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: 148)، وإن كان الشباب والفتيات يبحثون عن الزينة، ففي الزينة الحلال كفاية عن الزينة الحرام.