https://ikhwanonline.com/article/266140
الجمعة ١٢ شعبان ١٤٤٧ هـ - 30 يناير 2026 م - الساعة 04:31 م
إخوان أونلاين - الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمون
أبناء وبنات

نظرية الضلع الغائب لحل مشاكل المراهقين

نظرية الضلع الغائب لحل مشاكل المراهقين
الجمعة 12 ديسمبر 2025 12:53 م
بقلم: أحمد صلاح

رائع أن تحدث تلك الطفرة، والتي أظن أن كل المهتمين بالتربية يلحظها، في مجال الإعلام التربوي، تلك الطفرة التي نقلت نظريات التربية المعقدة ومفاهيمها الصعبة من دائرة المتخصصين إلى عالم العامة من الآباء والأمهات، والذين كانوا في أمسِّ الحاجة إلى مرشد ومعين ومعلم في تربية أبنائهم في هذا الزمن الصعب.

 

تلك الطفرة التي حوَّلت المعادلات التربوية الصعبة "المكلكعة" إلى برامج عملية بسيطة، يستطيع ببعض الجهد والإصرار أن يستخدمها من يريد أن يعدِّل من سلوك أبنائه، وينشِّئهم تنشئةً تربويةً سليمةً، في وقت تاهت فيه القيم والمبادئ في زحام الحياة، وانحسرت فيه الأخلاق بشكل مخيف ومرعب.

 

وقد أدى الانتباه إلى خطورة عملية التربية إلى زيادة الجرعات التربوية الإعلامية في السنوات العشر الأخيرة، فانطلقت البرامج الفضائية تتحدث بالتفصيل عن مشكلات مرحلة الطفولة والمراهقة، وكيفية التعامل معهما بأسلوب علمي مدروس، وازدحمت المكتبات بالعديد من الكتب التربوية، التي شرحت- بأسلوب سهل بسيط- خصائصَ المراحل العمرية المختلفة، وأخذت تتناول المشكلات العصرية التي أجهدت الآباء في التعامل معها، وكيفية حلها.

 

ومع ذلك الجهد الكبير الذي لا يمكن أن ينكره منصف، إلا أن الواقع يثبت كل يوم أن "أضلاع العملية التربوية" لم تكتمل بعد، وأننا نحتاج إلى خطواتٍ أخرى؛ كي ننقل تلك المفاهيم التربوية إلى المجتمع، بطريقة تؤتي أثرها على الجيل الحالي والأجيال القادمة.

 

ما زالت حيرة الآباء مع أبنائهم مستمرةً، وما زال الآباء غير قادرين على التفاهم مع أبنائهم، وما زال العديد منهم غير قادرين على القيام بالممارسة الصحيحة لعملية التربية، وما زال المعظم من الآباء لا يعرف شيئًا عن عملية التربية، ولا يعنيهم أن يعرفوا؛ لأن الفجوة لا زالت كبيرةً بين مفاهيم التربية السليمة، وتطبيقها في مجتمع تائه شارد لا يعرف إلى أين يسير.

 

وربما فسَّرت الأسبابُ الآتيةُ السرَّ في هذه الفجوة الكبيرة:

1- ضعف ثقافة الأب والأم بما يجعل البعض لا يقدِّر أهمية عملية التربية وخطورتها من الأساس، فيهملها تمامًا، والبعض الآخر ينظر إليها بسطحية لا تتعدى دفع الأبناء لحفظ القرآن والذهاب للمسجد للصلاة، وثالث مقتنع ويحاول ويجتهد، ولكن قدراته وشخصيته وثقافته لا تمكِّنه من تطبيق ما سمعه أو قرأه بنجاح مع أولاده.

2- انهيار منظومة التربية خارج المنزل، سواءٌ في الشارع أو المدرسة أو الإعلام (داخل المنزل وخارجه)؛ مما يجعل الهجوم على المراهق عنيفًا إلى أقصى درجة، وهو ما يدفعه بقوة إلى السير في عكس الاتجاه الصحيح.

3- العنف في استخدام سلطة الآباء، باعتبارها الوسيلةَ السهلة، والتي تؤدي إلى نتائج سريعة ومريحة دون جهد و"فلسفة"؛ مما يرسِّب مشاعر الكبت عند الأبناء، ويجعلهم يتحيَّنون الفرصة المناسبة للتحرر من هذه السلطة، أو "التحايل عليها".

4- انشغال الآباء عن أبنائهم في دوَّامة الحياة والبحث عن لقمة العيش؛ مما يجعل عملية التربية عبئًا جديدًا عليهم لا يستطيعون القيام به.

 

إذن.. إذا توصلنا إلى أن الأضلاع الأساسية لعملية التربية هي: الأب والأم والمجتمع، واتفقنا على أن الضلع الأول والثاني يحتاجان إلى ترميم، وأن الضلع الثالث وهو "المجتمع" غير موجود بالمرة، فأرى أن الحل الأقرب للواقع والمنطق هو إيجاد هذا الضلع الثالث ليُقيم مثلث التربية أولاً، ثم يساعد الضلعَين الآخرَين ثانيًا.

 

إننا نحتاج بالفعل إلى ضلع ثالث، يساعد الأب والأم في عملية التربية، ويكون ملاذًا للابن للتخلص من السلطة الضاغطة عليه من قِبَل الأبوين، وهو العنصر الذي يستطيع أن يمارس عملية التربية بهدوء وبلا عصبية، على ما يتمتع به من ثقافة تربوية، وتفرغ إلى حدٍّ كبير من أعباء الحياة، التي أجَّلت هجومها عليه إلى حين.

 

إننا نحتاج إلى ما يشبه المؤسسة التربوية، التي تكون على علاقة قوية بالآباء، لتتعاون معهم في تربية الأبناء، وفق أسس علمية مدروسة، تصل بالأبناء إلى برِّ الأمان.

 

إننا نحتاج إلى عقلية متفتِّحة، تستطيع أن تفهم المجتمع ومتغيراته، وتقترب من عقلية المراهقين، وتقدِّر مشاعرهم وتصادقهم، وتمثل قدوةً لهم عن اقتناع وحب، دون ضغط أو تسلط.

 

إننا نحتاج إلى رسول تربوي، في كل منطقة، وكل شارع، وكل عمارة، وكل منزل، يشبه فقيه المسجد أو طبيب الأسرة.. إننا نحتاج بقوة إلى شخص واحد.

-------