بقلم: رولا أديب السيد

في كل مرحلة تاريخية تمرّ بها الأمم، يبقى السؤال الأهم: كيف نستثمر طاقات الشباب؟ وكيف نوجّه اندفاعهم وحيويتهم ليصبحوا قادة نهضة لا مجرّد أفراد يعبرون الحياة؟

إنّ القيادة التربوية الواعية هي الجسر الذي يعبر عليه الشباب من عالم الاحتمالات إلى عالم الإنجاز والرسالة؛ فهي لا تُخرّج أفرادًا متعلمين فحسب، بل تصنع مشاريع بشرية قادرة على التغيير.

إن جوهر القيادة التربوية يبدأ من فهم الإنسان لا بوصفه طاقة تحتاج إلى احتواء، بل مشروعًا يحتاج إلى اكتشاف، ثم توجيه، ثم تمكين. وهذا المنهج لم يولد في الكتب الحديثة، بل أسّسه النبي ﷺ في أعظم مدرسة قيادية عرفها التاريخ.

تمكين الشباب في السيرة النبوية… نموذج القيادة التربوية العملي:

1) تحويل الوعي إلى رسالة: مصعب بن عمير نموذجًا

حين أرسل النبي ﷺ مصعب بن عمير إلى يثرب قبل الهجرة، كان يصنع في الحقيقة مشروعًا نهضويًا بقيادة شاب واحد.

لم تكن المهمة بسيطة؛ كانت تأسيسًا لمجتمع جديد. فجمع مصعب الشباب، نشر الوعي، وربط الناس بالقيم، وبنى أرضًا جاهزة للدولة القادمة.

إنها قيادة تربوية ترى في الشباب قدرة على البناء لا يحتاجون معها إلى أعراف العمر أو رتب الجاه.

2) تحويل الثقة إلى شجاعة استراتيجية: أسامة بن زيد

منح النبي ﷺ قيادة الجيش لأسامة بن زيد -فتى لم يتجاوز الثامنة عشرة- وكان تحت قيادته كبار الصحابة.

هذه ليست قصة في التاريخ؛ إنها رسالة تربوية تتجاوز الزمن:

"الثقة بالشباب ليست مجاملة… بل تأسيس نهضوي يصنع الاستقلال والجرأة والقرار.

تمكين أسامة كان مشروعًا سياسيًا وعسكريًا يعيد للأمة قوتها، ويعلن للعالم أن الشباب جزء من الأمن القومي للأمة.

3) تحويل الشجاعة إلى مشروع حماية: علي بن أبي طالب

حين بات عليٌّ رضي الله عنه في فراش النبي ﷺ ليلة الهجرة، لم يكن مجرد موقف شجاعة؛ كان ميلاد مشروع قيادي يهيّئ شابًا ليتحمّل مسؤوليات كبرى في القضاء، والعلم، والدولة. القيادة التربوية هنا لا تصنع بطولة لحظة، بل بطولة مسار.

4) تحويل الفضول المعرفي إلى مشروع علمي: ابن عباس

حين احتضن النبي ﷺ ابن عباس صغيرًا ودعا له: "اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل".

كان يصنع مشروعًا معرفيًا ستنتفع به الأمة قرونًا طويلة. التربية القيادية تفهم أن كل شاب يحمل بذرة تخصص؛ وأن دور القائد المربي هو رعايتها حتى تصير أثرًا حضاريًا.

5) تحويل الحماسة إلى خدمة مجتمعية: شباب الأنصار

لم تكن نهضة المدينة حدثًا سياسيًا فقط، بل بناءًا شبابيًا بامتياز: شباب الأنصار خدموا المهاجرين، أعادوا تنظيم المجتمع، بنوا السوق، دافعوا عن المدينة، وأسّسوا لفكرة "الأمة".

كانوا مثالًا لمجموعة شباب يُعاد تشكيلها تربويًا لتصبح عمودًا فقريًا لمشروع حضاري.

روح القيادة التربوية في ضوء السيرة من خلال هذه النماذج، يتضح أن القيادة التربوية الناجحة لا تكتفي بالتعليم النظري، بل تقوم على ثلاث ركائز:

1- اكتشاف الطاقة

تبحث في الشباب عن القوة الكامنة: وعي، حسّ أخلاقي، شجاعة، أو فضول معرفي.

2- تحويل الطاقة إلى مشروع

كل شاب في السيرة تحوّل إلى مشروع: عسكري، علمي، اجتماعي، دعوي، أو سياسي.

3- التمكين الواقعي

تمكين عملي من خلال الثقة، المسؤولية، التجارب، المجال، والسند القيادي.

بهذه المعادلة، يصبح الشباب وقود نهضة لا وقود صراعات أو ضياع.

إنّ الأمة التي تُحسن استثمار طاقة شبابها، وترعاهم بوعي قيادي تربوي، تصنع مستقبلها قبل أن يأتي.

والقائد التربوي الحقّ هو الذي يملك بصيرة النبي ﷺ؛ يرى في كل شاب بذرة مشروع، وفي كل طاقة إمكانية نهضة، وفي كل روح فرصة لتغيير العالم. فالشباب ليسوا تحديًا يحتاج إلى ضبط.. بل كنزًا يحتاج إلى قيادة.