الحمد لله رب العالمين خلق الخلق لعبادته وحده ويرزقهم وحده ويميتهم وحده ويبعثهم يوم القيامة وحده فكان حقًّا أن يعبد وحده، ونشهد أن لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، عبد ربه حق العبادة حتى أتاه اليقين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على هذا النبي.
أما بعد
أيها المسلمون: يقول الله تبارك وتعالى في الجزء الثاني عشر من سورة هود الآية 6: 7 ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7)﴾.
في هذه الآية يتضح لنا صورة من صور العلم الشامل لله عز وجل على الخلق جميعًا ﴿َأَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ (الأعراف: من الآية 54) فهذه الدواب- وكل ما تحرك على هذه الأرض فهو دابة من إنسان وحيوان وزواحف وهامة-، ما من دابةٍ من هذه الدواب التي تملأ وجه البسيطة وتكمن في باطنها وتخفى في دروبها ومساربها، ما من دابة من هذه الدواب التي لا يحيط بها حصرٌ ولا يكاد يلم بها إحصاء إلا وعند الله علمها وعليه رزقها، وهو يعلم أين تستقر وأين تكمن، من أين تجيء وأين تذهب، وكل منها كل من أفرادها مقيد في هذا العلم الدقيق.
إنها صورةٌ مفصلةٌ للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصورها بخياله الإنساني فلا يطيق ويزيد على مجرد العلم تقدير الرزق لكلِّ فردٍ من أفراد هذا الحشد الذي يعجز عن تصوره الخيال، وهذه درجة أخرى الخيال البشري عنها أعجز إلا بإلهامٍ من الله عزَّ وجل.
وقد أوجب الله سبحانه مختارًا أن يرزق هذا الحشد الهائل الذي يدبُّ على هذه الأرض فأودع هذه الأرض القدرة على تلبية حاجات هذه المخلوقات جميعًا، وأودع هذه المخلوقات القدرة على الحصول على رزقها من هذا المودع في الأرض في صورة من صوره، خامة، أو منتجًا بالزرع، أو مصنوعًا، أو مركبًا.. إلى آخر الصورة المتجددة لإنتاج الرزق وإعداده؛ حتى إن بعضها ليتناول رزقه مهضومًا ممثلاً كالبعوضة والبرغوث.
وهذه هي الصورة اللائقة بحكمة الله ورحمته في خلق الكون على الصورة التي خلقه بها، وخلق هذه المخلوقات بالاستعداد والمقدرات التي أوتيها وبخاصة الإنسان الذي استخلف في الأرض وأوتي القدرة على التحليل والتركيب وعلى الإنتاج والإنماء وعلى تعديل وجه الأرض وعلى تطوير أوضاع الحياة، بينما هو يسعى لتحصيل الرزق الذي لا يخلقه هو خلقًا وإنما ينشئه مما هو مذخور في هذا الكون من قوى وطاقات أودعها الله بمساعدة النواميس الكونية الإلهية التي تجعل هذا الكون يُعطي مدخراته وأقواته لكافة الأحياء.
ولذلك كانت غاية الخلق هي العبودية الكاملة لله عز وجل وتكفل الله بالزرق لكل الكائنات، ولكل المخلوقات.. فقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾ (الذاريات)، فهو الرزاق بصيغة المبالغة؛ ولذلك كان النداء من الحق سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ٍ"يا ابن آدم لا تخش من ذي سلطانٍ ما دام سلطاني باقيًا وسلطاني باقٍ لا يزول أبدًا، يا ابن آدم لا تخش فوات الرزق ما دامت خزائني ملأى وخزائني ملأى لا تنفد أبدًا".
لا تعجلن فليس الرزق بالعجل الرزق في اللوح مكتوبٌ مع الأجل
فلو صبرنا لكان الرزق يطلبنا لكنه خُلق الإنسانُ من عجل
رزق المرء مكتوب في اللوح كما أخبرنا النبي- صلى الله عليه وسلم- "إذا بلغ المرءُ في رحم أمه أربعة أشهر أرسل الله الموكل بالأرحام وأمره أن يكتب له أربعًا: أجله ورزقه وعمله وشقي أم سعيد.. هذه الأمور الأربع تُكتب لابن آدم وهو ما زال في رحم أمه.
وعلم الله الأزلي علم أن الإنسان يخاف على أمرين، وقد يُعطي الدنيةَ في دينه بسببهما وقد يبيع آخرته بدنياه، بل أكثر من ذلك قد يبيع آخرته بدنيا غيره؛ ولذلك ساق الله- عزَّ وجل- الآيات تطمئن ابن آدم على عمره الذي يخاف عليه فقال جل شأنه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 34)، فالأعمار بيد الله- عزَّ وجل- والأجل في اللوح قبل أن يأتي الإنسان إلى دنيا الناس.
ثم تأتي الآيات تطمئن العبد أيضًا على رزقه فيقول الله عز وجل: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23)﴾ (الذاريات). فإذا كان الأجل بيد الله والرزق من عند الله فلِمَ يعطي المرء الدنيةَ في دينه؟ والإمام أحمد بن حنبل يقول:
إنا إن عشتُ فلستُ أُعدم قوتًا وإن متُ فلستُ أعدم قبرًا
همتي همة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلة كفرًا
اعلم يا أخا الإسلام علم اليقين بل عين اليقين بل حق اليقين إنه لا يملك الروح والرزق إلا الله ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: من الآية 34). واعلم أنه ما قُدِّر على ماضغيك أن تمضغاه فلا بد أن تمضعاه فامضعه بعزةٍ، فالنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "لو ركب ابن آدم البحر هربًا من رزقه لركب الرزق الهواء ودخل في فم ابن آدم؛ لأنه مكتوبٌ على الله أنه رازقه" ثم تلا قول الحق جل وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)﴾ (هود). وحديث النبي- صلى الله عليه وسلم-:"ولو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا". وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- في حديثه: "إنَّ روحَ القدس قد نفث في روعي أنه لن تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله فإنَّ ما عند الله لا ينال إلا بطاعته".
وقال الحسن البصري- رضي الله عنه- عندما سأل عن سرِّ زهده في الدنيا قال: "علمت أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأنَّ قلبي، وعلمتُ أن عملي لا يقوم به سواي فاشتغلت به، وعلمتُ أن الله مطلع عليَّ فاستحييت أن يراني على معصية، وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء الله".
واعلم يا ابن آدم أن الله قد ضمن الأرزاق لكلِّ الخلق وليس الرزق مقصورًا على المأكل والمشرب، إنما هو أعم من ذلك وأرحب أفقًا، فهدوء البال رزق والعافية رزق وحسن التدبير رزق، والعلم رزق، والذكاء رزق، والصحة رزق، وقد ضمن الله تعالى الأرزاق لكل خلقه فهو يُعطي الدنيا لمَن يحب ومَن لا يحب ولا يُعطي الدين إلا لمَن يحب.
نسأل الله- عزَّ وجل- أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يرزقنا الحلال ويبارك لنا فيه، وأن يباعد بيننا وبين الحرام كما باعد بين المشرق والمغرب.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد..