تواصل سلطات الاحتلال الصهيوني استخدام ما يسمى ضريبة "الأرنونا" كأداة مركزية في حرب اقتصادية ممنهجة تستهدف المقدسيين، في سياق سياسات تهدف إلى إنهاكهم ماليًا ودفعهم إلى مغادرة المدينة، بما يخدم مخططات التهويد وتغيير الواقعين الديمغرافي والجغرافي في القدس المحتلة.
ومع الإعلان عن مخطط جديد لرفع ضريبة "الأرنونا" ابتداءً من عام 2026، تتصاعد التحذيرات من تداعيات خطيرة على عشرات آلاف العائلات المقدسية، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، وغياب شبه كامل للخدمات البلدية في الأحياء الفلسطينية.
محافظة القدس: حرب ضرائب بلا خدمات
وحذّرت محافظة القدس من استمرار ما وصفته بـ«حرب الأرنونا» التي تشنها بلدية الاحتلال ضد المقدسيين، مؤكدة أن المخطط الجديد لرفع الضريبة سيضاعف الأعباء المالية على الفلسطينيين دون أي تحسّن في مستوى الخدمات.
وأوضحت المحافظة، في بيان صحفي، أن المخطط المقترح لعام 2026، وفي حال مصادقة وزير داخلية الاحتلال عليه، سيؤدي إلى جباية إضافية تُقدّر بنحو 31 مليون شيكل سنويًا من جيوب المقدسيين، عبر رفع ضريبة الأرنونا على الشقق السكنية بشكل ملحوظ.
وبيّنت أن ضريبة الأرنونا تُفرض على أساس المساحة، مع تقسيم المدينة إلى أربع مناطق تصنيفية: (أ) الأعلى كلفة، و(د) الأدنى، إضافة إلى (ب) و(ج). إلا أن بلدية الاحتلال بدأت منذ مطلع عام 2025 بتطبيق تصنيف المنطقة (أ) على جميع الشقق الجديدة، بما فيها الواقعة خلف الجدار الفاصل، ما يعني فرض ضريبة الأحياء الإسرائيلية الثرية على أحياء فلسطينية مهمّشة تفتقر إلى أبسط الخدمات.
زيادات قاسية تطال آلاف الشقق
وأشارت محافظة القدس إلى أن مخطط عام 2026 يستهدف الشقق المشيّدة قبل عام 2020، عبر دمج المنطقتين (د) و(ج)، ليشمل 22,683 شقة سكنية في أحياء البلدة القديمة، كفر عقب، قلنديا، الرام، عناتا، صور باهر، جبل المكبر، بيت صفافا، شرفات، وغيرها.
وبحسب التعديلات المقترحة:
سترتفع "الأرنونا" على الشقق التي تزيد مساحتها عن 120 مترًا مربعًا من 74.46 شيكلًا إلى 91.08 شيكلًا للمتر، بزيادة تقارب 22%.
أما الشقق التي تقل مساحتها عن 120 مترًا مربعًا فسترتفع الضريبة من 46.35 شيكلًا إلى 64.24 شيكلًا للمتر، أي بزيادة تصل إلى 39%.
إفراغ القدس عبر إنهاك سكانها
من جانبه، أكد المحامي المقدسي مدحت ذيبة أن الهدف الحقيقي من هذه الخطوة هو إفراغ المدينة المقدسة من سكانها الأصليين عبر تحميلهم أعباء مالية لا تُحتمل.
وقال ذيبة إن «مالكي الشقق يُعاملون كمستأجرين في منازلهم، إذ يدفعون عمليًا بدل إيجار للبلدية تحت مسمى ضريبة الأرنونا»، مشيرًا إلى أن ذلك يتم مقابل «صفر خدمات وتهميش كامل».
وأضاف أن عددًا كبيرًا من سكان مخيم شعفاط توجّهوا إليه مؤخرًا بعد إجبارهم على تسجيل عقاراتهم لفرض ضريبة الأملاك عليها، رغم ما تعانيه المنطقة من إهمال متعمد وغياب البنية التحتية والخدمات الأساسية، بجسب “الجزيرة نت”.
سياسة طرد وتهجير ممنهجة
بدوره، اعتبر المختص في شئون القدس راسم عبيدات أن قرار بلدية الاحتلال الجديد يندرج في إطار سياسة شاملة تهدف إلى إنهاك المجتمع المقدسي اقتصاديًا، ودفعه نحو الطرد والتهجير القسري.
وأوضح عبيدات، في حديث خاص، أن ما يُعرف بـ«حرب الأرنونا» تستهدف بالأساس المناطق المهمشة والأحياء الفلسطينية، لافتًا إلى أن الزيادات الجديدة تتراوح بين 32% و39%، وتشمل أكثر من 22 ألف وحدة سكنية شُيّدت قبل عام 2020، في مدينة يعيش نحو 80% من سكانها الفلسطينيين تحت خط الفقر، بحسب “صفا”.
وأكد أن هذه السياسات تدفع المقدسيين إلى نقل مركز حياتهم خارج المدينة، ما ينعكس بشكل مباشر على التركيبة السكانية والجغرافية للقدس، لصالح التوسع الاستيطاني.
حرب اقتصادية شاملة على المقدسيين
وحذّر عبيدات من أن ما يجري يتجاوز ضريبة الأرنونا، ليشمل منظومة متكاملة من الضغوط الاقتصادية، مثل الغرامات الباهظة، والمخالفات، وضرائب البناء غير المرخّص، إلى جانب هدم المنازل وتكثيف الاستيطان.
وأشار إلى أن هذه الحرب الاقتصادية تُثقل كاهل المواطن والتاجر المقدسي، وتؤدي إلى إغلاق المزيد من المحال التجارية في المدينة، في ظل الحصار والإجراءات الاحتلالية المتواصلة.
خلفية سياسية داخلية إسرائيلية
ويأتي هذا التصعيد في سياق قرارات اتخذها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بإزالة القيود المفروضة على ضرائب العقارات ومنح السلطات المحلية صلاحيات أوسع لرفع الضرائب البلدية.
وتُفسَّر هذه الخطوة في الداخل الإسرائيلي على أنها مناورة انتخابية تهدف إلى كسب دعم رؤساء البلديات، خاصة في ظل الأزمة السياسية التي تواجه حكومة نتنياهو بعد انسحاب حزب «شاس».
وتشكل ضريبة الأرنونا أحد أبرز أدوات الاحتلال في حربه الاقتصادية على القدس وأهلها، حيث تتحول الضرائب من وسيلة خدمات إلى سلاح للتهجير الصامت، في محاولة مستمرة لتفريغ المدينة من سكانها الأصليين وفرض واقع جديد يخدم المشروع الاستيطاني.