تحقيق- تسنيم محمد
توصلتْ دراسة بحثية في بريطانيا إلى أنَّ الأطفالَ الذين يحظون بتربية أمهاتهم أفضل بكثيرٍ من أولئك الذين يتربون في دور الحضانة أو لدى الأقارب بعد أن توصلتْ إلى أن الأطفال حتى سن الثالثة والذين في مرحلة المشي الأولى أعطوا أسوأ النتائج عندما تُركت تربيتهم لدور الحضانة الجماعية مع غيرهم من الصغار، أما الذين تولت جداتهم تربيتهم فأعطوا نتائج أفضل قليلاً، وأكدت أنَّ النمو العاطفي والاجتماعي لدى الأطفال الذين تولت تربيتهم غير الأمهات فجاء أقل فائدةً وجدوى، فهؤلاء الأطفال الذين لم يتربوا في أحضانِ أمهاتهم يبدون مستوياتٍ أعلى من العدوانية أو يكونوا مهيئين لأن يكونوا أكثر ابتعادًا عن المجتمع وأقل توافقًا وأكثر حزنًا.
وأوضحت إحدى الدراسات الاجتماعية التي أُجريت أخيرًا في القاهرة على نحو 1100 طفل من أبناء الأمهات العاملات، كان نصفهم من الذين يمكثون في أحضان الجدة، ونصفهم الآخر من مرتادي الحضانة، أن أطفال الحضانة أكثر عدوانيةً من غيرهم بنسبة 17%.
وأكدت الدراسة أن الأطفال الذين يمكثون أكثر من 30 ساعةً في الأسبوع بعيدًا عن أحضان أمهاتهم أكثر ميلاً للشجار والعنف من أقرانهم الذين يتمتعون بأحضان أمهاتهم لفترات أطول.
ودائمًا يأتي التفكير في الجدة لتربية الأحفاد باعتبارها الأكثر حنانًا وعطفًا ورعايةً لهم، وهذا ما فكرت فيه منى قنديل المحامية والتي دفعتها ظروف إلى العمل غير المنظم على حدِّ قولها إلى ترك ابنتها مع أمها، خاصةً أنَّ الزوجَ يسافر ما بين الحين والآخر ويذهب الطفل ليقضي يومي الخميس والجمعة مع الأم ليعود مرةً أخرى إلى الجدة في مساء الجمعة أو صباح السبت.
الشعور بالغربة
أما كوثر صلاح- ربة بيت- فتقول: أنا البنت الكبرى لأمي، وقد تزوجتُ صغيرةً فلم أكن على وعي بتربيةِ الأبناء وعندما رزقني الله بمولودي الأول أخذته أمي لتعتني به لقرب المسافة بين بيتي وبيت أمي، وعندما رُزقت بمولودي الثاني أخذته أمي لتربيه مثل أخيه وأعطتني طفلي الأول والذي كان على وشكِ الالتحاق بالمدرسة، ولكن بعد فترةٍ شعرتُ بأنَّ ابني يكره البيت ويبكي دائمًا ويريد أن يذهب عند جدته.
ولاحتياجها الشديد للمال وافقت الحاجة فوزية راغب على تربية حفيدها بعد وفاةِ الزوج.. لم يسأل أحدٌ من الأبناء عن هذه الأم سوى هذا الابن؛ لذلك فهي كما تروي لم تستطع أن ترفض تربية الحفيد لحبها الشديد لهذا الابن، وقد اعتاد الابن أن يكون في أحضان الجدة وتعوَّد على أصدقائه وجيرانه، وكان يشعر بالغربةِ في بيت أبيه؛ لأنه لم يكن يذهب هناك إلا نادرًا؛ لأنه حتى يومي الخميس والجمعة كان الأب والأم يأتيان لقضائهما عند الجدة.
أساليب التربية
في البداية يشير الدكتور حمدي حافظ- الخبير الاجتماعي- إلى خطورة ترك تربية الطفل للجدة وحدها، ويرى أنه في حالة ظروف المرأة العاملة تصبح الجدة جديرةً بالثقة أكثر من دورِ الحضانة أو الخادمات، ولكن يرى أن وجود الطفل عند الجدة لا يتجاوز عدة ساعات قليلة لتأخذه الأم إلى البيتِ، كما ينبغي أن يكون هناك اتفاقٌ بين الأم والجدة على أسلوبٍ أو نمطٍ معينٍ يتفقان عليه في تربية الطفل؛ لأن اختلافَ أساليب التربية واختلاف الأجيال من شأنه أن يُصيب الطفل بانفصامٍ شديدٍ في شخصيته.
ولكن يُحذِّر الدكتور حمدي حافظ من تركِ الباب على مصراعيه في تربية الأبناء للجدة؛ لأن كثيرًا من الجداتِ يتغاضين عن أخطاء الأطفال ويبالغن في تدليلهم من أجل كسبِ رضاهم وضمان تعلقهم بهن؛ لأنَّ هذا من شأنه أن يُشعرهن بأهميتهن، ولا تُدرك الجدات أنَّ أسلوبَ الحياة قد تغيَّر تمامًا، وأنَّ أطفالَ اليوم اختلفوا اختلافًا كبيرًا عن الأطفال السابقين ويحتاجون لمعاملةٍ وأسلوبٍ تنشئةٍ مختلفَيْن.
ولاء مزدوج
وتُوضح الدكتورة إحسان فهمي- أستاذ الأمراض النفسية بجامعة بنها- أنَّ هذه المشكلة ذات ثلاثةِ أطراف؛ الطفل والجدة والأم التي تتخلى عن دورها وتحرم نفسها من شيءٍ لا يعوضه شيء في الدنيا، وبالنسبة للطفل فإنَّ الطفلَ لديه ولاء للذي يقوم بتربيته والمشكلة هنا تكمن في أنَّ هذا الطفل الذي قامت الجدة بتربيته يكون لديه ولاء مزدوج، خاصةً إذا كانت التي قامت بتربية هذا الطفل هي الجدة للأب؛ لأن المشكلةَ هنا تتفاقم لوجود نوعٍ من الغيرةِ بين الأم وهذه الجدة بالذات؛ لأنَّ الأم لن تكون راضيةً عن هذا الحبِّ ليدفع الطفل في النهايةِ الثمنَ لأنَّ له ولاءَيْن.. أُم يحمل تجاهها المشاعر والحب وأُم أخرى هي التي أنجبته، وهذا يُولِّد لديه شعورًا بالذنب تجاه الأم الحقيقية؛ مما يعرضه لأزماتٍ نفسيةٍ شديدةٍ.
ومن ناحيةٍ أخرى تُفرِّق الدكتورة إحسان فهمي بين الأسرة الممتدة والأسرة النووية، ففي حالة الأسرة الممتدة أي "بيت العيلة"؛ حيث يعيش الجميع معًا في بيتٍ واحدٍ يكون هناك شخصٌ كبيرٌ، وكل الآخرين صغار، فهناك سلطة واحدة يخضع لها الجميع الأبناء والأحفاد ولا يوجد اعتراض؛ لأنه نظامٌ يُشبه نظام القبيلة، أما في حالة الأسرة النووية؛ حيث يعيش الأبناء مع الأب والأم فقط عندما ينتقل الطفل وحده ليعيش مع الجدة فهذا يسبب له نوعًا من الاكتئاب؛ لأنه يشعر أنه شخصٌ غير مرغوب فيه من والديه، ومن ثَمَّ يفقد الثقةَ في نفسه، ومن هنا تُحذِّر الدكتورة إحسان فهمي من ضرورةِ أن يتحمل الآباء مسئوليتهم في تربية أبنائهم، وتؤكد أنَّ هناك فرقًا كبيرًا بين مشاركة الجدة للآباء تربية أبنائهم في بيتٍ واحدٍ وبين تربيتها لهذا الطفل منفصل عن والديه.
الأم في القرآن
ويوضح الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد- أستاذ التفسير بجامعة الأزهر- أنَّ الله تعالى جعل للأم منزلةً عظيمةً، وأثنى عليها في القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ (الأحقاف: من الآية 15)، و﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (لقمان: من الآية 14).
وأيضًا كان للمرأة منزلتها العظيمة في السُّنة فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- عندما سُئل مَن أحق الناس بصحابته فقال للسائل: "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك"، وهذا دليلٌ كبيرٌ على عظم ومكانةِ الأم في الإسلام، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم- أيضًا: "الجنة تحت أقدام الأمهات"، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أنَّ كل هذا التقدير والجزاء الكبير لا تأخذه الأم هباء، ودون بذل المقابل من تربية واحتضان وحب وحنان، وهذا التكريم العظيم إنما جاء للأم التي تؤدي دورها بمسئولية وأمانة لأنَّ الله تعالى سيسألها عن هذه المسئولية، وعن الأمانة التي كانت في يديها وهل حافظت عليها أم ضيعتها؟
ومن هذا المنطلق يشدد الدكتور عبد الستار فتح الله على دور الأم في تربيةِ أبنائها، موضحًا أن التربيةَ ليست طعامًا وشرابًا، وإنما هي تربية وحنان وملاحظة، ولا يمكن أن يحرس الطفل ويخاف عليه مثل الأم، ولا يمكن إنكار حنان وعطف الأجداد على أحفادهم، ولكن هذا لا يمكن أن يبرر تخلي الأم عن دورها في تربية أبنائها.
ويرى أنه في حالةِ تعارض عمل الأم مع مصلحةِ الأبناء على الأم أن تتخلَّى عن عملها لتعود لمهمتها الأساسية في رعاية أطفالها، حتى إنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- أثنى على الأرملة التي لا تتزوج وتفني حياتها لتربية أبنائها وأعلى من منزلتها، وقال إنها تسبقه إلى باب الجنة.
وقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن تربية أبنائها، وحديثٌ آخر يُثني على الأم "حاملات مرضعات رحيمات لأولادهن لولا ما يأتين إلى أزواجهن دخل مصلياتهن الجنة".. فهذا ثواب عظيم لم يحصل عليه الرجل.