أعادت عملية إطلاق النار التي وقعت عند المدخل الشمالي لمدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، طرح أسئلة جوهرية بشأن فاعلية المنظومة الأمنية الصهيونية وقدرة سياسات الردع والعقوبات الجماعية على منع تجدد العمليات الفلسطينية، في وقت تتجه فيه حكومة الاحتلال، تحت ضغط اليمين المتطرف، إلى المطالبة بمزيد من الإغلاقات والتشديدات العسكرية، وصولًا إلى الدعوة لتفكيك السلطة الفلسطينية.

وتتجاوز دلالات العملية، التي أسفرت وفق ما أوردته وسائل إعلام صهيونية وفلسطينية عن قتيلين و3 إصابات في صفوف الجنود، حدود المواجهة الميدانية المباشرة؛ إذ وضعت مجددًا التناقض بين الرهان الصهيوني على إخضاع الفلسطينيين بالقوة وبين استمرار المواجهة في صلب النقاش السياسي والأمني.

كما كشفت عن اتساع الفجوة بين الإجراءات التي تعتمدها سلطات الاحتلال لمنع العمليات وبين الأسباب السياسية والميدانية التي تجعل الضفة الغربية ساحة مفتوحة للتوتر.

وفي قراءة تحليلية، رأى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن حالة الدهشة التي أعقبت العملية في الأوساط الإسرائيلية تعكس قصورًا في فهم دوافع الفعل الفلسطيني، إذ ينصب جانب كبير من التقييم الأمني على الثغرات التي سمحت بوقوع العملية، بدلًا من التوقف عند البيئة السياسية والاجتماعية التي تتشكل في ظل الاحتلال والاستيطان والاعتداءات المتواصلة.

الردع الصهيوني أمام اختبار جديد

وتستند المقاربة الأمنية الصهيونية إلى فرضية مفادها أن رفع كلفة المواجهة على الفلسطينيين، عبر الاعتقال وهدم المنازل والإغلاق والتهديد بالتهجير، من شأنه أن يحد من احتمالات تنفيذ العمليات.

غير أن تكرار المواجهات، برغم تشديد الإجراءات العسكرية وتوسيع نطاق الملاحقات، يثير تساؤلات حول قدرة هذه الأدوات على تحقيق الردع المستدام.

وبحسب تحليل أبو غوش، جاءت عملية الخليل بعد تهديدات إسرائيلية بتوسيع العقوبات الجماعية وفرض إجراءات مشددة على مناطق فلسطينية، وهو ما يعيد إلى الواجهة إشكالية أساسية في التفكير الأمني الصهيوني: افتراض أن معرفة الفلسطينيين مسبقًا بالعواقب المحتملة ستدفعهم بالضرورة إلى التراجع.

لكن هذا الافتراض لا يفسر وحده سلوك الأفراد في بيئة تتراكم فيها الاعتداءات والتجارب الشخصية ومشاعر الغضب وفقدان الأفق السياسي.

ويشير أبو غوش إلى أن بعض العمليات قد تنفذ بقرارات فردية، من دون أن تكون بالضرورة نتيجة قرار تنظيمي مركزي، الأمر الذي يجعل التعامل معها من زاوية الإجراءات الأمنية وحدها محدود الفاعلية.

ولا يعني ذلك أن العملية الواحدة تكفي للحكم على انهيار المنظومة الأمنية الصهيونية أو انتهاء قدرتها على المنع، لكنه يعني أن التشديد الأمني لا يضمن منع كل عملية، وأن نجاح الإجراءات في احتواء بعض التحركات لا يساوي بالضرورة معالجة العوامل التي تغذي استمرار المواجهة.

وتبرز هنا المفارقة الأساسية: كلما عجزت الإجراءات القائمة عن منع عملية جديدة، ارتفعت الأصوات المطالبة بتوسيعها، من دون أن يثبت أن المزيد من الحواجز والإغلاقات والعقوبات الجماعية قادر على إنهاء دائرة المواجهة.

الخليل.. من الحدث الميداني إلى الارتباك السياسي

وأظهرت تفاصيل العملية، وفق ما أورده المركز الفلسطيني للإعلام في تغطيته، أن المواجهة وقعت في محيط مفترق يهودا عند المدخل الشمالي للخليل، واستمرت نحو عشرين دقيقة، فيما تحدثت التقارير عن استهداف برج عسكري ثم وقوع اشتباك قرب حاجز، قبل استشهاد المنفذين، حمودة جعبة وفراس جعبة، وكلاهما يبلغ من العمر 27 عامًا.

وأعقب العملية استنفار أمني وعسكري، واجتماع أمني ترأسه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، إلى جانب فرض طوق عسكري على الخليل وقرى محيطة بها، وسط مخاوف من توسيع المداهمات والاعتقالات وقيود الحركة.

وتكشف هذه التداعيات عن أن العملية لم يقرأها الاحتلال ا بوصفها حادثًا أمنيًا معزولًا فحسب، بل تحولت سريعًا إلى قضية تتصل بمستقبل إدارة الضفة الغربية، وحدود السيطرة الأمنية، وطبيعة العلاقة مع السلطة الفلسطينية.

وفي هذا السياق، دعا وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير إلى تشديد القيود على الفلسطينيين، ونشر مزيد من الحواجز، كما طالب بتفكيك السلطة الفلسطينية ونزع سلاحها والقضاء على البنية التحتية للمقاومة.

وتعكس هذه المطالب توجهًا داخل اليمين الصهيوني نحو استثمار العمليات لتوسيع نطاق التدخل العسكري والسياسي، وتقديم المزيد من الإجراءات العقابية باعتبارها ضرورة أمنية. غير أن الانتقال من معالجة إخفاق أمني محدد إلى المطالبة بتغيير قواعد السيطرة على الضفة الغربية يفتح الباب أمام تداعيات أوسع من حدود العملية نفسها.

اليمين الصهيوني يوظف العملية في معادلاته الداخلية

لا تنفصل ردود الفعل الصهيونية على عملية الخليل عن الصراع السياسي الداخلي، ولا سيما في ظل سعي قوى اليمين الإرهابي إلى دفع الحكومة نحو مواقف أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية.

وقال المختص في الشأن الأمني رامي زبيدة تقديره إن نتنياهو واليمين الإرهابي قد يوظفان العملية في الحسابات السياسية والانتخابية، من خلال تصعيد الخطاب الأمني وتضخيم المخاوف من تكرار العمليات، بما يتيح تقديم التشديدات العسكرية باعتبارها دليلًا على الحزم واستعادة السيطرة

ومن هذا المنظور، يمكن أن تتحول العملية إلى مدخل لتبرير إجراءات إضافية تشمل الملاحقات والاعتقالات والإغلاقات والاستهدافات، فيما تُقدَّم المطالب الأكثر تشددًا بوصفها استجابة ضرورية لمواجهة التهديدات الأمنية.

لكن هذا المسار يحمل تناقضًا واضحًا؛ إذ إن السعي إلى إثبات القدرة على الردع من خلال توسيع العقوبات قد يفضي إلى تعميق الاحتكاك اليومي بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، بما يزيد من احتمالات المواجهة بدلًا من إغلاق الطريق أمامها.

كما أن استخدام العملية في التنافس السياسي الداخلي قد يدفع الحكومة إلى تبني إجراءات ذات أثر واسع على السكان، حتى عندما تتجاوز هذه الإجراءات المسؤولين المباشرين عن الحدث، وعندئذ تصبح كلفة العملية ممتدة إلى الحياة اليومية للفلسطينيين، عبر تعطيل الحركة وتقييد الوصول إلى العمل والخدمات وتشديد الحصار على المدن والبلدات.

الاستيطان والاعتداءات.. سياق لا تفسره الحواجز وحدها

يربط تحليل أبي غوش بين استمرار العمليات وبين واقع ميداني يتسم بتوسع الاستيطان، ومصادرة الأراضي، واعتداءات المستوطنين، وفرض قيود على الفلسطينيين، معتبرًا أن هذه العوامل تخلق بيئة متوترة لا يمكن فهمها من خلال المؤشرات الأمنية وحدها.

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في الضفة الغربية، حيث تتداخل الإجراءات العسكرية مع الوقائع الاستيطانية والتغيرات التي تمس حياة الفلسطينيين وأراضيهم وحرية حركتهم، فالحاجز العسكري لا يعمل بمعزل عن سياق أوسع من السيطرة على الأرض، كما أن الاعتقال أو الإغلاق لا يقعان في فراغ سياسي منفصل عن غياب أفق واضح لإنهاء الاحتلال.

وفي هذا الإطار، لا تكفي دراسة كيفية وقوع العملية، على أهميتها الأمنية، لتفسير أسباب استمرار المواجهة. فالسؤال الأعمق يتعلق بمدى قدرة السياسات الإسرائيلية على إنتاج استقرار طويل الأمد، في ظل استمرار الاعتداءات وإغلاق المجال السياسي أمام تسوية تضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية.

ويحذر أبو غوش من أن تجاهل هذه العوامل والإصرار على الحلول العقابية قد يبقيان دائرة العنف مفتوحة.

وتلتقي هذه القراءة مع الموقف الذي عبّر عنه القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ماهر الطاهر، في حديث صحفي حين اعتبر أن القضية الفلسطينية لا يمكن حسمها بالوسائل العسكرية والأمنية، وأن استمرار الحصار والاستيطان والاعتداءات لا يوفر أساسًا لاستقرار دائم.

وبحسب الطاهر، فإن المرحلة الراهنة تستدعي إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتطوير استراتيجية وطنية تجمع العمل السياسي والدبلوماسي والنضال الشعبي، إلى جانب تحرك عربي ودولي أكثر فاعلية لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسئولين عنها.

تراكم الانتهاكات يبقي الصراع مفتوحًا

من جهته، ربط عميد الأسرى الفلسطينيين المحررين نائل البرغوثي، في حديث صحفي بين عملية الخليل واستمرار الاعتداءات الصهيونية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، معتبرًا أن القتل والتهجير والاستيطان والتنكيل، إلى جانب غياب أفق سياسي يضمن الحقوق الفلسطينية، عوامل تعمق حالة التوتر وتبقي الصراع مفتوحًا.

وأكد البرغوثي أن الاعتقاد بإمكانية إنهاء القضية الفلسطينية عبر القوة العسكرية والحصار والإجراءات الأمنية المشددة يتجاهل طبيعة القضية بوصفها قضية شعب يسعى إلى الحرية وإنهاء الاحتلال وتقرير المصير.

وتتقاطع هذه الرؤية مع تحليل أبي غوش بشأن محدودية الردع، لكنها تذهب إلى مستوى أوسع، يتمثل في أن تراجع حدة المواجهة خلال بعض المراحل لا يعني انتهاء أسبابها، كما أن فرض الهدوء بالقوة لا يضمن استمراره ما دامت العوامل التي تغذي الصراع قائمة.

وبينما يقدم الطاهر المقاومة بوصفها خيارًا استراتيجيًا في مواجهة الاحتلال، يشدد البرغوثي على أن محاولات إخضاع الفلسطينيين لا تنهي تمسكهم بحقوقهم الوطنية. وتعبّر المواقف الثلاثة، رغم اختلاف زوايا تناولها، عن قراءة فلسطينية مشتركة ترى أن المقاربة الأمنية وحدها عاجزة عن معالجة جذور الصراع.

هل تقود العقوبات إلى مزيد من المواجهة؟

تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات التي تطرحها عملية الخليل في العلاقة بين العقوبات الجماعية والنتائج الأمنية المتوخاة منها. ففرض طوق عسكري على مدينة أو قرى محيطة، وتشديد الحواجز، وتوسيع الاعتقالات، قد يتيح للاحتلال إحكام السيطرة الميدانية مؤقتًا، لكنه لا يقدم بحد ذاته ضمانة لمنع تكرار العمليات.

ويحذر أبو غوش من أن نجاح عملية في الوصول إلى أهدافها قد يتحول إلى نموذج يستلهمه آخرون، في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل الاعتماد على الأدوات الأمنية والعقابية.

ولا يعني ذلك حتمية تكرار العمليات، لكنه يوضح أن حسابات الأفراد ودوافعهم لا تخضع دائمًا للمنطق الذي تفترضه سياسات الردع.

وفي المقابل، فإن توسيع العقوبات ليشمل السكان ومحيطهم الاجتماعي قد يفاقم الأعباء الإنسانية والاقتصادية، ويزيد الاحتكاك بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، ويضع مزيدًا من القيود على الحياة اليومية. وهنا تتحول الإجراءات التي يُفترض أن تمنع التصعيد إلى جزء من البيئة التي يتغذى منها التوتر.

وتزداد خطورة هذا المسار عندما تقترن العقوبات الجماعية بخطاب سياسي يدعو إلى تفكيك السلطة الفلسطينية أو توسيع السيطرة العسكرية. فمثل هذه المطالب لا تقتصر على الاستجابة لعملية بعينها، بل تفتح نقاشًا بشأن إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في الضفة الغربية، وما قد يترتب على ذلك من توسيع دائرة المواجهة.

ما الذي تكشفه العملية عن مستقبل الضفة الغربية؟

تضع عملية الخليل سلطات الاحتلال أمام معضلة تتجاوز السؤال عن الثغرة الأمنية التي سمحت بوقوعها: كيف يمكن فرض هدوء مستدام في بيئة تتواصل فيها الاعتداءات والاستيطان والإغلاقات، بينما تتقلص فرص الحل السياسي وتتسع الدعوات إلى مزيد من العقوبات؟

وتشير المواقف والتحليلات إلى ثلاثة مسارات متداخلة؛ أولها استمرار الرهان الصهيوني على الردع والتشديدات الأمنية، وثانيها توظيف العملية في الصراع السياسي الداخلي الإسرائيلي لتبرير إجراءات أشد، وثالثها تمسك القيادات الفلسطينية بأن استمرار المواجهة يرتبط بأسباب سياسية وميدانية أعمق من قدرة الحواجز والملاحقات على معالجتها.

ولا تكفي عملية واحدة للحكم على مجمل فاعلية المنظومة الأمنية الصهيونية، كما لا يمكن الجزم بمسار المواجهة المقبلة استنادًا إلى نتائجها المباشرة.

غير أن ردود الفعل الصهيونية، من الاجتماع الأمني إلى الدعوات لتفكيك السلطة وتشديد القيود، تكشف أن العملية تجاوزت أثرها الميداني لتفتح نقاشًا حول أدوات السيطرة ومستقبل إدارة الصراع في الضفة الغربية.

وفي المحصلة، فإن الاختبار الحقيقي لسياسة الردع لا يتمثل في حجم الإجراءات التي تعقب كل عملية، بل في قدرتها على منع تكرارها على المدى الطويل.

وما دام التعامل مع القضية الفلسطينية محصورًا في المعالجة الأمنية، مع استمرار الاحتلال والاستيطان والاعتداءات وغياب أفق سياسي يضمن الحقوق الوطنية، فإن تشديد القبضة العسكرية قد يفرض قيودًا مؤقتة، لكنه لا يضمن إنهاء أسباب المواجهة.