ليس الحليم من لا يغضب، بل من يملك نفسه حين يغضب... خُلُقٌ يحبه الله، تُفتح به القلوب المغلقة، وتُطفأ به الفتن قبل أن تشتعل.
الحمد لله الحليم الذي يرى معاصي عباده فيُمهلهم ولا يُهملهم، ويستر عليهم ويفتح لهم أبواب التوبة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أحلم الناس وأوسعهم صدراً، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين، أما بعد..
فانظر إلى الجبل حين تعصف به الريح... تصفر حوله، وتضرب جنباته، وتثير الغبار في وجهه، ثم تمضي، ويبقى الجبل جبلاً! لم يتحرك من مكانه، ولم يتحول إلى عاصفة مثلها. وانظر إلى ورقة الشجر اليابسة حين تمر بها النسمة الخفيفة... تطير بها كل مطير، وتقلّبها حيث شاءت، لأنها لا تملك من أمرها شيئاً.
هذا هو الفرق بين الحليم والطائش: الحليم جبلٌ تمر عليه رياح الاستفزاز فلا تقتلعه، والطائش ورقةٌ تحملها أول كلمة جارحة حيث تريد. والأول يملك نفسه، والثاني تملكه نفسه... ويملكه كل من عرف كيف يغضبه!
وما أحوج الداعية إلى هذا الخُلُق في زمن صار فيه الغضب سريعاً، والكلمة الجارحة أسرع، والرد عليها لا يحتاج أكثر من ضغطة زر!
أولاً: ما الحلم؟
عرّف الراغب الأصفهاني الحلم في «المفردات» بأنه: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب. فهو ليس انعدام الغضب، فالغضب طبع بشري لم يُخلق إنسان بلا غضب، بل هو أن يبقى الزمام في يد العقل والإيمان حين يثور الطبع.
وذكر الإمام الغزالي في «الإحياء» ما معناه: أن الحلم أفضل من كظم الغيظ؛ لأن كظم الغيظ تحلّمٌ وتكلّف، يجاهد فيه الإنسان نفسه مجاهدة، فإذا اعتاده وصار له طبعاً سكن الغيظ في قلبه فلم يحتج إلى كظم... فكظم الغيظ بداية الطريق، والحلم نهايته.
تعقيب: وليس الحلم ضعفاً كما يتوهم بعض الناس؛ فالضعيف يسكت لأنه لا يقدر، أما الحليم فيسكت وهو قادر! والذليل يصبر على الإهانة خوفاً، أما الحليم فيعفو عنها كرماً. ولذلك لا يُسمّى حليماً من لا يملك أن ينتصر... الحلم زينة القوة، لا ستار العجز.
ثانياً: الحليم سبحانه.. ومن هنا يبدأ الطريق
من أسماء الله الحسنى «الحليم»، وقد تكرر في كتابه، كقوله سبحانه:
|
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: 235) |
وذكر الغزالي في «المقصد الأسنى» ما معناه: أن الحليم هو الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر، ثم لا يستفزه غضب، ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام -مع كمال قدرته- عجلةٌ ولا طيش.
تأمّل... الخلق يعصونه وهو يرزقهم، ويكفرون نعمته وهو يعافيهم، ويبارزونه بالذنوب وهو يمدّ لهم في الأجل لعلهم يتوبون! ولو عاجلهم بالعقوبة لما بقي على الأرض أحد:
|
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ (فاطر: 45) |
فإذا كان الله -وهو القادر على كل شيء- يحلم على عباده، فكيف يضيق صدر العبد الضعيف بأخيه العبد الضعيف؟!
ثالثاً: حظ المؤمن من الحلم
مدح الله تعالى بهذا الخُلُق صفوة خلقه، فقال عن خليله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ (هود: 75)، وبشّره بولده فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: 101)... فكان الحلم أول ما وُصف به الغلام قبل أن يولد!
وحين وفد أشجّ عبد القيس على النبي ﷺ، تأنّى ولم يتعجل كما تعجل قومه، فقال له النبي ﷺ:
|
قال رسول الله ﷺ «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» رواه مسلم |
فالحلم ليس خُلُقاً اجتماعياً يُحسّن العلاقات فحسب، بل هو خصلة يحبها الله... ومن أحب أن يحبه الله فليتحلَّ بما يحب.
وقد جعل القرآن هذا الخُلُق حظاً عظيماً لا يناله كل أحد، فقال بعد أن أمر بدفع السيئة بالحسنة:
|
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: 35) |
رابعاً: الشديد الذي يملك نفسه
قلب النبي ﷺ موازين القوة عند الناس، فقال فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه:
|
قال رسول الله ﷺ «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه |
كان العرب يعدّون القوي من يصرع الرجال في الحلبة، فجاء الإسلام ليقول: إن أعظم مصارعة هي مصارعة النفس، وإن أقوى الناس من صرع غضبه قبل أن يصرعه غضبه! وحين قال رجل للنبي ﷺ: أوصني، قال: «لا تغضب»، فردّد مراراً، قال: «لا تغضب» (رواه البخاري)... وصية من كلمتين، لكنها تغلق باباً من الشر لو فُتح لدخلت منه شرور كثيرة.
وأثنى الله على أهل هذا المقام فقال:
|
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134) |
|
قال رسول الله ﷺ «من كظم غيظاً وهو قادر على أن يُنفذه، دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيّره الله من الحور العين ما شاء» رواه أبو داود والترمذي وحسّنه |
لاحظ قوله ﷺ: «وهو قادر على أن ينفذه»... فالأجر العظيم ليس لمن عجز فسكت، بل لمن قدر فعفا.
خامساً: دوائر الحلم
الحلم ليس موقفاً عابراً، بل دوائر تتسع، كل دائرة أوسع من التي قبلها:
• الحلم مع النفس: أن لا يجلد المرء نفسه جلداً يقطعه عن الطريق كلما زلّ، بل يحاسبها برفق، ويقيمها على التوبة بصبر، فمن لم يحلم على نفسه لم يحلم على غيره.
• الحلم مع الأهل: فالبيت أول ميادين الامتحان؛ يرى الناس الداعية في المسجد هادئاً، لكن زوجه وولده يرونه حين يتعب ويجوع ويُستفز... وهناك يُعرف الحلم الحقيقي من المصطنع.
• الحلم مع المدعوّ والجاهل: قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63). لا يعطونه من أنفسهم ما يريد من خصومة، ولا ينزلون إلى مستواه.
• الحلم مع المخالف: وهو أعلى الدوائر وأصعبها، وفيه يقول ربنا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34). فالحلم هنا ليس مجرد إمساك عن الرد، بل إحسانٌ يحوّل العدو صديقاً!
سادساً: نماذج من مدرسة الحلم
المثل الأول: الأعرابي والرداء. يروي أنس بن مالك رضي الله عنه -والحديث متفق عليه- أنه كان يمشي مع النبي ﷺ وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة حتى أثّرت حاشية البرد في عاتقه الشريف، ثم قال: يا محمد، مُر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه النبي ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء. جذبةٌ تؤلم الجسد، وكلمةٌ تجرح الكرامة... فكان الجواب ابتسامة وعطاء!
المثل الثاني: يوم الطائف. خرج النبي ﷺ إلى الطائف يدعوهم، فردّوه أقبح الرد، فلما جاءه ملك الجبال يعرض عليه أن يُطبق عليهم الأخشبين، قال ﷺ -كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها-: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً». القدرة على الانتقام بين يديه، والجرح ما زال ينزف، ومع ذلك نظر إلى الأجيال القادمة لا إلى الألم الحاضر!
المثل الثالث: عمر والآية. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عيينة بن حصن دخل على عمر بن الخطاب فأغلظ له القول، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199)، وإن هذا من الجاهلين. قال ابن عباس: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافاً عند كتاب الله.
تعقيب: آيةٌ واحدة أطفأت غضب الفاروق! فالحلم ليس طبعاً يولد به المرء فحسب، بل هو أيضاً وقوفٌ عند حدود الله حين يذكَّر بها.
المثل الرابع: الجارية والماء. يُروى أن جارية لعلي بن الحسين -زين العابدين- كانت تصب عليه الماء ليتوضأ، فسقط الإبريق من يدها فشجّه، فرفع رأسه إليها، فقالت: إن الله يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، فقال: قد كظمت غيظي. قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، قال: قد عفا الله عنك. قالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، قال: اذهبي فأنتِ حرة لوجه الله! ثلاث درجات صعدها في لحظة واحدة: كظمٌ، ثم عفو، ثم إحسان.
سابعاً: الحلم في ساحات الشاشات
في الأمس كان الجاهل يخاطبك في مجلس، فإن حلمت عليه انتهى الأمر بين جدران المجلس. أما اليوم فالمجلس صار منصة يشهدها الآلاف، والكلمة الجارحة تُكتب في تعليق، والرد عليها يُكتب في ثوانٍ... ثم يتحول الحوار إلى معركة، والمعركة إلى قطيعة، والقطيعة إلى صورة سيئة عن الدين نفسه!
والداعية في الفضاء الرقمي يُمتحن في حلمه كل يوم: تعليقٌ ساخر، واتهامٌ ظالم، وسؤالٌ مستفز يريد صاحبه أن يُخرجه عن طوره. فليتذكر أن الذين يقرؤون الحوار أكثر بكثير ممن يشاركون فيه، وأن رداً هادئاً قد يهدي قارئاً صامتاً لم يكتب حرفاً، وأن الانتصار للنفس قد يكسب جولة ويخسر قلوباً كثيرة.
|
۞ وقفة مع الأحنف يُروى أن الأحنف بن قيس -وقد صار مضرب المثل في الحلم عند العرب- سُئل عمّن تعلّم الحلم، فذكر قيس بن عاصم المنقري. فالحلم يُتعلَّم كما يُتعلَّم العلم، ويُكتسب بالصحبة والمجاهدة والتكرار، حتى يصير ما كان تكلّفاً طبعاً وسجية. |
|
كيف تكتسب خُلُق الحلم؟ |
|
١ استعذ بالله من الشيطان الرجيم عند أول شرارة غضب، كما أرشد النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه. ٢ غيّر حالك: إن كنت قائماً فاجلس، فقد أرشد النبي ﷺ الغاضب إلى ذلك فيما رواه أبو داود. ٣ اسكت عند الغضب؛ فالكلمة التي تُقال في لحظة غضب كثيراً ما يُندم عليها عمراً. ٤ أجّل الرد على ما يستفزك، ولا تكتب تعليقاً وأنت غاضب؛ فما يصلح غداً لا يفسد بالانتظار. ٥ تذكّر حلم الله عليك وأنت تعصيه، فإنه يُصغّر في عينك زلة أخيك. ٦ استحضر ثواب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأن الله يحب المحسنين. ٧ التمس لصاحبك عذراً: لعله متعب أو جاهل أو مجروح، ولو عرفت ما يحمل لعذرته. ٨ اصحب الحلماء وأطل النظر في سيرة النبي ﷺ، فإن الطباع تُعدي. ٩ ادعُ الله أن يرزقك الحلم، فإنه خصلة يحبها، ومن أحب الله شيئاً وهبه لمن سأله صادقاً. |
وأخيراً..
أيها الأحبة... إن الدعوة إلى الله تحتاج إلى علم يضيء الطريق، وإلى حلم يحمل صاحبه على المضي فيه مهما اشتدت الريح. فكم من داعية فتح الله به القلوب بابتسامة في وجه من أساء إليه، وكم من آخر أغلقها بكلمة غاضبة في لحظة طيش!
فكن جبلاً لا ورقة... تمر عليك العواصف فتبقى أنت أنت، ثابتاً على خُلُقك، رحيماً بمن أساء، واثقاً أن الحلم الذي تبذله اليوم ستجده غداً عند الحليم الكريم. فالحليم لا يخسر معركة الغضب أبداً؛ لأنه يرفض أن يدخلها من الأصل.
اللهم زيّنا بزينة الحلم، وارزقنا الأناة في الأمر، والرفق في القول، والعفو عند المقدرة، واجعلنا ممن يدفعون بالتي هي أحسن.