ليس هناك أضرُّ وأضْرى على الحركة الأدبية من الإسراف في التقييم، مدحًا وإطراءً، أو ذمًا وإنقاصًا، وليس وراء هذا وذاك إلا عين الرضا، وعين السخط، على حدِّ قول الشاعر:
وعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ولكنَّ عين السخط تُبدي المساويا
ووراء العينين عليك أن تبحث عن "المنافع" الشخصية، أو روابط القرابة، أو الصداقة، أو العصبية بأنواعها المختلفة، أو ما يقابلها من طوابع الحقد، والحسد، والغيرة، والأمراض، والعقد النفسية، كعقدة الدونية، والتعاظم، والسادية؛ أي التلذذ بتحطيم الآخرين أو إيذائهم.
ولكن لا تجهد نفسك في البحث عند أمثال هؤلاء النقاد عن أسانيد عقلية، أو مبررات فنية.. فهي معدومة.. بلا وجود.
النقد في بطون المعاجم
ونقرأ في معاجمنا العربية:
- نَقَد الدراهم، وانتقدها: أخرج منها المزيف، وبابه "نصر".
- النقد تمييز الدراهم وغيرها.
- نقد النَّقَّاد الدراهم: ميَّز جيدها من رديئها.
فالنقد في أصل اللغة يعني التمييز بين الصحيح والزائف، بين الجيد والرديء، وانطلاقًا من هذا المفهوم الحسي المباشر البسيط نخلص إلى أن النقد- بمفهومه الفني- يتطلب إعمال العقل والضمير، والبصر والبصيرة، والذائقة المرهفة الحساسة، حتى تنجح "عملية التمييز" أيًّا كانت طبيعة الإبداع المحكوم عليه.
بين الناقد.. والقاضي
وتلتقي مهمة الناقد بمهمة القاضي في ضرورة الاعتماد على النزاهة، والتجرد والحياد من جهة، والاستناد إلى معايير سديدة سوية، من جهةٍ أخرى؛ وذلك لا يتحقق، ولا يستقيم إلا بتجنُّب الهوى، والإسراف، والشطط، وتجنُّب التفريط والاستهانة، مع الإيمان بالقيم الإنسانية، والأخلاقية، والفنية في صورها الصحيحة الواضحة، فالموضوعية غير الجمود، والذوق غير الهوى والشهوة، والحزم غير الظلم، والسماحة غير التفريط، والتشجيع السوي غير الخداع، والكذب والنفاق والتمييع.
فعلى الناقد- وإذا شئت فقل القاضي أيضًا- إذا ما برأ، وإذا ما أدان، أن يجعل وراء التبريء والإدانة حيثيات عادلة، وتبريرات سليمة، واعتمادًا على هذا التصور نرى أن مهمة الناقد يصدق عليها منطق هذه الكلمات الإلهية الجامعة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النحل: من الآية 58)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8).
مثال صارخ "موكوس"
وأعتذر للقارئ إذ أتحدث إليه- في هذا المقال- عن ديوان "إبليسي" وُزِّع- وبتعبيرٍ أدق- وزَّعه "فاعله" على نطاقٍ واسع، هاتفًا أنه خليفة "نزار قباني"، وأنه مثله يعيش في شعره بين "غابات السيقان" وأحراش "الفساتين" وجبال "النهود والحلمات"، وغير مهم أن يفقد أدبه في الحديث عن الله، وأن ينسلخ صراحةً من القيم الدينية، والأخلاقية، بل من الحدِّ الأدنى للذوق بمفهومه العام العامي الدارج.
يقول هذا "الفاعل" في إحدى "قصائده":
وماذا لو أضيّعها
كمن قد ضيَّع الله
ويقول- من "قصيدة" له سمَّاها "شهر زاد"
إن كنت لا تدرين سيدتي
أني أحبك كالمجانين
وأطوف في دوامة غرقت
بخرافتين: الله والدينِ.
وإذا نظرنا إلى مفهوم المرأة عند هذا "الفاعل"، وجدناه نموذجًا للسقوط، والشذوذ، فهو يخاطب إحداهن بقوله:
.. واغرفي العُهْرَ
وها كأسي اسكبي
بُحَّ صوتُ الخمرِ في الخابي العتيق
إنّ للخمر صفاء الذهب
وارصدي الشهوة من حيث أتَتْ
أنتِ رَحمُ الخمرِ؛ فالسَّكْر أنجبي
وأستميحُ القارئ عذرًا إذْ أطلب منه أن يتصور- بلا غثيان- أنثى "تغرف العُهْرَ" و"ترصد الشهوة" و"تحمل بجنينٍ اسمه السُّكْر" بضم السين وتسكين الكاف.. إني- للحق- أراها صورة "مبتكرة" لم أقرأها لواحدٍ من "أباليس" الفن من قبل.
شهادة الناقد "الكبير"
قد يوجد في الساحة الأدبية- وهي حافلة بكثيرٍ من الأدعياء- مَن يدافع عن هذا "الفاعل" باسم حرية الفن والرأي والتفكير.. إلخ، ولكن ماذا نقول في ناقدٍ أكاديمي كبير له مؤلفات أدبية ونقدية وبلاغية مشهود له بالعظمة والتفوق؟! ماذا أقول له وفيه حين أقرأ له مخاطبًا هذا "الفاعل"- وهو كلام مطبوع- لأهميته- على غلاف "الديوان":
"الغالي (فلان): المقطوعات التي قدمتها إليَّ تلوتها مرات، ومرات، وعشتُ في أفيائها، وشذاها ساعات، وتشهد أنك شاعرٌ موهوب، فالكلمة عندك تُغنِّي، والبيت يصدح، والموسيقى تملأ الرحاب، و... و.... " ا.هـ.
لقد رأينا فيما نظمه "الفاعل" كلمات خسيسة، وأوتارًا مهترئة، وقيمًا منحورة، وصورًا منخورة، ولكن الناقد "الجليل الكبير" لا يسمع من "الفاعل"- الذي وصفه "بالغالي"- إلا غناءً وشدوًا، وصداحًا وتغريدًا، ولا يتنسم، ويستنشق منه إلا شذى وعبيرًا، فهل لي أن أترحم على مَن قال:
ومّنْ يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريض يجدْ مُرًّا به الماءَ الزلالا؟
جريمة ممتدة مستمرة..!!
وفي غيبةِ النقد الواعي النزيه يطل نقد المجاملات والتقريظات، لينثر الأوسمة، والنياشين، والعبارات البرَّاقة، والألقاب الفخمة المنفوشة على البراعم الخضراء، فهذا "فارس الحلبة"، وذلك "أمير الكلمة الشاعرة" وثالث "فيلسوف المعاناة الفكرية"، ورابع "بديع الزمان الرومانسي".
والنتيجة، اختناق هذه البراعم بالغرور، بعد أن ينسج النقد المخمور حولها شرانق من هذه الأحكام الباطلة الزائفة التي تنسيها واقعها، وما قد يكون فيه من عيوبٍ وعثرات، لا تعالج إلا بالمواجهة الصريحة، ورحم الله عمر بن الخطاب، إذ قال: "رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي".
نعم، التشجيع الواعي واجب؛ لأنه من مقتضيات الذوق والرعاية، والتوجيه السديد، ولا ينقص من قيمته توجيه نظر الأديب إلى ما في عمله من مثالب ونقائص، حتى يتفاداها في أعماله المستقبلية، وهذا النهج الذي نعنيه يناقض تمامًا ما تغص به الساحة الأدبية، والفكرية من مجاملاتٍ زائفة باطلة، فيها الشطط والإسراف، وذلك يُعدُّ إساءةً بالغةً- لا إلى القيم الفنية فحسب، بل إلى القيم الخُلقية والإنسانية كذلك.
------------