حبيب أبو محفوظ

 

بعيدًا عن التحليل السياسي لأحداث غزة الأخيرة، وبعيدًا عن الهجوم "اللا منقطع" الذي شنَّه ولا يزال تلفزيون فلسطين، وبعض الصحف الصفراء السوداء، بالإضافة لكتابها المعروفين، فإننا نحمد الله تعالى أن استتب الأمن والأمان وعاد الهدوء للمواطن الفلسطيني في قطاع غزة؛ وذلك بعد أكثر من 13 عامًا من القهر والذل والاغتيال والعربدة والسرقة والتعذيب، بل وتحويل قطاع غزة إلى غابة يقتل فيها الأشرس الآمنين من الناس على هوياتهم ولِحاهم وانتماءاتهم، بل ووصل الأمر في الفترة الأخيرة إلى نحر أئمة المساجد من الدعاة والعلماء- سواء كان ذلك داخل المساجد أو على أبوابها!، لا يهم.. فالمهم فقط أن يقتلوا ويصبحوا عبرةً لغيرهم!.

 

ما جرى يوم الخميس قبل الماضي من سيطرة حركة حماس على مقرات الأمن الوقائي والمخابرات، والأجهزة الأمنية، ما كان لأهداف تنظيمية أو انتقامية خاصة بالحركة، بدليل أن حماس عَفَت عن جميع منتسبي الأجهزة الأمنية بمَن فيهم مَن كان يعمل في جهازَي المخابرات والأمن الوقائي، حتى أولئك الذي ثبت تورطهم في جرائم قتل بحق أبناء حماس، بل إن العفو شمل أحد أفراد الأمن الوقائي والذي ثبت لحماس تورُّطه بقتل خمسة من أبناء الحركة.

 

الخاسر الأكبر من صنيع حماس في غزة هي أجهزة المخابرات الأمريكية (سي.آي.إيه) والبريطانية (إم.آي.16) والصهيونية (الموساد والشاباك وأمان)، والتي اعتبرت أن سلاحًا ثقيلاً وأكثر حدة وتهديدًا من الناحيتين الأمنية والسياسية سقط بيد حماس بعد هيمنتها على غزة، يتمثل بنظم أجهزة استخباراتية أمريكية وبريطانية متطورة، شغّلتها المخابرات الفلسطينية، إضافة لملايين الوثائق التي كانت بحوزتها.

 

بل واعتبرت سقوط مقرات المخابرات الفلسطينية في غزة بيد حماس يشكل أكبر كارثة استخباراتية في القرن الأخير لم يحصل ما يشبهها في تاريخ أجهزة الاستخبارات العالمية، بما في ذلك سقوط النازية عقب الحرب العالمية الثانية، وانهيار النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية في التسعينات.

 

ما أريد تأكيده هنا أن ما حدث في قطاع غزة مؤخرًا لم يكن اقتتالاً داخليًّا كما أراد البعض أن يصوره، وما حدث أيضًا لم يكن حربًا بين فصيلين متناحرين (فتح وحماس)، بدليل عدم اقتراب أو مسّ أي قسامي لأيٍّ من مقرات حركة فتح في قطاع غزة، وحالها قبل الأحداث نفسه بعدها، الذي حدث باختصار أنها كانت حربًا- وذلك حسب مصدر أمني مصري رفيع المستوى- بين 70% من الشعب الفلسطيني بقيادة حماس، ومجموعات محمد دحلان!.

 

والدليل أن قيادات حركة فتح وقفت بقوةٍ مع الخطوة التي أقدمت عليها كتائب القسام، وجميعنا ربما شاهَد واستمع إلى القيادي في حركة فتح خالد أبو هلال حينما اعترف صراحةً بأن حركة فتح في قطاع غزة كانت عاجزةً تمامًا عن التصدي لدحلان ومجموعاته الانقلابية، بل وذهب أبو هلال إلى أكثر من ذلك حينما قدَّم عرفانه وشكره الجزيل لكتائب القسام على هذه الخطوة البطولية.

 

خلال أقل من 24 ساعةً كانت كتائب القسام قد سيطرت على كامل قطاع غزة، وهذا إنما يدل على أن هناك قوى داخلية كانت تريد لكتائب القسام ذلك، وأقصد هنا المواطنين الفلسطينيين الذين كانوا خطوةً بخطوةً مع كتائب القسام في جميع تحركاتها.. الفلسطينيون هم أنفسهم الذين قتلوا سميح المدهون، وهم الذين داسوا عليه يوم داس على الكرامة الفلسطينية يومًا ما، والفلسطينيون هم أنفسهم الذين خرجوا للشوارع مباركين ومهللين الانتصار العظيم لحركة حماس، وبالتالي هم وحدهم فقط مَن يحق لهم التعبير وبالطريقة التي يريدون.

 

كان من المستحيل أن تبقى حماس تنتظر تطبيق محمد دحلان لخطة "دايتون"، الهادفة لاستئصال حركة حماس من جذورها داخل قطاع غزة، وهي- أي الخطة- تدعو صراحةً إلى قتل جميع قيادات حماس في غزة، وترْك القطاع بعد ذلك صيدًا سهلاً للصهاينة ولعملاء دحلان وأعوانهم!! فكان