لنبتعد عن صخب الإعلام الأجير الذي ارتضى لنفسه أن يكون أداةً بيد العملاء والمجرمين وبوقًا للصهاينة وأذنابهم، ولنبتعد أيضًا عن التغطية المنحرفة التي قامت بها معظم الفضائيات- إلا من رحم ربك، وقليل ما هم- للأحداث الأخيرة في تشويهٍ كبيرٍ لمعنى المهنية التي أصبح مفهومُها لديهم تمييعَ الحقائق وخلطَ الأحداث.

 

لنبتعد عن هؤلاء جميعًا، لا لننحاز إلى الطرف الآخر، ولكن لنقرأ الأحداث الأخيرة قراءةً موضوعيةً خاليةً من أي تحيُّز أو أحكام مسبقة، ونتركها تتحدث بنفسها عن نفسها دون حاجة إلى مترجم، فحديثها من الوضوح بحيث لا يحتاج تفسيره إلى فلاسفة يسمُّون أنفسهم محلِّلين سياسيِّين أو مرضى نفسيين، يتخذون من هذه الأحداث وسيلةً لجلب الشهرة السريعة لهم.

 

موجة الأحداث الأخيرة بدأت عندما قُتِل ابنُ حركة فتح بهاء أبو جراد في شمال قطاع غزة في ملابساتٍ لنعتبرها مختلفًا عليها بين حماس وفتح، فبينما سارعت فتح من فورها باتهام حماس وقامت بقتل توفيق البودي الذي كان من بين المواطنين الموجودين في مكان وقوع الحادث بمحض الصدفة نفت حركة حماس أيَّ علاقة لها بقتل أبو جراد، وكشفت عن وجود خلافات معه داخل حركة فتح، وعن تلقيه تهديدات شديدة اللهجة قبل مقتله بأيام.

 

إذن أصبحت لدينا روايتان مختلفتان للحادث، وما دام الأمر كذلك فإن العقل والمنطق يقتضيان أن يُفتح تحقيق في الحادث، وأن يدقَّق في الروايات المختلفة، ويُنظَر في الأدلة لاكتشاف حقيقة الملابسات، وهذا ما دعت له حركة حماس؛ حيث نصحت حركة فتح بالتريُّث والتحقق قبل كيل الاتهامات.

 

لكنَّ التطورات المتسارعة للأحداث في الساعات القليلة التي أعقبت هذا الحادث أظهرت وكأن تيارًا داخل حركة فتح كان ينتظر هذه اللحظة على أحرّ من الجمْرِ، فسارعَ الحرسُ الرئاسيُّ إلى نصب الحواجز في مدينة غزة- رغم أن الحادث كان في شمال القطاع- وقام بتفتيش السيارات، ونفَّذ عمليات إعدام ضد أشخاص لمجرد أن لهم لحًى!! كما أعدم ثلاثة صحفيين على الأقل، وقام بإجبار النساء على خلع أنقبتهن، في سوابق خطيرة لم يجرؤ الاحتلال على فعلها!!

 

بل إنه في تفاصيل إعدام الزميلَين الصحفيَّين سليمان العشي ومحمد عبدو تحدَّث شهود عيان عن قيام أمن عباس بسبِّ الذات الإلهية للصحفيَّين قبل إعدامهما، وأمَرَهما بالسجود لهم..!!! مسلسل الطغيان من قِبَل هذا التيار لم يتوقف، واستمرت عمليات الاختطاف والإعدام، وكلما عُقد اتفاق للتهدئة سارع إلى نسفه.

 

أما عن موقف حماس إزاء هذا الإجرام فقد كان واضحًا منذ اليوم الأول؛ حيث أبدى أبناؤها قدرةً عجيبةً على التحمُّل وكظْم الغيظ وتجرُّع المرارة، وبينما كانت الفضائيات تلوِّث أسماعَنا بالحديث عن صراع الفصيلَين على السلطة، وتروِّج لحرب أهلية كانت المعركة على أرض الواقع تُشَنُّ من طرف واحد.

 

أما حماس- التي صرَّح زعيمها خالد مشعل في خطابه الأخير في دمشق قبل الأحداث بأيام قليلة بأن حركتَه لن تسمح بأن يكون الانفجار داخليًّا وإنما سيكون في وجه الاحتلال- فقد ترجمت هذا التصريح على أرض الواقع، وكان ذلك واضحًا في خطابها الإعلامي الذي رافق الأحداث.

 

وتبيَّن الفرق واضحًا بين الطرفين عندما استُشهد تسعةٌ من أفراد الأمن الوطني بقذيفة صهيونية شرق مدينة غزة، فبالرغم من تواتر الأدلة التي تحمِّل الصهاينة مسئوليةَ الجريمة.. بما في ذلك اعتراف الصهاينة أنفسهم بالمسئولية عن إطلاق قذائف، ورواية الأمن الوطني الرسمية التي ذكرت إطلاق القذائف من الجانب الصهيوني، وكذلك تصريح الدكتور معاوية حسنين مدير عام الإسعاف والطوارئ الذي أكد أن الشظايا التي عُثِرَ عليها في أجساد الشهداء هي نتيجةٌ لقذائف صهيونية وليست لها علاقة بالاقتتال الداخلي.. بالرغم من ذلك كله أصرَّ الطرف الآخر على تبرئة الصهاينة من الجريمة وتحميلها لحركة حماس، في تردٍّ واضح لكل القيم والأخلاق الوطنية!!

 

جهود حركة حماس لإنقاذ الموقف لم تتوقف، فقامت بإمطار المغتصبات الصهيونية بوابل من الصواريخ، في رسالةٍ واضحةِ الدلالة بأن هذه هي البوصلة الحقيقية للبندقية الفلسطينية، ولكنَّ هذه الغيرة من جانب حماس على الدم الفلسطيني أن يُسفَك بأيدٍ فلسطينية لم يَغفِرْ لها عند أولئك الذين أصرُّوا على التصعيد الداخلي واستمروا في جرائمهم حتى بعد إعلان حماس عن توقفها عن الردِّ على جرائمهم من جانبٍ واحد، فاستمروا في القتل والإجرام.

 

وبذلك اتضحت الصورة على حقيقتها: حماس تشدُّ المعركة إلى مسارِها الحقيقي مع الصهاينة، والطرف الآخر يشدُّ المعركة بكل قوَّته إلى الداخل ويبرِّئ الصهاينة من أية مسئولية!!

 

إن حجم الإجرام الذي مارسه حرسُ عباس وغيره من الأجهزة الأمنية يُثبت أن الأمور هذه المرة أكبر بكثير من مجرد اشتباكات داخلية، وأن هناك عزمًا أكيدًا من جانب تيار العملاء والخونة في الساحة الفلسطينية- الذي تسانده أنظمة عربية معروفة وتمدُّه أمريكا بالمال والسلاح وتسهِّل الصهاينة مهامّه- على اجتثاث حركة حماس، وإغراق الساحة الفلسطينية بالدماء؛ تنفيذًا لرغبة الجنرال دايتون، وتخفيفًا لأعباء أولمرت القلِق من تنامي قوة حماس في غزة.

 

لو كانت الحقيقة كما يزعم البعض هي أن هناك صراعًا على السلطة بين حماس وفتح لَمَا بادرت حماس وفتحت على نفسها جبهةً أخرى هي جبهة الاحتلال، ولاستفردت بخصومها على الساحة الفلسطينية، ولكن سلوك حماس الذي كلَّفها المزيد من دماء أبنائها وكوادرها- ومن المتوقع أن يكلفَها أكثرَ في المرحلة القادمة في ظل التربُّص الخارجي والتآمر الداخلي- يمنح هذه الحركة شهادة صدق أمام شعبها وأمتها، كما أن سلوك التيار العميل يفضح نفاقه ويكشف زيفه ويضعه في موضعه اللائق به في صف أعداء الأمة.

 

ورغم الثمن الباهظ الذي تدفعه حماس أمام أعدائها الخارجيين والداخليين إلا أنه لا خيار أمامها سوى الصبر والاحتمال والثبات على الحق؛ حتى يأتي الله بأمره والعاقبة للمتقين.

-------

* صحفي فلسطيني.