حققت حركة المقاومة الإسلامية حماس مكتسباتٍ سياسية هامة على صعيد نتائج اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير، والذي كان متوقعًا منه الخروج بصيغٍ محرجةٍ للحركة بالنظر للتكييف الذي خرجت به بعض الدول العربية والغربية، فضلاً عن قيادة السلطة مما قامت به حماس داخل غزة مؤخرًا والذي وصف بـ"الانقلاب على الشرعية".
ولا يملك أي محللٍ موضوعي لطبيعة ما خرج به بيان الوزراء العرب في القاهرة إلا استشعار النجاح اللافت للدبلوماسية السريعة التي قام بها المكتب السياسي للحركة في الخارج والذي تمكَّن بحسب محللين عرب وصهاينة من امتصاص ردة فعل الجانب الرسمي العربي ودفعه صوب التعاطي مع مربع حماس الجديد، وسط مفاجأة حركة فتح ورئيس السلطة محمود عباس، بل وذهولهما من النتائج الختامية التي صبت برأي ممثل الرئيس عباس في المؤتمر عزام الأحمد لمصلحة حماس بالدرجة الأولى.
وبحسب مراقبين تمكَّنت دبلوماسية حماس من احتواء التداعيات والدفع بالكرة العربية لتسجيل هدف جديد في مرمى الطرف الآخر رغم ظاهر خسارته، ولعل أبرز مكتسبات حركة حماس السياسية من نتائج المؤتمر تتمخض بعدة نقاط يمكن إجمالها بالآتي:
أولاً: تمكَّنت حركة حماس من تحييد الموقف العربي الرسمي بنجاح بالغ (رغم وجود محور عربي مؤيد لتوجه وسياسة الرئيس عباس في وجه حماس مثل الأردن ومصر وتونس) دفع الوزراء للتراجع عن تحميل الحركة المسئولية المباشرة والخروج بصيغة يرى مراقبون أنها كبَّدت موقف حركة فتح ورئيس سلطتها عباس والتي ترى نفسها "ضحية" خسائر معنوية وتكتيكية كبرى، فالصيغة بحسب البيان الختامي لم تُحمِّل المسئوليةَ لأي طرفٍ بعينه، فهي جاءت بمفردات "هائمة عائمة لا لون لها".
ثانيًا: تمكَّنت حماس بسرعة تحركها من جر الموقف الرسمي بأجمعه- حتى المحسوب على فتح- لمربعها عبر إضفاء الشرعية على هدفها الرئيس من عمليتها العسكرية والتي وصفتها مصادر صهيونية أنها كانت "جراحية معقدة" من خلال حصولها على تأييدٍ عربي رسمي بوجوب (نزع الفصائلية عن الأجهزة الأمنية) فعمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية شدد بالفم الملآن خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب إعلان البيان بالقول "سنرفع الغطاء عن أي تشكيلٍ مستقبلي للأجهزة الأمنية إذا شُكِّل بصيغةٍ فصائليةٍ، وسندعو لتشكيلها لتكون قوى لكل الفلسطينيين"، بمعنى تحقيق شرعية كبرى وهامة وحساسة للهدف الرئيس من العملية العسكرية الأخيرة لحماس، وهو نزع الغطاء عن هذه الأجهزة وتقديم ما قامت به كتائب عز الدين القسام (بطريق غير مباشر) على أنه (بداية الحل الفعلي لمشكلات الفلسطينيين)، وبهذا ضربة قاصمة لكل أصحاب النفوذ الأمني ومراكز القوى داخل تلك الأجهزة التي دفعت بالرئيس عباس لتقديم استقالته مرتين في عهد الراحل عرفات لفشله في ضبط إيقاعها تحت سطوته، ويرى محللون أن هذه النقطة من شأنها كسر شوكة الأجهزة الأمنية في الشارع الفلسطيني وإعادة الهيبة للقرار السياسي البعيد عن العصا الأمنية.
ثالثًا: أرادت فتح وقوى عربية ودولية من الاجتماع دك حصن الشرعية التي تمتعت بها حماس خلال الفترة السابقة من خلال رفع الغطاء الشرعي عنها وتقديمها بوصفها حالةً انقلابيةً لا تؤمن بسلطة القانون إلا أن القرار الوزاري شكَّل صدمةً بل ولطمة بحسب مراقبين لكل هؤلاء عندما كرَّس الشرعية الفعلية لحماس عبر تأكيد البيان أن الدول العربية تعترف بسلطة الرئيس عباس بالتوازي الكامل لاعترافها "بشرعية حماس"، لكن بطريقٍ غير مباشر وعبر لافتة الاعتراف بشرعية وكينونة "المجلس التشريعي" الذي تُسيطر على غالبيته الحركة.
رابعًا: أكد الوزراء أن لجنة تقصي الحقائق ستتعاطى مع الوضع الفلسطيني ضمن إطار "الجلوس مع الجميع" وليس أصحاب المراكز الرسمية فقط (ضمن إطار الحكومات أعني).. وبهذا الإعلان تُضرَب مساعي الرئيس عباس الأخيرة من إقصاء حكومة الوحدة الوطنية والإتيان بحكومة طوارئ- ضعيفة دستوريًّا- حيث فشل عزام الأحمد موفد الرئيس عباس في إقناع الوزراء العرب بضرورة قصر التعاطي السياسي بأي مستجد مستقبلي مع حكومة الطوارئ الجديدة، ما يعني ضمنًا أن لجنة تقصي الحقائق المُشكَّلة ستتعامل في غزة مع حكومة هنية- لكن دون تصريحٍ بذلك- تحت لافتة أنها ستلتقي مع جميع أطراف العلاقة، وما يُشكِّله ذلك بحسب سياسيين من نأي عربي رسمي من الاعتراف الجماعي بشرعية حكومة الطوارئ الجديدة ما يُضعف من موقفها على الأرض.
خامسًا: يُشكِّل قرار وزراء الخارجية العرب وجوب أن يحظى أي تشكيلٍ مستقبلي للأجهزة الأمنية الفلسطينية بـ(الصفة الوطنية الجامعة البعيدة عن الفصائلية) نصرًا سياسيًّا وأمنيًّا كبيرًا لحركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى، فحماس ترى في التنوع خدمة لها ولمشروع المقاومة على الصعيد الإستراتيجي المستقبلي بخلاف حركة فتح التي أفرغت هياكلها العسكرية جميعها تقريبًا منذ اتفاق أوسلو 1993م، في الوعاء الأمني لهذه الأجهزة ما يعني سلب حركة فتح آخر ما تملكه من مصادر قوة على الأرض بعد خسارتها الكبيرة في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وتجدر الإشارة هنا إلى مسألة حساسة وهامة، وهي أن التنوع والشراكة في الأجهزة الأمنية على أساس وطني سيوقف تغول هذا الجهاز على المجاهدين وسيوقف الدعم العسكري الخفي له من قوى عربية وصهيونية وأمريكية إلى جانب استبعاد فرض أي قرارٍ مستقبلي صادر من هنا أو هناك بسطوة هذا الجهاز بوصفه سيغدو جامعًا لا يقدم مصلحة فصيل على حساب آخر ما يعطي المقاومة في غزة والضفة مقدرة استعداد أفضل وحالة من التفرغ شبه الكامل للعدو الأول.
سادسًا: على الأرض ومن منطلق موضوعي لجنة تقصي الحقائق ستحتاج عمليًّا من 3- 4 أسابيع على الأقل لبدء واستكمال عملها ما يعني أن مهلة الحكومة الجديدة "حكومة الطوارئ" ستنتهي قانونًا ويجبر الرئيس عباس بحكم الدستور للرجوع لحماس لاختيار رئيس وزراء جديد وفق قاعدة الأغلبية البرلمانية وبموجب تفاهمات يتوقع أن ترعاها العربية السعودية من جديد تفعيلاً لاتفاق مكة الذي أكد بيان الخارجية العرب على أنه يُشكِّل (جزءًا أصيلاً من اجتماعهم ورؤيتهم للحل)، وهذا يعني ضمنًا أن حماس عند تشكيلها القادم ستتقدم وبيدها أوراق ربح وضغط عديدة ليس أقلها خلو القطاع من الفلتان الأمني أولاً وغياب سطوة التيار المتهم بالعمالة ثانيًا ووجود مؤسسة أمنية فلسطينية "وطنية" بإشراف رسمي عربي ما يعطي حظوظ الحكومة القادمة فرصًا كبيرةً لتقديم برامجها بعيدًا عن الضغوط الداخلية التي طالما أربكت التفرغ لتقديم أي برنامج على الأرض.
سابعًا: تخلو بنود النظام الداخلي للجامعة العربية من أي لغة قانونية الزامية عقابية يتعين فرضها على أي من الدول العربية في حال أوصت بها لجان تقصي الحقائق المشكلة من أمانة الجامعة، بالتالي فإن لجنة تقصي الحقائق المُشكَّلة بموجب البيان الختامي (قبلتها حماس ورفضتها فتح) ليست معنيةً بفرض عقوبة أو توصية بها على الجهة التي سيثبت تورطها بالأحداث (جدلاً) بل يقتصر دور اللجنة على تقديم تقرير للأمين العام للجامعة يشمل مجموعةً من الإثباتات والوقائع والأدلة المحددة ليس أكثر.
ويرى محللون أن نتائج تلك اللجنة ستتجنب إلقاء اللوم على طرف دون آخر وأنها ستوصي على أكثر تقدير تشاؤمي بتحميل كلا الطرفين المسئولية عمَّا حدث ما سيعقد من موقف حركة فتح وسلطة الرئيس عباس التي ترى نفسها "ضحية".
ثامنًا: فشلت الدبلوماسية التابعة للرئيس عباس فشلاً ذريعًا بحسب المراقبين في كسب ود الجانب الرسمي العربي وتعبئته ضد حركة حماس.. فالنتائج لم تحقق الحد الأدنى المطلوب "فتحاويًّا" بل ومن جانب بعض الأنظمة العربية التي ضغطت صوب إدانة واضحة لحركة حماس.. ففتح بحسب نتائج البيان لم تكن تنتظر تأكيدًا لشرعية الرئيس عباس (فالرئيس شرعي).. ولم تكن تريد إدانة لما جرى دون تحميل طرف المسئولية لحماس (فهي تقدم نفسها بكونها الضحية) ولم تكن تريد تدخلاً عربيًّا مباشرًا في تشكيلة الأجهزة الأمنية (وهي عمودها الفقري) ولم ترغب بلجنة تقصي حقائق ستخرج على الأغلب محملة للطرفين للمسئولية (فبنظرها المسئولية معروفة ولا تحتاج لتقصي حقائق) مع خشيتها من أن تتحمل وحدها المسئولية من قِبل هذه اللجنة عن أحداث الضفة؛ نظرًا لالتزام حماس السكون الكامل لما يجري من تجاوزات هناك.
تاسعًا: نص البيان على وجوب الحوار كلغةٍ بين الطرفين.. وهو ما استبقه بالقبول من طرف مشعل في اتصالٍ قبل دخول الوزراء بساعة مع عمرو موسى، فيما رفضته فتح صراحةً على لسان أكثر من مسئول، واللجوء للحوار معناه الضمني إلغاء قرارات الرئيس عباس وحل حكومة الطوارئ الجديدة والرجوع للدستور وبناء شراكة حقيقية مستقبلية برعاية عربية تؤسس لمستقبل علاقة جديدة تحت إشراف ودعم عربي (وغياب لأبرز معضلات النجاح السابقة وهي العصا الأمنية) ما يعني بنظر حركة فتح مكافأة حماس واللعب بأوراقها هي وفق الوقائع الجديدة على الأرض.
عاشرًا: البيان أكد على مواصلة المساعي السعودية "اتفاق مكة"، وهذا يحرج الرئيس عباس وحركة فتح التي ترى في الاتفاق "نهاية لحلم سطوتها وسيطرتها على منظمة التحرير "وهو ما دفعها- أي فتح- للخروج عليه المرة الماضية والهرولة صوب الحليفة "القاهرة" التي تعيش اليوم صراعًا خفيًّا مع الرياض لإدارة الملف الفلسطيني ما يعني عودة الكرة للمربع السعودي الذي أبدى انزعاجًا واضحًا في الماضي من عرقلة مراكز قوى داخل فتح تنفيذ ما اتفق عليه في مكة وعلى رأسه إعادة بناء الأجهزة الأمنية وفق منظور وطني وإعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية على أسس من الشراكة العادلة، وهذا يخدم موقف حماس في التفاوض ووضع الشروط في الجولة القادمة.
عاشرًا: نتائج البيان عجلت من حالة التشظي الداخلي لكوادر وأطر فتح على الصعيد التنظيمي والهرمي القيادي.. فهناك تململ كبير جدًّا وصل حدود السب والشتم والمطالبة بالاستقالة لقيادات الصف الأول والثاني نظرًا لنتائج ما حصل في غزة ولضعف استثمار اجتماع وزراء الخارجية التي أحسنت حماس التعاطي معه بحنكة كبيرة وفشلت فتح؛ حيث برز للساحة مؤخرًا دعوات وإعلانات عن تشكيل "جيوب فتحاوية" خارجة عن سلطة عباس ما ينذر بانشقاق كبير داخل جسم الحركة الذي ما زال غارقًا أصلاً بحالة التداعي الكبيرة التي سببتها نتائج الانتخابات الأخيرة ويعجل من مطالبة أطر الحركة لعقد المؤتمر السادس العام لها والذي أجل مرارًا خشية الإطاحة المتوقعة برؤوس تاريخية كبيرة من قبل القواعد واستبدالها بقيادات شابة ذات أجندة وطنية.
حادي عشر: البيان أعاد مربع القضية الفلسطينية للخط الأول بتحميله الكيان الغاصب المسئولية كاملة عمَّا يجري إلى جانب تشديد الوزراء العرب على ضرورة إيجاد صيغ أخرى جديدة لدعم الفلسطينيين أكثر فاعليةً من الفترة السابقة تحت لافتة "القضية الفلسطينية مسئولية الجميع"، ما يعني استفادة الحكومة القادمة "التي ستأتي بعد شهر" من هذه الثمار وربط تداعيات الداخل الفلسطيني بوصفه نتاجًا لحالة الاحتلال وليس خروجًا من طرف على آخر لدواعٍ فصائلية.
ثاني عشر: نجحت حماس بشكلٍ كبيرٍ في تقديم نفسها للوزراء العرب كطرفٍ يريد الحوار (وفتح ترفضه) وطرف يريد الشراكة (فتح ترفضه) وطرف يعترف بشرعية عباس (فتح ترفض شرعية حماس)، وطرف يرفض تقسيم فلسطين.. ويرفض الاستئثار بالسلطة والمحاصصة الفصائلية في بنية السلطة... إلخ، وهي السياسة التي وصفت بأنها تحركت في الوقت والمكان والشكل المناسب.
-------------
* كاتب ومحلل فلسطيني