لم يكن ما أقدمت عليه حماس مؤخرًا مفاجئًا لمعظم المحللين السياسيين إلا من زاويتين:
الزاوية الأولى هي السرعة النسبية في الحسم (حوالي 4 أيام), الزاوية الثانية أنها أنهت الفتنة بأقل الخسائر (عدد القتلى من الطرفين أقل كثيرًا مما كان مخططًا له في إطار ما يسمَّى بالفوضى الخلاَّقة).

 

أما الاقتتال في حدِّ ذاته فكان أمرًا متوقّعًا ومسلَّمًا به ولكن بصورة أكثر بشاعةً وأطول أمدًا مما حدث.

 

فمنذ أن أعلنت السيدة رايس عن سيناريو ما أسمته بالفوضى الخلاَّقة اشتعلت معظم الساحات العربية بصور شتى من الصراعات، من بينها (الساحة العراقية- الساحة اللبنانية- الساحة الفلسطينية- الساحة الصومالية- الساحة السودانية.. إلخ).

 

ومثالنا المطروح للمناقشة هو الساحة الفلسطينية؛ حيث كانت نتيجة الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي أُجريت في شهر يناير 2006 مفاجئةً ومخيبةً لآمال المعسكر الغربي والصهيوني وما يدور في فلكهما من النظم العربية، وللأسف فإنهم كثُر، أي أغلب النظم العربية وبدرجات متفاوتة.

 

ولهذا السبب تعاون الجميع وتحرَّكوا وتفنَّنوا في وضع الخطط العاجلة والآجلة؛ بهدف إفشال حماس التي تحمل مشروعًا نهضويًّا ومنهجًا إسلاميًّا للتحرير والبناء, في مواجهة المشروع الصهيوأمريكي، الذي يهدف إلى الهيمنة والسيطرة على المنطقة (بشرًا وهويةً ومقدّرات), وأيقنت حماس منذ ذلك اليوم هذه الحقيقة، وأن مهمتها ليست سهلةً بالمرة، وأنها ستواجه عقباتٍ جمَّةً في سبيل ترجمة برنامجها الانتخابي والذي اختارها الشعب الفلسطيني على أساسه.

 

وكان سعيُها منذ البداية لتشكيل حكومة وحدة وطنية، ورفضت فتح رفضًا قاطعًا الاشتراكَ في حكومة وحدة وطنية, واستمر ذلك الرفض أكثر من شهرين؛ مما دفع حماس بالانفراد بتشكيل حكومة من بين أعضائها.. وهنا بدأ أحد السيناريوهات المعدة لإفشالها.

 

ويتمثل في إحداث انفلات أمني تقوم به عناصر مشبوهة تنتمي لبعض الأجهزة الأمنية (الأمن الوقائي- المخابرات العامة- حرس الرئاسة)، وسعى رئيس الوزراء إسماعيل هنية في إبلاغ رئيس السلطة أبو مازن بما يحدث أولاً بأول، وكان الرد التقليدي تشكيل لجان للتحقيق, وبالطبع لا تنتهي اللجان إلى شيء، وتضيع الحقائق، وتظهر حكومة حماس وخاصةً وزارة الداخلية كأنها عاجزةٌ عن إدارة الشأن الداخلي وحفظ الأمن للمواطن الفلسطيني.

 

ومن هنا اتخذ وزير الداخلية سعيد صيام قرارًا بتشكيل القوة التنفيذية من أفراد كتائب عز الدين القسام وبعض الفصائل الأخرى؛ ليستعين بها على تحقيق الأمن وحفظ الشارع الفلسطيني، وكان رد فعل عباس- بعد تعرضه لضغوط داخلية وخارجية- أن هذه القوة "غير قانونية"؛ وذلك بهدف إدخال الحكومة في مسارات تعطِّلها عن الالتفات إلى قضايا الشعب الفلسطيني محليًّا ودوليًّا.

 

 الصورة غير متاحة

محمد دحلان

ولمَّا فشل هذا السيناريو- الذي تصدَّى له محمد دحلان- بدأ السيناريو التالي في نفس الاتجاه، ويتمثَّل في محاولة تحريك الشارع الفلسطيني في مظاهرات واعتصامات وإضرابات؛ للمطالبة بالأجور المتأخرة الناتجة عن الحصار الدولي من قِبَل أمريكا والاتحاد الأوروبي، ومعهم إسرائيل التي جمَّدت عوائد الضرائب عن الحكومة الفلسطينية، وللأسف فإن هذا الحصار نُفِّذ بأيدٍ عربية وبصفة خاصة دول الجوار.

 

وهنا بادرت حكومة حماس بتدبير بعض الأموال عن طريق الجولات الناجحة التي قام بها وزراؤها؛ بهدف صرف الأجور والمرتبات المتأخرة لبعض العاملين، وحقَّقت نجاحًا ملحوظًا في هذا الشأن.