تتجه الأحداث في فلسطين وجهة بالغة الخطر، اختلطت على صفحتها الخطوط؛ مما أدَّى إلى أحد أمرين في قراءة هذه الصفحة، إما التبسيط المخل بإلقاء المسئولية تمامًا على أحد الطرفين، أو بتحميل الطرفين معًا المسئولية بدرجاتٍ متفاوتة، كما يستند التصنيف والتحليل على منطلقاتٍ معينة لدى المحللين.

 

فالفريق الأول يرى أن فتح تربَّصت بحماس وتآمرت عليها مع العدو الصهيوني وواشنطن والعالم بما في ذلك إلى حدٍّ ما بعض الأطراف العربية.. انتهى هذا الفريق إلى نتيجةٍ واضحةٍ وهي أن حماس كانت ضحية هذه المؤامرة، وإن حقد فتح على حماس ورغبتها في إزاحتها التقت مع تمنيات الصهاينة في زوالهما معًا ومعهما الشعب الفلسطيني, ولكن الأولوية هي لزوال حماس، خاصةً إنها جاءت بشعبيةٍ كاسحة، وبشَّرت بحكومةٍ نظيفةٍ وشروط أفضل للتسوية مع "إسرائيل".

 

ويرى هذا الفريق أن موقف فتح أملاه صراع السلطة، وأن كلا الحركتين يؤمنان بحقِّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ولكنهما يختلفان في الأساليب وأدوات العمل وفي علاقة المقاومة بالسياسة، كما يرى هذا الفريق أن ميل بعض الأطراف العربية صوب فتح سببه أحيانًا الخوف من نموذجٍ إسلامي في الحكم, وإنْ أيَّدت هذه الأطراف الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، ولكن لظروفٍ معينةٍ بعضها داخلي لم تشأ أن يكون الحل الأفضل على يد هذه الحكومة الإسلامية، فضلاً عن أن وجود حماس في السلطة لا يستقيم في نظرها مع خيار المقاومة، وعلى حماس أن تختار أيهما وليس كليهما، بالإضافة إلى أن وجود حماس في معسكر المعاداة لإسرائيل مع إيران وحزب الله وسوريا يُمثل ضغطًا على هذه الأطراف التي اختارت بين تحالفها مع واشنطن، ورغبتها في مساعدة الشعب الفلسطيني.

 

كانت هذه الأطراف العربية- ولا تزال- ترى أن خيار المقاومة لم يعد أمرًا عمليًّا في ضوء المتغيرات الكثيرة، كما أن هذا الخيار أحرج مواقف هذه الأطراف في فلسطين ومع الفصائل الفلسطينية, بعد أن تعهَّدت بأن خيار عدم المقاومة هو الخيار الإستراتيجي، مما أدَّى إلى انقسام العالم العربي تقريبًا بين معسكر "المقاومة ومعسكر الاعتدال".

 

ظهر في صفوف الأطراف العربية المذكورة مَن يرى أن الاستناد إلى المرجعية الرئيسية واعتماد المقاومة في نفس الوقت يؤدي إلى إدخال الدين في صراعٍ سياسي، بصرف النظر عن أن الكيان الصهيوني نفسه خليطٌ من كل شيء لمصلحة المشروع الصهيوني، ويرى هذا الفريق أيضًا أن حماس صمدت رغم كل الضغوط وأن الحظر الدولي ضد الشعب الفلسطيني هو رسالةٌ له للتخلص من حماس، بل يرى أن حماس كانت ضحية التخطيط لمؤامرة لتصفيتها وأن تعزيز قدرات الرئاسة المالية والعسكرية قُصد بها الانقضاض على حماس، وهو هدف الصهاينة الأول، ما دام أبو مازن قد عجز عن إرغام حماس على التخلي عن المقاومة.. يؤمن هذا الفريق أيضًا بأن حماس لم يكن أمامها خيار سوى السيطرة على غزة.

 

الفريق الآخر يرى أن نجاح حماس في الانتخابات في بلدٍ محتل من جانب الصهاينة بالذات لا يعني أبدًا أن الفرص مفتوحة للتعامل مع الكيان؛ بناءً على ثقة الشعب الفلسطيني، وأن حماس لا تُجيد سوى المقاومة وأن دخولها معترك السياسة هو إقحام نفسها في ساحة لا تجيدها، ولا يمكنها أن تجمع بين المقاومة والحكم لأسبابٍ كثيرة أولها أن الكيان جعل ثمن هذا الجمع باهظًا فلسطينيًّا، وأدى إلى انسداد أفق التسوية كما لو كانت التسوية باتت جاهزةً لولا فوز حماس.

 

ترى فتح أيضًا أن المسئولية تجاه الشعب الفلسطيني تدفع إلى إعادة ترتيب الأولويات، فبعد أن كانت الأولوية الأولى هي البحث مع الصهاينة في تسويةٍ لمجمل القضية، تراجعت لكي تصبح الأولوية هي مجرَّد توقي هجمات الكيان، فلما جاءت حماس إلى السلطة أصبحت الأولوية هي فك الحصار عن الشعب الفلسطيني ورفع الحظر عنه، وتراجعت المقاومة بكل صورها إلى مرحلةٍ متأخرة، وإذا كانت المقاومة مرتبطة حقًّا بوجود الاحتلال، فلتكن مقاومة سلمية..

 

ترى فتح أيضًا أن انقضاض حماس على غزة منح الصهاينة وأمريكا فرصة العمر لتحقيق خمسة أهداف بضربة واحدة:

 

الهدف الأول: هو فصل الضفة عن القطاع حتى يتحقق لها تجزئة فلسطين تمهيدًا لقضمها بالكامل، وهو حلم الكيان الذي دفعه دائمًا إلى أن تكون خطط التسوية مشتملةً على عدم تحقيق الاتصال بين الضفة والقطاع، وقد نفذ الصهاينة ذلك بالفعل طوال فترة الاحتلال.

 

الهدف الثاني: هو تنمية الضفة وعزل غزة حتى توضح أن تمرد غزة وتطرفها استوجب تركيز الحصار عليها، بينما اعتدال فتح في الضفة أمطر عليها البركات والمنح وأدَّى إلى رفع الحظر الأمريكي والدولي والصهيوني عنها.

 

الهدف الثالث: هو أن يقوم الكيان بالتسوية مع الضفة، بينما تعد للقضاء على حماس في غزة، ويأمل الكيان في أن تفريد حماس في غزة واستعداء العالم كله عليها ووصف ما قامت به بأنه انقلابٌ على الحكم الشرعي في رأس السلطة يساعد في تقويض حماس شعبيًّا ومعنويًّا؛ لأن الشعب في غزة لا يحتمل مزيدًا من الهوان الذي يعزيه الصهاينة لسلوك حماس.

 

الهدف الرابع: هو ضمان وقف مقاومة فتح للعدو؛ لأن أجنحتها العسكرية مخصصة للصدام مع حماس، وربما استخدمت لتحرير غزة من حماس على أساس أن حماس انفصلت عن السلطة المركزية في رام الله.

 

الهدف الخامس: هو تفكير واشنطن في حملة عسكرية دولية أو أمريكية لاستعادة غزة من سيطرة حماس؛ حيث بدأ الإعلام الأمريكي يعتبر غزة تحت حكم حماس بأنها تشبه الصومال تحت حكم المحاكم الإسلامية، أو أفغانستان تحت حكم الطالبان؛ حيث يسهل التحالف بين القاعدة وبين هذه القوى الثلاثة: الطالبان في أفغانستان، والمحاكم الإسلامية في الصومال، وحماس في غزة.

 

والغريب أن الشعب الفلسطيني هو القيمة الأولى فيما يحدث كما أن الغريب حقًّا هو أن يلتبس الأمر على العالم العربي؛ فقد رأت أطراف عربية مع بقية الأطراف الدولة التي عملت على معاقبة الشعب الفلسطيني أنها تؤيد الشرعية ممثلةً في أبو مازن وباركت قراراته لفرض الطوارئ وتعطيل بعض الأحكام في الدستور وتشكيل حكومة طوارئ مستقلة، وهو موقف طبيعي لأنها لم تعترف يومًا بحكومة حماس، وحتى عندما اعترفت جزئيًّا بحكومة الوحدة الوطنية على ارتياحها تجاه مشاركة حماس.

 

وقد فسر هذا الموقف على أنه انحيازٌ لفتح ورئيسها ضد حماس؛ مما أضفى الشرعية على الإجراءات الأمريكية الصهيونية ضد حماس والشعب الفلسطيني في غزة، وأعطى رخصةً بالقضاء على أكثر من مليون فلسطيني لمجرد أنهم يعيشون في غزة، وهي تحت سيطرة حماس، بينما انحازت الأغلبية العربية إلى قرار وزراء الخارجية العرب الذي أكد اعترافه بأبو مازن وهو ما لم تنكره حماس، وفي نفس الوقت دعا إلى تشكيل لجنة تحقيق عربية لبحث أسباب هذا التدهور وهو ما رفضته فتح وأبو مازن على الفور، معتبرًا أن الجامعة وضعت الشرعي والمتمرد الإرهابي أي حماس على قدم المساواة.

 

والحق إن دعم الحكومة والحديث لن يحل المشكلة اللهم إلا إذا كان الحل هو استئصال الشعب في غزة ومعه حماس، وعندي أن بعض المواقف العربية في القضية أدَّى إلى هذا التدهور بوضوح.

 

وعلى كل حال فإن حكومة الوحدة الوطنية هي خيار كل الفصائل، ولكن عرقلة الكيان الصهيوني لعملها وتضييق الخناق عليها بسبب مشاركة حماس فيها واستمرار الحظر الدولي هو الذي أعجزها عن ضبط الأمور, وإن الاعتراف بحكومة الطوارئ يؤدي إلى مزيدٍ من الفتنة، وإن القضية لم تعد في البحث في المسائل القانونية؛ لأن الكارثة تتطلب حكمة سياسية ودعمًا عربيًّا لتوافق فلسطين وليس لإشعال المزيد من النار في فلسطين.

 

لقد دخلت القضية في منحي بالغ الخطورة، ولا بد أن تلزم الأطراف العربية الحذر، وألا يكتفي بعضها بالصمت، وإنما يحتاج الموقف إلى إدارة عربية قوية ومستقيمة تستهدف المصلحة العليا الفلسطينية وحدها، حتى تنتزع القضية من أيدي الصهاينة والأمريكان وتجنبًا لتقييد مخطط دعوي قاسٍ في غزة وإضاعة نهائية لكل الملف الفلسطيني ربما لعقودٍ قادمة.