غزة ١٩٩٦
كنت أقف في بهو فندق الأمل، عندما سألت موظف مكتب الاستقبال: كيف أصل إلى مكتب العميد غازي الجبالي قائد الشرطة؟! فاجأني صوت من الخلف: أنا أوصلك إلى المكان.. لا تشيل هم.
لم أصدقه حين قال لي إن عمره ١٧ عامًا، وإنه خرج من السجن الإسرائيلي منذ أسبوع، وإنه من أطفال الحجارة، لكنني صدقته حين قال لي: اسمي محمد.
طوال الطريق إلى مكتب العميد الجبالي لم يتحدث معي طويلاً، اكتفى بالتعارف، وقرَّر أن ينتظرني بعد أن أفرغ من قائد الشرطة كي نتحدث طويلاً، الحقُّ أنني لم أعطِه قدرَه الذي يستحق من الاهتمام، تعاملت معه على أنه شابٌّ خدومٌ، أراد مساعدة صحفي مصري، وانتهى الأمر، لكنني فوجئت به يجلس على مقربة مني وأنا أحاور قائد الشرطة الذي ظنه رفيقًا لي.
كان الجبالي مزهوًّا بنفسه وبرتبته التي منحَها له الرئيس عرفات، دون أن يمر على الرتب السابقة لها، وكان الرجل يكره "حماس" وكل من يأتي على سيرتها، بل قال لي صراحةً إن حماس صنيعة إسرائيل.. اخترعتها لكي تقضي على منظمة التحرير الفلسطينية.
يومها سألته عن محمود الزهار، الذي يقبع في سجن السلطة الفلسطينية واتهمته بأنه بممارساته ضد الفلسطينيين تضعه في خانة الشرطة الإسرائيلية وليست الفلسطينية، فيرد الرجل بأن حماس ليسوا فلسطينيين، وهذا ليس رأيه وحده، لأنه ينفذ تعليمات القيادة.
حين خرجنا من مقرّ الشرطة الفلسطينية في غزة شكرت محمد، وقلت له ما كان يجب أن تجلس معنا أثناء الحوار، لقد ظنَّك الرجل زميلي، ولو كان سألني لقلت له الحقيقة.
تطلَّع محمد إلى وجهي وابتسم ابتسامةً غامضةً، وقال لي: لا تصدق كلمةً واحدةً مما قاله لك ذلك الرجل.. كله كذب وافتراء، وإذا نشرته ستكون مثل ناقل الكفر، لم أرد على محمد؛ لأنني بالفعل لم أصدق كلمةً واحدةً مما سمعته، لكنني لم أشَأْ التأكيد على كلامه لأسباب أمنية.
أما هو فقد استطرد قائلاً: أنا فتحاوي وأحد أعضاء "صقور فتح"، وأدرك سرّ كراهية الفتحاويين لحماس، وأظن أن الصراع بينهما سوف يتفوَّق على الصراع بيننا وبين إسرائيل، قلت له: لعلك تبالغ كثيرًا يا محمد، لا بد أن السجن والتعذيب و.. ولم يجعلني أكمل كلامي وقال: قبل أن تنصحني بضرورة زيارة العيادة النفسية يجب أن تعلم أن السجن بالنسبة لنا ليس هو السجن بالنسبة للآخرين في دول أخرى، السجن هو استكمال للجهاد بأجْرٍ مضاعف عند الله، نخرج منه أقوى مما دخلنا، ولكن دعْك من حديث السجن وتعالَ معي لأريَكَ ما لن تراه وما لن تستطيع فهمه، لكنه- على الأقل- سيفسِّر لك أسباب الصراع بين الفتحاويين الذين يعملون حول الرئيس عرفات وبين قيادات حماس.
توقَّفَ محمد في منطقة مظلمة تبعد مسافة نصف كيلو متر عن مبنى مميَّز، أشار إليه بقوله: هذا هو مقرّ السلطة في غزة، انتظر معي لترى، وكأنه نوَّمني مغناطيسيًّا قلت له: حاضر.. سأنتظر.
لم تمر خمس دقائق حتى بدأت سيارات فخمة سوداء تمرُّ من أمامنا، فسألته: لا بد أنه موكب الرئيس عرفات، فضحك بصوتٍ عالٍ وقال: الرئيس راجل غلبان ومتواضع، هذه سيارات المناضلين القادمين إلينا من تونس.
هؤلاء هم رجال السلطة الذين يقتنون أغلى السيارات وأغلى العطور وأفخم ماركات البدل والقمصان والأحذية والكرافتات، هؤلاء الذين لم يحملوا سلاحًا في حياتهم ضد العدوّ، إلا إذا كان ذلك العدو هو أحد الرفاق المطلوب تصفيتهم، هؤلاء لم يعطِّروا كفوفهم بالحجارة، التي حاربنا بها نحن الصغار، فأجبرنا إسرائيل على التفاوض، الذي جاء بهؤلاء السادة-المستورَدين- الذين تم "توزيرهم" فتصرفوا وكأنهم وزراء في دولة نفطية مستقلة، كارثة يا أخ عاطف، والله العظيم كارثة!! لقد صدقوا أننا أصبحنا دولةً بالفعل، ومن لم يصبح منهم وزيراً أصبح مسئولاً عن جهاز أمني، لدرجة أن دولتنا هي الدولة الوحيدة في العالم التي لديها تسعة أجهزة أمنية.
لكنك لم تقُل لي عن علاقة ذلك كله بحماس..؟!
نظر لي نظرةَ لوم وعتاب وقال: لا تتعجَّل.. لقد رأيت الوجه الأول من العملة، تعالَ لأريَك الوجه الثاني، وطاف بي محمد على مؤسسات تعليمية وجمعيات خيرية طبية ودور اجتماعية لمساعدة الفقراء ومساجد صغيرة في كل حي، وفي النهاية قال لي: هذه المؤسسات هي حماس، لم يتعاملوا مع القضية بالحناجر كما تفعل منظماتنا الفلسطينية؛ لأنهم سألوا أنفسهم عما يحتاجه المواطن الفلسطيني الفقير، فاكتشفوا أنه يحتاج إلى الصحة والتعليم والغذاء والملبس وليس الشعارات والصيحات.. قيادات حماس لا تمتلك سيارات تشبه السيارات التي رأيتها، ولا يرتدون أفخم الأزياء، ولا يتعطرون بعطور باريس.
والأهم من ذلك أنهم يعيشون بين الناس طوال الوقت، لدرجةِ أنك لا تستطيع تمييزهم من بين الناس، حماس تفعل ذلك ليس من أجل السيطرة على غزة، ولكن حب الناس لهم وإيمانهم بحسن نواياهم جعل حماس تسيطر تمامًا على غزة، فإذا أضفت إلى ذلك صدى العمليات الاستشهادية التي ينفذونها في قلب إسرائيل.. أظنك لن تسأل بعد ذلك عن سرّ كراهية الفتحاويين للحماساويين.
غزة ٢٠٠٧
حماس فرضت سيطرتها على غزة.. عباس يقيل حكومة هنية، ويشكِّل حكومةً برئاسة فياض، إسرائيل تدعم عباس بالإفراج عن أموال الضرائب، أمريكا تُرسل أسلحةً لدعم الفتحاويين، الاتحاد الأوروبي يفرج عن المساعدات المجمَّدة من أجل عيون فتح، مصر تؤيد الحكومة الجديدة، الأردن تؤيد الحكومة الجديدة، السعودية تويد الحكومة الجديدة، إسرائيل تقطع المياه والكهرباء عن غزة، عباس يعِدُ بإغراق رام الله في النعيم، وعقابًا لفلسطينيِّي غزة.. عباس يتهم حماس بالسعي لإقامة إمارة ظلامية في غزة، ياسر عبدربه "مناضل تونسي" يرفض تدخل الجامعة العربية في الشأن الفلسطيني الداخلي.
أخيرًا.. أنا على يقين من إيمان القادة العرب الذين أيَّدوا عباس ورفاقه بفساد السادة الفتحاويين، لكنَّ المشكلة أن كراهيتهم وخوفَهم من حماس وكل التنظيمات الإسلامية أعظم من كراهيتهم للفساد والمفسدين.
----------
* (المصري اليوم) في: ٢٤/٦/٢٠٠٧.