ما زلنا نعيش عواقب الصدمة التي تفجَّرت في فلسطين، وما تبعها من أحداث جسام، أدَّت إلى رفع السلاح الفلسطيني في وجه الشقيق الفلسطيني، وتجاوُز الخط الأحمر عندما سال الدم الأحمر مُهراقًا في الشارع الفلسطيني.

 

هذه الأحداث في حد ذاتها هي التي تدعو كلَّ غيور على دينه وأرضه أن ينزعج لما حدث، من تقاتل وتحارب وتراشق بالأسنّة والسلاح، وتراشق وتلاسن في مجال الدعاية والإعلام، وكل مَن ساهم في نقْد الصورة التي حدثت أو تابع مَشاهد الفصل المأساوي من المسرحية الهزلية يدرك تمامًا بأن المستفيد الأكبر من هذه المأساة هو العدو الصهيوني المتربِّص بالجميع وبكل الفرقاء المتقاتلين، والذي ينفرد بمفرده بالفريسة (فلسطين) ينبش فيها بمخالبه وأظفاره وأنيابه، فلا يتركها إلا جثةً هامدةً.. لا حركةَ فيها ولا حياة، كما أن الخاسر الأوحد من هذه المأساة كذلك هو فلسطين.. فلسطين القضية.. فلسطين الرمز.. فلسطين العرب والإسلام.. والقدس وأولى القبلتين وثالث الحرمين.

 

يَذكر الأستاذ فهمي هويدي في (الأهرام) 26/6/2007م أن الإدارة الأمريكية قد عملت- بالتواطؤ مع بعض عناصر السلطة- على إسقاط الحكومة الفلسطينية التي تشكَّلت بعد الانتخابات التشريعية بأي ثمن، حتى لو كان الثمن حربًا أهليةً داميةً.

 

وبمجرد أن بدأت حماس تنظر في تشكيل حكومة وطنية من كل الفعاليات الوطنية التي تشارك في المجلس التشريعي الذي جاء بانتخابات حرة ونزيهة وبإرادة شعبية عالية التقدير للمنعطفات التي تمر بها القضية الفلسطينية، وبمجرد تشكيل حكومة "هنية".. دفعت أمريكا الرباعية الدولية التي تمثِّل العضوَ الأبرزَ والأهمَّ فيها للاعتراض على حكومة وطنية تشكِّلها حماس في بداية الأمر، ووضعت شروطًا مستحيلةً للاعتراف بها، فضلاً عن أنها عارضت مبدأَ تشكيل حكومة من هذا القبيل.

 

وقبل أسبوع من لقاء مكة قال مندوب أمريكا في الرباعية: "إنني أحب ذلك العنف لأنه يعني أن ثمة فلسطينيين يقاومون (حماس)"، وهذا القول الخبيث يذكِّرنا بوعد "دحلان": "إننا سنجعل حماس ترقص عشرة بلدي"!!

 

كل هذا الحقد الدفين يخرج من قلوب تملؤها الضغائن والأحقاد، سواءٌ صدرت من الداخل حيث العمالة وبيع القضية، أو من الخارج حيث التآمر الدولي على إنهاء القضية والإجهاز عليها وتسليمها لقمةً سائغةً "سامَّةً" للكيان الصهيوني المغتصب.

 

ويتحرك الإعلام بمهنية عالية وباقتدار، فيلقي في الساحة ولدى الرأي العام؛ حيث يرسم مصطلحات وتعبيرات وإسقاطات ذات دلالات معينة، من شأنها أن تُحدِث دويًّا يتم فهمه وانطباعه بصورة تعكس مفهومًا مغايرًا للحقيقة تمامًا، بل تنسحب على القضية بشكل سلبي يؤثر على مسارات العمل بعد ذلك، وللأسف فإن الجميع يتلقَّف هذه الاصطلاحات ويهرول بها وكأنها حقيقةٌ واقعةٌ وليست كذبةً وفريةً قاتلةً.

 

من ذلك مثلاً ما جرى على ساحة الإعلام المعادي قبل الأحداث، واستمر بعدها بنفس الوتيرة تحت عناوين عدة، وكانت حكاية "الإمارة الإسلامية" من تلك الإسقاطات، وهذا المشهد حرَّكته أجهزةٌ أمنيةٌ بدقة شديدة، ولم تكن وراءه أيُّ أجندة سياسية كما يذكر الأستاذ فهمي هويدي.

 

والمتتبع للأحداث السابقة ليوم غزة يدرك أن حماس قد صبَرَت وصابرت كثيرًا على أذى قوات الأمن الوقائي، التي طالت يدُها مقاتلي حماس خطفًا وسحلاً، وقتلاً وسجنًا، وأنها كانت تمثِّل يدَ المحتل الباطشة بقوى المقاومة، وأنه لما بلغ السيل الزبا وطفح الكيل كما يقولون.. ما كان من رجال حماس إلا أن حاولوا أن يخلصوا مواقع الأمن الوقائي من رجال فتح الذين سعَوا في الأرض فسادًا وخرجوا عن مهمَّتهم الأصلية، وهي نشر الأمن والأمان للشعب الفلسطيني إلى البطش والتنكيل بكل قوى المقاومة الشريفة الوطنية، فكأنهم عصا المحتل الغليظة على المقاومة والشعب.

 

ولذلك فإن مصطلح الإمارة الإسلامية لا دخْلَ لحماس في إطلاقه، ولا يعبر حقيقةً عن خطٍّ سياسيٍّ بارز في أهدافها؛ إذ هي تعمل لفلسطين ككل، وتهدف لإعادة تراب فلسطين محررًا من يد الصهاينة، ولا تعمل لغزة فقط أو لإمارة فيها، وإنما كان قصدُ مَن أطلقوا ذلك إحداثَ نوعٍ من التخويف للعرب جميعًا ولمصر بصفة خاصة؛ حيث لم يفُتْ أصحاب الفكرة الخبيثة استدعاءُ تجربة "طالبان" في أفغانستان، وما انتهت إليه من تدخل أمريكا وقوات حلف الناتو، وما أحدثه ذلك من دمار ما زال يلحق بكل شيء في أفغانستان.

 

وحقيقة الأمر أن ردَّ حماس لم يكن موجَّهًا، لا ضد أبو مازن، ولا ضد السلطة، ولا ضد حركة فتح ذاتها، وإنما كان موجَّهًا فقط- كما يذهب الأستاذ فهمي هويدي- ضد مقارّ الأجهزة الأمنية؛ بهدف إخضاعها لسلطة الحكومة، بعد ما فاض الكيل وفشلت المساعي طيلة 15 شهرًا في التفاهم حول الموضوع.

 

وقد فُهِمَ ذلك خطأً، وجرى استغلاله، فتكلَّم البعض عن "انقلاب في القطاع"، وأن ما جرى في غزة يمهِّد لإقامة إمارة إسلامية أطلق عليها البعض- وبسرعة- "حماسستان"، وتطوَّع آخرون فتساءلوا عن الخطر الذي يجري على أمن مصر من إقامة هذه الإمارة؟!

 

لم يكن الأمر يستحق هذه الثرثرة والضجة لاستفزاز النظام المصري، ولم يكن بالخطورة التي يمثلها الكيان الصهيوني الرابض بالفعل على حدود مصر الشرقية، وبأحدث العتاد النووي، هذا هو الخطر الحقيقي.. لا الخطر المتوهَّم.

 

وحماس لها خطُّها المقاوِم الواضح، وبرنامجها السياسي في الحكم إنما يُوظَّف لخدمة هذا الخط، وهو خطٌّ بعيدٌ تمامَ البُعد عن أفكار وتوجُّهات تنظيم القاعدة؛ ولذلك فإن ما صدر من بيانٍ منسوبٍ إلى "محمد خليل الحكايمة" داعيًا إلى ما أسماه نصرة لحركة حماس بارتكاب عمليات ضد أهداف أمريكية أو صهيونية خارج فلسطين.. لعل أهمها أنها دعايةٌ مجانيةٌ لخصوم حماس وأعدائها، وفيه إساءة لحماس، "كما يذكر الأستاذ جمال سلطان، ووصْمٌ لها بأنها مدعومةٌ من تنظيم القاعدة، رغم أنه كلام غير صحيح بالمرة.

 

المهم أنه بعد يوم واحد من بيان "الحكايمة" يبثُّ الدكتور أيمن الظواهري شريطًا يعلن فيه دعمه لحركة حماس رغم أخطائها على حدِّ تعبيره، فهل أصبحت حماس شماعةً جديدةً لتبرير أعمال العنف الجزافية والخطيرة والمجرَّمة شرعًا وخلقًا؟!

 

وساحة الجهاد الجادّ الواقعي مفتوحة في أرض فلسطين، فمن أراد أن ينتصر للقضية فلينصرها في معركتها في أرض الواقع.. في فلسطين، لا بالبيانات ولا بالخطب العصماء الخالية من المضمون والواقع، وكلها تضر بالقضية ولا تنفع، فلنترك هذا العبث.

 

وقد أعقب أحداث غزة قمة رباعية شارك فيها الإرهابي "أولمرت"، وهو المستفيد الوحيد من هذه القمة، أما الشعب الفلسطيني فلم يجنِ شيئًا، ولا مخرج من هذه الأزمة إلا بالعودة إلى المصالحة بين الفصيلَين حماس وفتح، والعمل على رأب الصدع، وتضميد الجرح، والجلوس معًا لا غالب ولا مغلوب (كما عرضت حماس)؛  لمصلحة القضية الأصلية فلسطين.

 

فالصهاينة يغتالون الشعب صباح مساء، ويستمرون في الاستيطان والتهويد والقتل والاعتقالات والاغتيالات وتدمير مقارّ السلطة، وأبو مازن يجلس مع أولمرت ويعانقه ويأخذه بالأحضان، ولكن يرفض أن يجلس مع حماس، ويصفها بما ليس فيها، وهو يعلم أنه غير صادق.

 

وكل يوم يمر يُفتضح أمرُ أعداء حماس ومن وراءهم من الخط الصهيو أمريكي والعملاء، ونجد مِن الكتَّاب من يتناول القضية بإنصاف، ومن هؤلاء الأستاذ كمال خليل اليساري المعروف، فيذكر أن ما فعلته حماس مجرد جنحة إلى جانب جنايات فتح، وخاصةً قوات محمد دحلان، وأن مخطط استئصال المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها تحت حجة مقاومة الإرهاب يستهدف المقاومة اللبنانية والعراقية، ويرتكز في فلسطين على عملاء الداخل الفلسطيني المزوَّدين بالأموال والسلاح والمعدَّات طوال الأعوام الماضية من قِبَل الإدارة الأمريكية والصهيونية ورجال الحكم والمخابرات في دول الجوار.

 

وهكذا يتبلور الواقع وتتضح صورة المأساة أكثر وأكثر أمام المقاومين وأمام الرأي العام في كل مكان.

 

ولنا كلمة أخيرة أيضًا ولن نملّ..

هؤلاء المعتقلون القابعون في سجن برج العرب وغيره من سجون مصر على ذمة انتخابات مجلس الشورى الأخيرة، التي انطوت صفحتها وأصبحت في ذمة التاريخ.. ما ذنب هؤلاء؟ وما جريرتهم؟ ومن يتحمَّل مسئولية حبسهم طوال هذه المدة أمام الله أولاً ثم أمام الناس والتاريخ ثانيًا؟!