لأمرٍ ما فرَّقت أحكام الشريعة بين القتل العمد والقتل الخطأ، لكنها عدَّت كلا النوعين في النهاية خطأ، ورتبت عليهما من العقوبات والكفارات ما هو كافٍ في غل أيدي القاتلين، وصيانة حرمات الدماء، وتأمين حيوات الناس، ولا حياةَ للناس مع موت العلوم.

 

والدعوة إلى نبذ هذا النحو واطَّراحه واغتياله داخلة تحت أحد هذين النوعين، لكننا نفهم من دعوة الأستاذ الكريم عبد البر علواني في مقاله "هذا النحو لا نحتاجه" أنه قتل وينبغي أن يُصنَّف في إطارٍ من الخطأ الذي قاد إليه شيءٌ من تلبيسات جرَّتها أزمة اللسان العربي المعاصر على ألسنة الناطقية، وتهويمات فجَّرتها سخرية الأدبيات الإعلامية والدرامية من نفوس المعلمية!

 

وخطورة المقال الذي نُعلق عليه تكمن في أن صاحبه قد عايش الأزمة وبعض ملابساتها، وعاين المشكلة وبعض توابعها فكان ما كان من دعوة هو فيها أشبه شيءٍ بداعية القتل الرحيم الذي استبدَّ به مرأى صديقه المريض استولى عليه العذاب الأليم، فسوَّلت له نفسه قتله!

 

وليس يصح إهمال الدعوة وهي جليلة خطرة، بدعوى شيوعها ولا يصح كذلك تسفيه أمرها؛ لأن المشكل الذي أدَّى إليها كبير وجليل أدخل في باب الخلط في مسائل علمية لسانية منها في أي شيءٍ آخر.

 

خطأ الاستدلال على شرعية الاغتيال

ومكمن الخطأ هو تصور أن النحو سبيل إلى إقامة اللسان، وصقل الملكة، وتدريب الحاسة النطقية، وهو الذي جر نَقَدَة النحو إلى نقده، والتثريب على معالجاته، وتعاطيه، ولو أن هذه الأدبيات النقدية، وهذا المقال الذي نعلق عليه عتابًا ولومًا- منظوم في سلكها محشور في زمرتها- أخلصت نظرتها للنحو في مفهومه الرشيد الذي كان يوم كان القرآن هو عمود الصورة في ثقافتنا يتوخى الكشف عن أسرار تعبيره، وبيان ما تضمنته أساليبه من معان، والبحث عن طرائق أدائها- لاستقام الطريق ولاتضحت المحجة.

 

 

إن القواعد النحوية لأزمة لعمل الكاشفين عن كنوز النصوص، وللتدليل على الاستنباطات التي يقوم عليها المستنبطون.

 

والقاعدة النحوية بعد ذلك كله كالقاعدة الفقهية، والقاعدة الأصولية آلات في أيدي أصحابها تُعين على ما يطمحون إلى الكشف عنه، واستنباطه.

 

لقد كان من فطنة الشاطبي (المتوفى سنة 790 هـ) في الموافقات أن جعل النحو بمفهومه الرشيد، سالكًا في هذا المفهوم ضرورة معرفة قواعده مطلبًا من مطالب الأصول في الشريعة، محكمًا المقاصد التي يسعى إلى تحقيقها، مقررًا أن الشريعة مبنية على مقصد التفهيم، وليس يصح تفهيم من غير فقه القاعدة النحوية، وليس يصح فقه القاعدة النحوية دون الإلمام بها، وتحصيلها.

 

سبيل إقامة اللسان

والذين يطمحون إلى تكوين الملكة اللغوية في اللسان، وصقلها بلوغًا إلى لسان ذَرِب، غير عييٍّ ولا بَكِئ لا يكون عن طريق اغتيال النحو، أو الدعوة إلى اغتياله والذين سعوا في هذه الطريق أخطأوا السبيل إلى تحقيق غايتهم.

 

وفقهاء اللغة وعلماء اللسانيات يدرسون في باب السليقة مشكل إقامة اللسان، وتكوين الملكة اللسانية، وهو أمر يضرب في اللسانيات العامة بسهم وفي اللسانيات التعليمية بسهمٍ آخر، على أن المهم هنا هو أن السليقة وهي المرادف لما يُسمَّى في اللسانيات في مجال اكتساب اللغة- بالملكة وتدريبها وصقلها لا تتكون إلا بالسماع الواعي المقصود، وغير الواعي للنصوص الصحيحة الفصيحة ثم يفعل العقل فعله بالتذكر والاسترجاع، وصولاً إلى الإتقان وبلوغ الغاية، وكل ذلك مجموع في النصيحة القديمة التي لم يأتِ عليها ما يُغيرها، أو يعفي عليها، وهو سبيل حفظ النصوص الراقية، وهو ما سمَّاه ابن خلدون في مقدمته بمبدأ السماع.

 

والتجارب الواقعية تثبت أن الذين أدمنوا سماع الصحيح الفصيح هم الذي ا