- اسم الكتاب: "إسرائيل" والمشروع النووي الإيراني
- المؤلف: مجموعة من المؤلفين
- ترجمة: أحمد أبو هدبة
- الناشر: مركز الدراسات الفلسطينية- بيروت/ مكتبة مدبولي- القاهرة
- تاريخ النشر: الطبعة الأولى 2006م
- عدد الصفحات: 200 صفحة من القطع الكبير
عرض وتحليل: أحمد التلاوي
الكيان الصهيوني هذه الأيام فوق صفيحٍ ساخنٍ بسبب مجموعةٍ من الملفات السياسية والأمنية التي تضع الكيان في اختبارٍ ربَّما لم يمر به منذ الانتصار العربي الكبير في حرب رمضان/ أكتوبر عام 1973م؛ ويزيد من وطأة هذه الملفات على ذهنية ونفسية صانع القرار الصُّهيوني أنَّ التهديدات الموجودة في طيَّاتِ هذه الملفات تعتبر جديدةً في نوعها على الكيان الصهيوني فهي مرتبطة- أولاً- بتهديداتٍ نوويةٍ وصاروخيةٍ محتملة من أعداء الكيان الصهيوني الرسميين- المقصود هنا حكومات ودول- في سوريا وإيران، وهو أمرٌ لم يواجهه الكيان الصهيوني عبر تاريخ الصراع العربي- الصهيوني.
ثانيًا: إنَّ هذه التهديدات مرتبطة بنوعيَّةٍ جديدةٍ من الأعداء الحقيقيين للكيان الصهيوني دون مستوى الدِّول، أو ما يُعرف باسم الجماعات السياسية الأصغر حجمًا أو ما دون مستوى الدَّولة، ولكنها تحظى بالدعم السياسي- وأحيانًا اللوجستي- من جانب الأعداء الرسميين للكيان.
ويعتبر الملف النووي الإيراني أحد هذه الملفات المعقدة التي تواجه العدو الصهيوني على ارتباطها بهذه المجموعةِ من التهديدات؛ فإيران تمتلك من التجهيزات التي تؤهلها لأنْ تكون هذه المهدِّد الرئيسي للكيان الصهيوني سواء بالصواريخ متوسطة وبعيدة المدى التي تملكها من عائلات زلزال وشهاب، والتي من الممكن أنْ تتحوَّل من صواريخ تقليدية إلى صواريخ نووية في أيةِ لحظةٍ حال إتمام طهران لمشروعها النووي العسكري الذي تزعمه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
كذلك يرتبط هذا الملف بموضوع الجماعات السياسية الأصغر حجمًا من مستوى الدولة في ظلِّ الدعم الإيراني لحزب الله اللبناني والذي ساهم- هذا الدعم- في جزءٍ كبيرٍ من الانتصار العسكري الذي حققه الحزب في حرب صيف العام الماضي 2006م مع الكيان الصهيوني.
ومع ارتباط الملف النووي الإيراني أيضًا بمجموعةٍ من المشكلات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط من وجهةِ نظرِ الكيان الصهيوني والولايات المتحدة- مثل أمن الطاقة وأمن الخليج العربي وقضية القاعدة وارتباطاتها بما يُعرف باسم "الإرهاب الدولي" وغير ذلك باتت قضية "إيران النووية" هي الشُّغلِ الشَّاغل للدوائر الأمنية والعسكرية وكذلك السياسية والبحثية داخل الكيان الصهيوني.
والكتاب الذي بين أيدينا الآن يحاول أنْ يقدِّم صورةً واضحةً للنقاشات الدائرة داخل المؤسسات الصهيونية البحثية والأمنية الصهيونية حول الملف النووي الإيراني من جهة طبيعة الفهم الصهيوني لهذه القضية، وقناعات الطرفَيْن؛ الإيراني والصهيوني إزاء هذا الملف وسياقاته السياسية والأمنية الأوسع، والخيارات التي تضعها القيادات العسكرية والسياسية الصهيونية للتعامُل مع "التهديد النووي الإيراني".
وفي هذا أورد الكتاب مجموعة من الدراسات الصادرة عن بعض مراكز الأبحاث الصهيونية الكبرى مثل مركز يافا ومركز بيجين- السادات للدراسات الإستراتيجية التي تعطي نظرةً موسعةً على الكيفية التي يقيِّم بها الصهاينة المستوى الذي وصلت إليه "إيران النووية" في مشروعها، وحقيقة أهداف طهران من وراء تطوير برنامج نووي أيًّا كانت هويته؛ سلميًّا أم عسكريًّا، مع بعض الإشارات حول الوضع السياسي الداخلي في إيران في محاولةٍ من جانب الصهاينة "لقراءة حقيقة النوايا الإيرانية، ومدى قدرة النظام الإيراني وسيطرته على الوضع الداخلي لاتخاذ قرارٍ نووي في مرحلةٍ ما من المستقبل".
كما أورد الكتاب عددًا من المقالات الصحفية المنتقاة من الصحف الصهيونية الكبرى- مثل الـ(هاآرتس) والـ(جيروزاليم بوست)- في محاولةٍ لتحليل اتجاهات الرأي العام والوضع النفسي للجمهور الصهيوني، في ظلِّ اعتبارَيْن رئيسيَّيْن؛ أولهما ما أثبتته الدراسات النفسية ودراسات الرأي العام في شأن أهمية متابعة عناوين الصحف في تحليل الواقع السيكولوجي لأيِّ مجتمعٍ.
والاعتبار الثاني أنَّ الصحافة الصهيونية تُعتبر بمثابةِ مرآةٍ دقيقةٍ للغاية للاتجاهات العامة داخل المؤسسة الأمنية- العسكرية الصهيونية على اعتبار السيطرة الكاملة لجهاز الرقابة العسكرية الصهيوني على العمل الإعلامي هناك؛ بحيث يكون أي مقالٍ أو تحليلٍ إخباريٍّ لا بد أن يكون مُوافَقًا عليه من جانب جهاز الرقابة العسكرية.
تحريضٌ وعجزٌ
على غرار ما جرى في النموذج العراقي يلعب الكيان الصهيوني في الوقت الراهن دور المُحرِّض ضد إيران في الدوائر الغربية بزعمِ وجود طموحات كبيرة لدى طهران لإنتاج سلاحٍ نووي تحت غطاء برنامجها النووي السلمي.
ولكن الكيان الصهيوني يواجه في هذا الإطار مشكلاتٍ كبيرة في التعامُل مع المجتمع الدولي- باستثناء الولايات المتحدة طبعًا- في هذا الموضوع، وأوَّل هذه المشكلات هي بطلان المزاعم الأمريكية- البريطانية حول نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وإستراتيجيته النووية في ظلِّ الحظر الذي كان مفروضًا على العراق، والمشكلة الثانية أنَّ النظام الإيراني نظام قوي في بلدٍ قوي تربطه علاقاتٌ متينة مع قوى العالم الخارجي بما فيه روسيا وأوروبا، وكلا الطرفَيْن أبدى في الفترة الأخيرة رغبةٍ كبيرة في التمرُّد على السياسة الأمريكية.
كما إيران ذات السبعين مليونًا من الأنفس غالبيتهم العظمى من ذوي انتماءاتٍ عرقيةٍ ومذهبيةٍ واحدة، وذات القوة المسلحة الكبيرة والعمق الجغرافي الضخم، تختلف تمامًا عن عراق صدام حسين المحاصر والمنقسم.
ومن هنا فإنَّ التحريض الصهيوني على الخيار العسكري ضد "إيران التقليدية" لمنعها من التَّحوُّل لـ"إيرانٍ نوويةٍ" ليس بالسهولة التي يتصورها صانعو القرار الصهاينة؛ لأنَّه أيضًا حتى لو رغبت الولايات المتحدة في تبني ذات الخيار فإنَّ كارثة العراق بملايينه الخمسة والعشرين ستجعل من الهجوم على إيران بمثابة انتحار للأمن القومي الأمريكي حتى ولو اقتصر الموضوع على ضرباتٍ جويةٍ؛ لأنَّ مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ستصبح وقتها مكشوفة تمامًا أمام القوات الإيرانية في الخليج والعراق، مع الاستعداد الكامل لحلفاء إيران في المنطقة والعالم من حكوماتٍ وجماعات للانتقام من المصالح الصهيونية والأمريكية.
كما أنَّ موارد إيران وعلاقاتها ومصالحها الخارجية تجعل من خيار العقوبات بدوره خيارًا غير فعَّال؛ فحتى لو استجاب الروس والأوروبيون للضغوط الأمريكية في هذا الشأن ستظل أبواب الصين وفنزويلا وبعض دول العالم العربي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية الأخرى مفتوحة أمام المنتجات الإيرانية، وكذلك ستساعد طهران كثيرًا في مشكلة عَوَز الوقود التي تعاني منها.
الرعب الصهيوني
من خلال قراءة مجموعة الدراسات التي أوردها الكتاب والتي وضعها مركزا يافا وبيجين- السادات للدراسات الإستراتيجية يتضح أنَّ الهاجس الأكبر في ذهنية الباحث وصانع القرار الصهيوني هو البحث في مسألة المستوى الذي وصلت إليه إيران في مختلف الأنشطة والمجالات النووية، سواءً فيما يتعلَّق بالأبحاث وبعملياتِ تخصيبِ اليورانيوم وما يتعلق بها في صددِ تشغيل أجهزة الطرد المركزي التي تنتج اليورانيوم المُخصَّب، أو بالأنشطة الخاصة بأعمال البناء في المفاعلات والمصانع النووية الإيرانية، وأخيرًا وهو الأهم مدى قدرة طهران على إنتاج أسلحةٍ نووية، والمدى الزمني المطروح في هذا المقام.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ أهم مَن كتبوا في هذا الاتجاه- وعلى رأسهم إفرايم أسكولاي وإميلي لانداو- عرضوا مجموعة من التقييمات التي توضِّح وجود حالةٍ من عدم اليقينية داخل الكيان الصهيوني فيما يتعلَّق بالمستوى الذي وصلت إليه إيران من مستوى "العتبة النووية" أو مرحلة اللا عودة بتعبير المتخصصين.
ولعل حال عدم اليقينية هذا غير قاصر على التقديرات الصهيونية فحسب بل يمتد إلى مستوى التقارير الأمريكية ذاتها، وهو الأمر الذي يزيد من "حالة الرعب" النووي الراهنة داخل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ فعدم اليقينية أساسًا مرجعه عدم وجود مصادر حقيقية لواشنطن وتل أبيب داخل إيران، مما يعني ضعف المعلومات المتوافرة؛ مما يجعل الأمريكيين والصهاينة متخوِّفين من احتمال الاستيقاظ على أنباء إعلان إيران عن وصولها للعتبة العسكرية النووية.
المشكلة الأخرى التي تواجه الصهاينة في هذا المجال هو قصور دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ فالوكالة في عهد الدكتور محمد البرادعي لم تلعب ذات الدور الوظيفي التبريري الذي لعبته في الملف العراقي، فالسياسة الإيرانية تصر على حصر ملفها النووي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتبار أنَّ إيران أحد أعضاء المنظمة، وملتزمة تمامًا بما ورد في اتفاقية حظر الانتشار النووي (NPT) وبروتوكولي التفتيش، وحتى عندما يقوم الإيرانيون بتعليق البروتوكولَيْن؛ فإنَّ طهران توقف كافة الأنشطة التي تستوجب استقبال المفتشين الدوليين.
مصالح وأطراف دولية
وبعيدًا عن المناحي الأمنية والعسكرية التي تشغل بال وأولويَّات الكيان الصهيوني فيما يخص الملف النووي الإيراني؛ فإنَّ هناك جانبًا آخرَ في هذا الإطار يشغل ذهنية صانع القرار الصهيوني في مسألة المواجهة الحالية مع إيران؛ وهو ملف المصالح والأطراف الدولية المرتبطة بإيران وبملفها النووي؛ فأي تحرُّكٍ أمريكي أو صهيوني لنقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي قوبل أولاً بمعارضةٍ دولية كبيرة لا سيما من أوروبا والصين وروسيا، فكيف سيكون الحال لو أراد الأمريكيون والصهاينة ضرب المفاعلات الإيرانية؟
ولعل هذا أحد جوانب الذكاء الذي أدارت به طهران اللعبة السياسية المصاحبة لنشاطها النووي؛ فهي عمدت إلى تهدئة خواطر الأطراف الدولية الفاعلة في الأزمة والقابلة للحوار، كما تعمَّدت هذه المرة ربط نفسها بسلسلةٍ من المصالح الاقتصادية وبالذات في مجال الطاقة مع دول العالم الخارجي بما فيها قوى أوروبية فاعلة مثل ألمانيا.
وأبرز الأدلة التي توضح تملُّك إيران لمفاتيح اللعبة السياسية والدبلوماسية في هذا الإطار الشهادة التي قدمتها بعض الصحف الصهيونية لبعض المحللين السياسيين الإيرانيين حول هذا الأمر، وأبرز هذه المقالات تلك التي نشرتها صحيفة الـ(جيروزاليم بوست) في 15 فبراير 2006م للكاتب والصحفي الإيراني المقيم بباريس أمير طاهري- وهو محرر في دورية (السياسة الدولية) الفرنسية-، وكان عنوان المقال: "مركز العاصمة: طهران تكتب السيناريو والولايات المتحدة تتبعه".
وفي مقاله هذا أكد طاهري على مجموعة من الرهانات الناجحة للحكومة الإيرانية من بينها بناء سلسلةٍ من التحالفات الإقليمية- مع سوريا وحلفائها في لبنان أساسًا- وهي تحالفاتٌ أساسها سياسي، والتحالفات الدولية، وهي تحالفاتٌ أساسها اقتصادي، مع المراهنة على الصمود حتى انتهاء فترة الرئاسة الثانية للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن.
في المقابل يقول المحللون الصهاينة بحسرةٍ حقيقيةٍ إنَّ الكيان الصهيوني لا يوجد أمامه بالمقابل إلا أنْ يثق ويتحالف مع الأمريكيين!!، ومرجع الحسرة لدى الصهاينة يعود إلى أنَّ الطرف الأمريكي يبقى عاجزًا أمام إيران في ظلِّ ما يجري من أحداثٍ في العراق، وفي ظل الأزمات المُتعاقبة الداخلية التي تواجهها الإدارة الأمريكية ويواجهها مشروع الجمهوريين الجُدد برمته بعد سلسلة الجرائم والحماقات التي التصق بها في العالم بأسره.
الأزمة الأمريكية انعكست على تقارير المخابرات الأمريكية التي باتت تعكس وجهة نظر جيدة للغاية في صدد أنَّ إيران لا يزال أمامها فترة طويلة قبل الوصول للعتبة النووية، وبينما تتحرَّك واشنطن ببطء وهدوء الضامن لأمنه القومي حتى لو امتلكت إيران أسلحة نووية يبدو الصهاينة وكأنهم ينتظرون خارج حجرة الجلاد، بينما هذا الأخير يستعد للنداء عليه لكي يدفع الصهاينة ثمن جرائمهم.