تتوالى الأحداث وتتتابع المواقف على ساحتنا السياسية المصرية لتكشف النقاب عن الوجه البَشِع لأصحاب الأقلام المسمومة التي باعت ضمائرها وعصَّبت عينيها بحب الوصول لرضا أصحاب القرار والسلطة، ولعل ما شهدناه على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية من هجمة شرسة منهم على حركة المقاومة الإسلامية حماس خيرُ دليلٍ على عدم حرصهم على مصلحة الوطن وأمنه القومي.
فقد استلَّ هؤلاء أقلامهم وأشهروها كالقنابل عندما استشعروا مجرد استشعار بعدم رضا الرئيس مبارك ونظامه عن خطوات الحسم التي قامت بها حماس، فما كان منهم إلا أن أطلقوا العنان لأقلامهم محذِّرين من "الإمارة الظلامية" على الحدود المصرية، مطالبين أصحاب القرار بسرعة إنقاذ مصر من المدِّ الإخواني، وتعضيد موقف فتح (بصرف النظر عن حقائق الأمور)، بل وصل الأمر بأحدهم في صحيفته الأمنية أن طالب الرئيس بإعلان الجهاد المقدَّس على كل ما هو سياسي ذو مرجعية إسلامية، وطالب بعضهم بإعلان لحظة الحسم في تجفيف منابع "البعبع الإسلامي"! وتوالت أفكار الذبح والسلخ من سلخانة كذابي الزفَّة لتضعنا أمام مجموعة من الحقائق الجديرة بالانتباه لها ومنها.
إن هذه الشرذمة من كتَّاب السلطة لا يضعون أيَّ حساب لمصلحة الوطن والأمة، مؤكدين بما يكتبونه بمداد أقلامهم استهتارهم بالأمن القومي, وأنَّ جلَّ حِرصهم ينصبُّ على التملُّق وركوب الموجة؛ عسى أن ترمي إليهم الرياح بما تشتهيه سفينة التطلعات، سواءٌ بمقعد في مجلس الشورى أو الشعب أو حتى قيادة مؤسسة صحفية حكومية.
إن هذه المجموعة استطاعت بجدارة أن تُريق ماء وجهها المهني والصحفي، فنجدها في وقت رضا النظام على أيٍّ مَن كان تخرج علينا أقلامُهم تقطر مدحًا وتعظيمًا، وفي حالة انقلاب النظام على نفس المجموعة نجد أقلامهم تعلن عليهم حربًا لا هوادةَ فيها، واسمحوا لي أن أضرب لذلك بعض الأمثلة.
فعندما قرَّر الرئيس مبارك ونظامه تعميم الإشراف القضائي على الانتخابات البرلمانية خرج كذابو الزفة مهلِّلين شاكرين، معلنين أن مصر بهذه الخطوة سطرت بحروف من نور بداية مشوارَها الديمقراطي، وعندما بدأ تنفيذ الإشراف القضائي ازداد هؤلاء مدحًا في نزاهة قضائنا، مؤكدين نجاح التجربة، ومعزِّزين فرحة الشعب المصري بها، وعندما استشعر النظام أن الإشراف القضائي أصبح بالنسبة له انكشافًا سياسيًّا غير مسبوق وعبئًا لا يطيق حمله ولا بد أن يرفعه عن عنقه خرج نفسُ الأشخاص بنفسِ أقلامهم المستعدة لتغيير ثوبها في أي وقت (رافعين شعار نحن جنودك يا نظام)، مؤكدين أن الأوان قد آن لتنزيه القضاء عن اللعبة السياسية، بل أعلنوها معركة حياة أو موت على القضاة عندما حاولوا التمسك بحقهم في الإشراف على الانتخابات.
والمثل الثاني الأكثر وضوحًا موقف هؤلاء من الحركة الإسلامية حماس، فخلال العلاقات الوديَّة بين النظام وهذه الحركة كان كذابو الزفة يصفون الحركة بكل صفات الجهاد والمقاومة والنضال والدفاع عن ثوابت الأمة، ولكن عندما انتهى ودّ النظام لها انقلب هؤلاء عليها، واصفين إياها بالانقلابية والظلامية والتطرف والإرهاب، بل طالب بعضهم بمدِّ يد التعاون "لإسرائيل" من أجل التخلص من هؤلاء الظلاميين!!
لقد بات جليًّا أن كذَّابي الزفة أصبحوا وبالاً على وطننا ولو كان هناك بقية عقل عند نظامنا لتخلص منهم كما يُفعل بخيل الحكومة الطاعنة في السنِّ، وما دمنا أمام نظام يعشق هذه النوعية ويغدق عليها العطايا والهبات، فعلينا كمصريين أن نفضح هؤلاء الذين عمروا برامج "البيت بيتك" و"حالة حوار" وغيرهما من البرامج التي على شاكلتهما، وأن نعلنها صريحةً أننا نرفض فوضوية النفاق التي أغرقت وطننا في بحر من الفساد والديكتاتورية والهموم.
ولك الله يا وطننا، فما بكى عليك إلا المخلصون والعاشقون لك، الذين يدفعون من حريتهم ثمنًا لحبهم.