في ظل الكساد الاقتصادي والأزمات الطاحنة التي يعاني منها المجتمع يجب أن نسأل أنفسنا ماذا يمكن أن نُقدِّم لغيرنا، فالمجتمع المسلم مجتمع تكافل وتراحم، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، ومن صور التكافل الطيبة التي اتجه إليها البعض من أهل الخير لمساعدة الفتيات والشباب المقبلين على الزواج ما رصدناه في هذا التحقيق:

 

أم عبد الله- مسئولة إحدى لجان الزواج بالقاهرة- وجدت الكثيرَ من حالات غير القادرين على إتمام زيجاتهم بسبب الماديات ممن يتقدمون إلى المسجد طالبين المساعدة، وفي المقابل يتمنى الكثير أيضًا من الناس أن يدخروا لأنفسهم صدقةً جاريةً ينتفع بها في الدار الآخرة بعد موته، مصداقًا لقول النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"، لكن إمكانياتهم المادية متواضعة لا تصلح لوقفها على مشروعٍ خيري يحتاج مبالغ كبيرة، وتيسيرًا لهذا العمل أمام الراغبين في الصدقة الجارية طرحت أم عبد الله فكرة الأسهم في الصدقة الجارية لتزويج أحد الشباب أو الفتيات، وفتح بابٍ ميسر يستطيع كل مسلم من فئاتٍ كثيرةٍ في المجتمع المساهمة فيه مما يكتب له الثواب عند الله عز وجل في حياته، ويستمر بعد وفاته، وبعد تجميع هذا المبلغ لدى أختٍ موثوقٍ فيها، تتم مساعدة العريس أو العروس في صورة قرضٍ حسن حتى يستطعن مساعدة أكبر عددٍ ممكن من المحتاجين.

 

وقد يرد المقترض المبلغ دفعةً واحدةً وقد يُسدده في صورةٍ شهريةٍ تيسيرًا لسدادها، وقد لاقت هذه الفكرة إقبالاً متزايدًا من الراغبين في إدخار صدقة جارية تنفعه يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ووضعن حدًّا أقصى لما يحصل عليه كل شخص بحيث لا يزيد عن ثلاثة آلاف جنيه، والمدة التي يسدد خلالها لا تزيد عن سنتين، وبدون فوائد، ويمنح القرض بترتيب الأكثر حاجةً.

 

قرض حسن

ونفس فكرة القرض الحسن للمقبلين على الزواج من الشباب والفتيات نفَّذها أحد الأغنياء الذي يرفض ذكر اسمه حتى يكون عمله خالصًا لوجه الله عز وجل؛ إذْ تسمح إمكانياته المادية بأن يجعل جزءًا من رأس ماله للقرض الحسن يمنحه للمقبلين على الزواج من الفقراء والمحتاجين بدون فوائد واسترداده حين ميسرة، وهو يرى أن للفقراء على الأغنياء حقَّ إعانتهم على العفاف، بل هو حق للمجتمع أيضًا؛ لأن تحصين الشباب والفتيات يحفظ المجتمع من الفساد.

 

جمعية مدى الحياة

وتقول سيدة خليل- مسئولة إحدى لجان الزواج- لقد كانت تعرض علينا حالات تحتاج إلى المساعدة المادية لإتمام زيجاتهم، وأحيانًا تفسخ اتفاقات قبل إتمامها بسبب عجز أحد الطرفين عن الوفاء بالتزاماته لضيق ذات اليد، ففكرتُ مع بعض الأخوات في تكوين جمعية مدى الحياة، الحد الأدنى لقيمة السهم فيها عشرة جنيهات، ويزيد حسب المساهم وتضم كل مَن يرغب في المساهمة فيها من الأهل والمعارف والجيران ويزيد عددهم على خمسين والباب مفتوح للاشتراك في أي وقت، فيتوفر لدينا مبلغًا شهريًّا لا يقل عن ألف جنيه، وقد يزيد أحيانًا، وهذا المبلغ نُساهم به في تجهيز المحتاجين.

 

تبرع أهل الخير

وتقول الداعية إيناس عبد العزيز: إن حالات الناس تحت خط الفقر قد زادت، فهناك الكثيرون الذين لا يملكون أقل شيء يمكن أن يتزوجوا به، وأهل الخير يقبلون على هذا العمل من الطاعات؛ لأنهم يعتبرونه صدقةً جاريةً فيطلب بعض الناس أن يكفلوا نفقة زيجة كاملة بنية تأسيس بيت مسلم وتحصين شاب وفتاة، وسبحان الله ما أن تظهر حالة تحتاج مساعدة إلا وترق قلوب أهل الخير لحالها فتأتي التبرعات من هنا وهناك، وأحيانًا يأتينا مَن يسألون عن حالات زواج تستحق المساعدة ليتصدقوا عليها، ونُفضِّل عدم إعطاء الصدقة مالاً بل نشتري بأنفسنا الأساسيات المطلوبة قبل الزفاف وبعد تحديد الموعد؛ لأنه هناك زيجات تفسخ قبل إتمامها ويستعمل أهل البنت جهازها أو يبيعونه لضيق ذات اليد.

 

وعندما لا تتوفر لدينا أموال صدقات، نعرض الحالة على مَن نعرف من أهل الخير ونجمع المبلغ المطلوب، وبعض الشباب أو الفتيات يطلبون مبلغًا على سبيل الاقتراض أو يطلبون شيئًا من الأساسيات ينقصهم فقط، وقد يتصدق أهل الخير بالجهاز أو جزء منه وبعض المحال التجارية التي نتعامل معها يتصدق أصحابها بربحهم في البضاعة التي نشتريها للعروسين أو بجزءٍ من الثمن الأصلي للبضاعة بعد أن نخبرهم بأنها صدقة للمضطرين، ونفضل أن يذهب بعض المتبرعين إلى بيوت المستحقين المساعدة ليعانوا بأنفسهم تلك الحالات التي لا نساعدها إلا بعد دراستها والتأكد من ضيق ذات اليد.

 

ومما يسر النفس أن يتبرع أهل الخير بجزءٍ من مستلزمات البيت التي لم يستعملوها وقد جاءت عرائس تبرعن بجزءٍ من المفروشاتِ والأواني الجديدة ولم يمض على زواجهن أكثر من أشهر يرفضن أن يحتفظن بما يكفيهن عدة سنوات، وهناك مَن لا تجد الضروري الذي تتزوج به.

 

أحمد سيد- صاحب أحد محال الأقمشة والملابس والمفروشات- يتبرع بجزءٍ من بضاعته للمحتاجين من المقبلين على الزواج، وآخر يمتلك مصنعًا يُخرج زكاة ماله من أرباح المصنع من الملابس للمحتاجين والعرائس وكذلك الصدقات، وأسماء تصنع العباءات للمحجبات تخرج صدقة كل شهرٍ في صورة عباءة أو أكثر من إنتاجها للعرائس الفقيرات.

 

وتقول أم عبد الله- مسئولة إحدى لجان الزواج-: إن الله عز وجل إذا كان قد ابتلى بعض الناس بقلة المال، فقد ابتلى آخرون بكثرته، وهو لهم من الله اختبار فلينظر كل منا كيف يعمل؟ فالله تعالى هو المالك الحقيقي للمال وصاحبه وهو ليس أكثر من عامل عنده مستخلف على ماله فيقول عز وجل: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: من الآية 7)، وأرشدنا لكيفية التصرف فيه فقال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)﴾ (القصص).

 

ومفهوم النفع ليس مفهومًا فرديًّا إنما مرجعه إلى الأمة، فيجب أن يُنفَق ولو جزء من المال فيما فيه مصلحة الأمة، وبهذا يسد الخلل وتقضي الحاجات، وهذا السلوك هو الطاعة التي يؤجر عليها فاعلها في الدنيا والآخرة، ومن الحاجات الضرورية الزواج، خاصةً في هذا العصر؛ حيث أحاطت الفتن بالشباب والفتيات، ولا شك أن في حرصنا على تحصينهم خيرًا للمجتمع كله؛ لأننا إن لم نُحصنهم بالحلال فسينشغلوا بالحرام، وتنتشر المفاسد في المجتمع، ومن الضروري أيضًا أن يكف أهالي البنات عن الطلبات الكثيرة ويدركوا أن الكثير من الشباب فقراء، فهذا الجيل أمامه تعقيدات وعقبات مختلفة، والبنات أيضًا يجب أن يُغيِّرن مفاهيمهن وإلا لن يتغير الواقع، فليس من الضروري أن يكون العريس جاهز بكل شيء؛ لأنه من الصعب أن يتوفر للشاب، فأغلب مَن يبحثون عن عروسة، إما أقل من 25 سنةً وهم الذين يستطيع أولياء أمورهم تزويجهم بعد، أو أكثر من 25 سنةً، وقد يصلون إلى الأربعينيات، وهم الذين يعتمدون على أنفسهم ماديًّا، والبنات اللاتي ترفضن العرسان بحجة انتظار فرصة أفضل ماديًّا عندما يفوتها قطار الزواج تندم وترضى بأي عريس.

 الصورة غير متاحة

 الشيخ محمد عبد الله الخطيب

 

ويقول فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب إنه إذا وُجد أغنياء يساعدون الشباب فهذا فضل كبير وأجر عظيم؛ حيث يمنعون بهذا التكافل فتنة الشاب الأعزب، وفتنة الفتاة خاصةً إذا تقدما في السن، وعمل الأغنياء هنا طيب ومقبول عند الله بإذنه تعالى، ففي عهد النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- كان كل مال موجود في بيت المال يُعان منه من أراد الزواج أو بالقرآن أو خاتم، فقد قال النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لأحد الصحابة لا يجد ما يتزوج به: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، والمقصود أي شيء يتم به الأمر.

 

ويحث الشيخ الخطيب الأزواج على ألا يعقدوا الأمور ويكفيهم أقل شيء كما يحث الآباء على التساهل مع أزواج بناتهن؛ لأن أكثر الشباب المقبل على الزواج إمكانياته بسيطة، حتى يُيسر الله عز وجل الأمر، وهذا هو منهج الإسلام، ففي الثمانينيات كانت زيجات تتم بحجرة واحدة.

 

ولا يشترط أن تُملأ الشقة بالأثاث، وتلك كانت بيوت الكثير من الصحابة، التي خرج منها أعظم المجاهدين والمدافعين عن الإسلام، لكن الاهتمام بالشكليات والتكلُف في الماديات غير مطلوب شرعًا، ويمكن حل أزمة السكن بمساعدة أهل الزوجة- فقد رأيتُ أسرةً ملتزمةً، والديّ البنات يضعان سريرًا في حجرة استقبال الضيوف، وبناتهما متزوجات كل واحدة في حجرة، ثلاث عائلات في شقة واحدة، فسألتهم ألا تحدث مشاكل أو خلافات فوجدتهم متعاونين ومتفاهمين ومتوادين.