من الممكن أن نقول الشيخ أو الإسلامي أو المتدين هو مَن يحمل صفاتٍ إسلامية شكلاً وسلوكًا أو فكرًا، وقد مرَّت الصورة التي عرضها التليفزيون المصري عن الملتزم بمرحلتين؛ الأولى عاشتها مصر في فترة ما، وهي الحقبة الناصرية عرفت فيها صورة المتدين أو الملتزم في صورٍ ثلاث، أولها المسلمون الذين كانوا يظهرون في الأفلام التي تعرض لحياة وسيرة الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وكانت أقرب إلى صورة الشحاذين النحيفي الأجساد السمر الوجوه أغلبهم كانوا عبيدًا قبل أن يتم عتقهم يلبسون ملابس بيضاء، ولو أسلم أحد الكفار الأشداء تراه قبل أن يخلع ثياب الكفر يخلع معها ثياب القوة والشجاعة وتراه هادئًا شاردًا في الطرقات يتمتم بكلماتٍ مفهومةٍ أو غير مفهومة!!.

 

الصورة الثانية صورة الشيخ الدرويش وهو دائمًا ما نراه في الأفلام القديمة الرجل العجوز الأشعث الشعر، المغبر الثياب، الذي يعيش منذ دهورٍ طويلةٍ، بينما يموت الأجداد والآباء ثم الأحفاد!!.

 

يتكيء على عصا غليظة، يردد دومًا وهو يمشي في طرقات الحارة عبارات من نوعية "كله رايح منه له" و"ربنا على المفتري"، ودائمًا ينظر له على أنه الشيخ المبروك أو الرجل البركة الذي دائمًا ما يتنبأ بما لا يراه الآخرون من المستقبل، ويعرف أكثر من الآخرين لخبرته في الحياة الطويلة الممتدة ولأنه رجل واصل!!.

 

 
أما الصورة الثالثة وهي أسوأهم على الإطلاق في صورة الشيخ "الموالس" الموالي دائمًا للعمدة أو الباشا أو كبير البلد سيان، المهم أن يكون هناك كبير في البلد يبيع له دينه في مقابل عرضٍ قليلٍ من الدنيا فيحلل ويُحرِّم تبعًا لهوى هذا الكبير!!.

 

وأشهرها تلك الصورة التي عُرضت في فيلم "الزوجة الثانية"، وقام بها الفنان حسن البارودي الذي مثَّل دور الشيخ المنافق الذي ينصح القلاح الفقير أبو العلا المقهور المغلوب على أمره أن يُطلِّق زوجته من أجل أن يتزوجها العمدة الذي يمتلك مقومات القوة والبطش حتى قبل أن تُكمِّل عدتها من باب طاعة أولي الأمر و(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، مقدمة على الحلال والحرام والثواب والأصول!!.

 

وهي نفس الصورة التي قُدِّمت في الفيلم الأشهر في تاريخ السينما المصرية وهو فيلم "الأرض" للشيخ "الموالس" للعمدة، والذي يطفح منه السباب طوال الفيلم، والذي يُكفِّر القوم ذات اليمين وذات اليسار، ولا يأبه أن يبيع دينه بثمنٍ أو بدون ثمن!!.

 

حتى الصورة التي حاول فيها الفيلم أن يقدمها عن الشيخ الأزهري المستنير وقدمها يحيى شاهين والذي يستنجد به أهل القرية لينقذهم من استبداد ابن الباشا واستغلال طمع العمدة، ينسحب في النهاية مؤثرًا بسلبيته وخضوعه للأمر الواقع طالما لم يُمَّس بسوء، وهو بموقفه حسب قص صناع الفيلم يمثل نموذجًا للانتهازية البرجوانية التي تحافظ على موقف وسط طالما لا تخسر فيه سياسيًّا واقتصاديًّا.

 

وتبقى الأغلبية الكادحة الضعيفة المذلولة المقهورة على أمرها ليتم قتلها معنويًّا فيدخلون السجن، وتُهان كرامتهم أو ماديًّا بتدمير ونهب أراضيهم.

 

إن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تأثَّر كلٌّ من المؤلف والمخرج (وهما الصانعان الأساسيان للفيلم) بنموذجٍ ما كان يعيشه الغرب قديمًا في القرون الوسطى وما عاناه من ثالوث الفساد (الملك- الإقطاعيين- الكنيسة) واستغلال الصنفين الأولين للكنيسة في تبرير ظلمهما واستبدادهما في أنَّ الملكَ (وهو خليفة الله في الأرض) وأن أمره يعلو ولا يُعلَى عليه، وإصدار قرارات الحرمان ضد مَن يخالف أوامر الملك وأتباعه، وتستفيد بعدها الكنيسة في جزءٍ كبيرٍ من الضرائب وإقطاعيات تملكها من قوت الشعب هنا أو هناك؟ هل هو التأثر بهذا النموذج، فألبساه واقعًا شرقيًّا يختلف عنه تمامًا، وسقط منهما سهوًا أن الثورات التي قامت ضد الحملة الفرنسية كان يقودها رجالٌ من داخل المؤسسة الدينية وإقصاء حاكم أو والٍ مستبد هو أيضًا كان بأيدي نفس الرجال من نفس المؤسسة الدينية بشكلٍ ثوري وشعبي لا بشكلٍ ديني، وأن الثورةَ الشعبيةَ الوحيدة في بدايات القرن العشرين (ثورة 1919م) كان يقودها علماء مسلمون ورجال دين مسيحيون!!.

 

وإما عمدًا لتحقيق مكاسب أيدلوجية بوضع حاجز نفسي بين الناس وبين الدين، وإما مكاسب سياسية توارت مع صراع عبد الناصر مع الإسلاميين منذ منتصف الخمسينيات وحتى أواخر الستينيات، وهي فترة اشتدت فيها الحرب على الإسلاميين سياسيًّا وفكريًّا وإعلاميًّا.

 

المرحلة الثانية الدراما والإرهاب

وبدأت الدراما تُظهر صورةً أخرى عن الملتزم مختلفةً عن الأولى خصوصًا بعد تنامي وصعود التيار الإسلامي بكافة اتجاهاته المعتدلة منها والمتطرفة وتصاعد أعمال العنف بين الجماعات الإسلامية والحكومة المصرية، وخصوصًا في بداية التسعينيات، ودخلت الدراما المعركة الإعلامية بثقلها ليصبح وجود الشيخ الإرهابي قيمة لازمة داخل العمل الدرامي حتى ولو تمَّ إقحام هذه القمية إقحامًا، وهو الأغلب في الفيلم أو المسلسل فترى فجأةً الخط الدرامي للمسلسل يتوقف فجأةً لتكاتف كل الممثلين بلا استثناء، الشريرون منهم سواءً كانوا تجارًا للمخدرات أو قتلة مثلاً والطيبون ليرددوا جميعًا (معًا ضد الإرهاب) في وصلةِ وعظٍ منه أن الدين الإسلامي مش كده يا جماعة!!.

 

نذكر على سبيل المثال مسلسلات "أرابيسك" و"ليالي الحلمية" ومسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" المأخوذ عن رواية للكاتب إحسان عبد القدوس، والتي تم فيه إقحام جزءٍ لا علاقةَ له تمامًا بالأحداث، ولا بما كتبه أصلاً الأستاذ عبد القدوس فقط لنعرف أن الشاب عندما التزم وبدأ معرفة طريقه للصلاة وأطلق لحيته حدث هذا معه فقط عندما كان يمر بأزمةٍ نفسيةٍ وفترة ضياع لعدم معرفة هدفه حينها!!.

 

وتميَّزت المرحلة الثانية من الدراما باختفاء الصورة السابقة عن الشيخ العجوز الدرويش أو "الموالس" لتحل محلها صورة الشاب الملتزم الذي ما إن يعرف بوادر الالتزام ويبدأ في إطلاق لحيته حتى ينعزل عن مجتمعه وأهله ويجهر بالسخطِ على المجتمع الذي يعيش فيه وتظهر على وجهه كل علامات الاشمئزاز والاكتئاب حتى اعتراضه على رجوع أخته من حفلة ديسكو الساعة الثانية بعد منتصف الليل وهي تلبس الـ"هاف ستوماك" نرى الأب البريء النقي الراجع توًا من سهرة حمراء يعترض عليه قائلا: "يا بني ربك رب قلوب"، وكانت هناك أعمال كاملة صبَّت في هذا الاتجاه، وتكلمت مباشرةً عن صلب الموضوع كمسلسل "العائلة" أو أفلام الثنائي عادل إمام ووحيد حامد، ومعظمها حمل كمًّا من المغالطات والمخالفات الفجَّة، والأخرى تبنَّت وجه نظر السلطة!!.

 

ففيلم "طيور الظلام" يعرض جماعة الإخوان على أنها جماعة تتبنى العنف وتتلقى تمويلاتٍ من الخارج تُحاصر المذيعة المحامي الإخواني ببعض الأسئلة الصادمة عن صراع الإخوة في أفغانستان والتمويلات.. إلخ فيقف مذهولاً شاردًا فاقدًا للحجة!!.

 

وفيلم "الإرهابي" الذي يصور البطل الجاهل والمهزوم نفسيًّا الذي يعاني من عقدٍ نفسيةٍ وكبتٍ جنسي، بالإضافةِ لبعض التأويلات للآيات القرآنية والفتاوى الغريبة التي تأتي على لسان بطلٍ آخر للفيلم "مالهم حل لنا، ونساؤهم جوار لنا"؛ بينما الأسرة الملتزمة الطيبة تقوم بدور الملهم والمرشد الروحي والديني للبطل الذي أخيرًا يتوب إلى رشده.

 

ويصطدم بالموقف تلو الآخر فيصطدم مثلاً بأخلاقيات الفتاة التي كان يلعب معها الكوتشينة وهي كاشفة جسدها أمامه فترفض التجاوب معه، عندما تحرَّش بها، وترى في فيلم "الإرهاب والكباب" الشيخ الذي يحمل مظهرًا إسلاميًّا "اللحية الضخمة وزبيبة الصلاة" يُضيِّع مصالحَ الناس ويُذهب كل وقت عمله في الصلاة، وهي شخصية طوال الفيلم انتهازية جشعة نهم للجنس لا يتوقف بصره عن التحديق والتطلع لمحاسن الفتاة بطلة الفيلم!!.

 

وأفلام عادل إمام ووحيد حامد كلها لا تعرض في هذا المجال إلا وجهة نظر السلطة، فهي لا تقول لنا لماذا مثلاً تصاعدت وتيرة أعمال العنف، خصوصًا في الصعيد، وما فعله رجال أمن الدولة والداخلية بشباب الجماعات الإسلامية وما نتج عنه منذ ردود أفعال.

 

البطل العربيد

على الناحية الأخرى ترى البطل المثالي المدافع عن حقوق الغير لا يخرج عن صورة الشخصية التي يحمل صفاتٍ تجمعها اللغة العامية "عايشها كده بالطول والعرض" يحب النساء، لا يحمل أي صفةٍ إسلاميةٍ على الإطلاق وحسن أرابيسك العربيد الذي لا يضيق من شرب الحشيش طوال المسلسل يتوقف في الشارع ليعظ بعض شباب الجماعات الإسلامية.

 

يحيى الفخراني في مسلسلين شهيرين "زيزينيا" و"أوبرا عايدة" نراه المحامي المتشرد الذي يعيش حياةً ضائعةً- كما يقولون- ولا يعرف رأسه من قدميه، هو صاحب المثل والقيم المدافع عن حقوق الآخرين.

 

فيلم "طيور الظلام" كانت الشخصيات المحورية في الفيلم الشخصيتين الانتهازيتين الإسلامي الذي مثَّله رياض الخولي المتسلق وقام بدوره عادل إمام، أما الشخصية المثالية أحمد راتب صاحب القيم والمبادئ فكان يساريًّا.

 

وبالمثل كان فيلم "الإرهابي" ابن الأسرة التي استضافت بطل الفيلم كان يساريًّا يُعلِّق صورة "تشي جيفارا"، وكأنه صاحب هدفٍ ومثلٍ وقيمٍ بخلاف طبعًا الإرهابي الذي تستضيفه أسرته!!.
أو تظهر الشخصية المثالية شخصية مسيحية؛ فالشخصية المسيحية تظهر في الدراما أشبه بشكلٍ مُتعمَّدٍ بصورةٍ مثاليةٍ، وهو ما يقوله الباحث القبطي سامح فوزي في مقالٍ له باسم "فيلم بحب السيما" الفن يدفع ثمن ارتباك السياسة وهواجس الوجود المطمورة؛ حيث يقول على العكس تظهر الشخصة المسيحية بشكل مثالي إن جاز التعبير في أعمال أسامة أنور عكاشة وبهاء طاهر، ومَن ثَمَّ يشعر قطاعٌ من المسلمين أن الأقباط يُقدمَون فنيًّا بشكلٍ مثاليٍّ في حين أنهم أي المسلمين يُقدمَون على الوجهين الإيجابي والسلبي حسب الأحوال.