لا يختلف اثنان في أن النصيحة من خصائص هذا الدين، وهي من دعائم استقامة الأمة واستقرارها، وعلامة من علامات النضج الفكري لمن يمارسها وكذلك من يستقبلها.
وبالنصيحة تحافظ الأمة على تصدُّرها لجميع الأمم والتفضيل عليها جميعًا ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..﴾ (آل عمران: من الآية 110)، فما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا صورةٌ من صور النصيحة، التي يستقيم بها حال المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر (المنصوح)، فيتبدَّل سلوكه من الخطأ إلى الصواب.
وفي المقابل فإن انعدام النصيحة واختفاءها في الأمة من علامات الهبوط الإيماني لأبنائها، وإيذانٌ بأفول نجمها وحلول اللعنة والغضب الإلهي عليها، ومؤشرٌ بتدهور استقرارها وفقدان أمنها وتقدمها ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾ (المائدة).
إذًا.. ففرار الأمة من ترك النصيحة يوازي تمامًا خوفَها من نزول اللعنة أو غضب الله عليها، وكذلك فإن التمسك بأدائها والحرص على ممارستها يُدلِّل على حياتها ورغبتها في التقدم والتصدُّر والاستمرار في الخيرية.
وظيفة الأنبياء والمرسلين
والنصيحة كانت الوظيفة الرئيسية التي جاء بها الأنبياء والمرسلون لأقوامهم، متلمِّسين هدايتَهم وتصحيحَ مسارهم وإصلاحَ دنياهم وآخرتهم، فلقد نصح نوح عليه السلام قومه قائلاً كما حكى القرآن: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)﴾ (الأعراف)، وجاءت النصيحة على لسان هود لقومه قائلاً: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)﴾ (الأعراف)، وعلى لسان صالح لقومه قائلاً: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)﴾ (الأعراف).

إذًا هي مهمة من أشرف المهمَّات التي يقوم بها العبد، ذلك أن خيرها يتجاوز مؤديَها والقائمَ بها، فالأصل في تأديتها إرادة الخير والحق للمنصوح، فهي تحمل معاني الحرص والحب والإخلاص والصراحة والوضوح مع من ننصحهم.
جاء في تعريف النصيحة لابن الأثير: النصيحة كلمة يُعبَّر بها جملةً عن "إرادة الخير للمنصوح"، والنصيحة كما جاء في (لسان العرب) مشتقة من الفعل "نصح" أي: خلص، والناصح: النقي الخالص من كل شيء، والنصح: نقيض الغش، ويُقال: نصحت له أي: أخلصت وصدقت.
أمر عجيب!!
ورغم أن النصيحة المراد بها الخير دائمًا للمنصوح، واستقامة أمره، وتصحيح مساره، إلا أن المنصوحين في بعض الأحيان يتمرَّدون على الناصح، ويرفضون نصيحته، استكبارًا وعلوًّا بغير الحق، بَيد أن هؤلاء المستقبلين للنصيحة قد تملَّكهم الشيطان، وسيطر عليهم الهوى، فأبوا إلا أن يذعنوا لنفوسهم المريضة بالاستمرار بالخطأ بدلاً من تصحيح مسارهم، وشكر من أبدى