اسم الكتاب: روسيا بوتين

تأليف: ليليا شيفتسوفا

تقديم: جيسيكا ت. ماثيوز

ترجمة: بسام شيحا

الناشر: مؤسسة كارنيجي- واشنطن/ الدار العربية للعلوم- بيروت/ مكتبة مدبولي- القاهرة.

تاريخ النشر: الطبعة العربية الأولى- 2006م

عدد الصفحات: 526 من القطع الكبير

 

عرض وتحليل: أحمد التلاوي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أحد أبرز "الظواهر" السياسية- لو صحَّ التعبير- في عالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة.. بوتين القادم من دهاليز لجنة أمن الدولة والحزب- الاسم الرسمي لجهاز المخابرات السوفيتي العتيق الـ(كي. جي. بي)- راهن كثيرون على فشله؛ لكونه "رجل الأمن" في الاضطلاع بأعباء السياسة، لكنه وضع بسياساته وأجندته القومية الصّرفَة مجموعةً من الأسسِ الجديدةِ والجديَّة التي أعادت إلى روسيا كثيرًا مما فقدته في مرحلة الفوضى السياسية والأمنية والاجتماعية- الاقتصادية، التي سادت البلاد في مرحلة ما بعد الانهيار السوفيتي الكبير في مطلع التسعينيات الماضية، بما وضع العديد من الاستحقاقات الأمنية والسياسية الإستراتيجية الواجب على الولايات المتحدة الالتفات إليها بدلاً من الانطلاق بلا عوائق تقريبًا فيما وراء البحار والمحيطات.

 

وفي هذا الإطار ظهرت العديد من الدراسات التي حاولت الغوص فيما اصطُلح على تسميته بـ"الظاهرة البوتينيَّة"، ودراستها من أكثر من زاوية، سواءٌ فيما يخص دراسة الشخصية من الوجهات السيكولوجية والمهنية، أو من الوجهات الخاصة ببحث طبيعة السياسات التي يتبنَّاها بوتين وأسباب نجاحه في علاج مشكلات روسيا في بضعِ سنواتٍ، وفي وقتٍ ظنَّ فيه الجميع أنَّ الاتحاد الروسي المكوَّن من أكثر من 100 جمهورية كبيرة ومقاطعة صغيرة في سبيله بدوره إلى التحلُّل بعد الانهيار السوفيتي في يناير 1992م.

 

وكانت الولايات المتحدة بطبيعة الحال صاحبة الزَّخمِ الأعظم في إخراج هذه الدراسات؛ باعتبار أهمية الدولة والرجل في خطط إدارة المحافظين الجدد الفاشلة الموجودةِ حاليًّا في البيت الأبيض، واستشعار الأمريكيين خطورةَ عودة روسيا إلى النهوضِ مجددًا، خاصةً في ظلِّ الأجندة القومية والشاملة التي تبنَّاها بوتين.

 

وكعادة الأمريكيين في بحث القضايا عن قربٍ في أراضي معاركهم السياسية والعسكرية- على فشلهم في كثيرٍ من الأحوال- كلَّفت مُؤسَّسة كارنيجي إندومينت للسلام العالمي الباحثة الروسية ليليا شيفتسوفا العضو البارز في البرنامج الروسي والأوروبي الآسيوي في هذه المُؤسَّسة الأمريكية الشهيرة بوضع كتاب شامل عن "روسيا بوتين" يشمل تقييمًا لكافة الجوانب المتعلقة بسياسة الرئيس الروسي والدور الذي لعبه في إعادة بلاده إلى الحياة.

 

وقبل المرور على أبرز أفكار الكتاب ومحاولة قراءته فإنَّ هناك طرفةً تُروى عن بوتين وجبت الإشارة إليها؛ لأنَّها توضِّح حقيقة النظرة التي يعطيها الغرب لبوتين ولروسيا في عهده، وهي أنَّه وبالرغم من الميراث الثقيل الذي تركته حقبة الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين لبلاده ولخلفه؛ إلا أنَّ الغرب- والروس في حقيقة الأمر وفق ما تشير إليه الدراسات- يؤكد أنَّ يلتسين يُعدُّ واحدًا من أكثر القادة الروس إخلاصًا وخدمةً لبلاده عبر تاريخها، لا لسببٍ سوى أنَّه اختار بوتين خلفًا له!!

 

الرجل والبرنامج

تقول شيفتسوفا في مستهل كتابها إنَّ يوم 13 ديسمبر من العام 1999م كان يومًا تاريخيًّا في حياة روسيا، بعد إعلان الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين عن تخليه عن السلطة لصالح رئيس وزرائه، ذلك الموظف المغمور، القادم من دهاليز المخابرات والكرملين، حديث العهد بالسياسة، ويُدعى فلاديمير بوتين، تلقَّاه الروس بانطباع أوليٍّ إيجابيٍّ؛ باعتباره جديدًا في كلِّ شيءٍ؛ فهو شابٌّ صغير السن نسبيًّا- كان يبلغ من العمر 48 عامًا في ذلك الحين- صارم الملامح طويل القامة، علمتْه سنون الخدمة في المخابرات الصبر في العمل والحزم في الإدارة مع أجندة وطنية لا شك فيها.

 

كان بوتين جديدًا في كلِّ شيءٍ حتى في خلفيَّاته، فعلى الرغم من سيطرة الـ(كي. جي. بي) على مقاليد السلطة الفعلية في بلادٍ كانت تعدُّ صاحبةَ أسوأ نظامٍ شموليٍّ في التاريخ السياسي والنُّظُمِي الحديث، إلا أنَّ القيادات السياسية التي تعاقبت على الحكم في الكرملين منذ الإعلان عن قيام اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية في عالم ما بعد ثورة 1917م كانت دائمًا تجيء من كواليس الحزب الشيوعي السوفيتي، ومن كبار رجال الثورة والتنظيم الحزبي أو الموظفين، وكان نظام الحكم في الاتحاد السوفيتي يعطي السلطة الحقيقية للسكرتير العام للحزب الشيوعي- مثل خروشوف وبريجينيف- تدعمه مؤسسات الدولة الكبيرة مثل القوات المسلحة ومؤسسة المخابرات السوفيتية الضخمة التي لم يكن هناك مثيلٌ في العالم في حجمها، مع كونها كانت تضمُّ أقسامًا عديدةً من المفترض أنَّها من اختصاص الشرطة أو الجيش أو الأمن الداخلي، مثل حرس الحدود وأمن الدولة والحزب الحاكم، بينما يكون الرئيس- ورئيس الوزراء- من كبار موظفي الحزب والحكومة، مثل كوسيجين في عهد بريجينيف.

 

ولذلك كان قدوم بوتين إلى الحكم صدمةً حقيقيةً للكثير من الأطراف داخل روسيا وخارجها بخلفياته هذه؛ فقوى العهد الجديد في روسيا، وعلى رأسها رجال الأعمال ومراكز القوى، مثل رجل الأعمال اليهودي سيئ الصيت بيريز بيريزوفسكي تأكدت أنَّ أيام المرحلة الانتقالية المليئة بالفوضى والتي سمحت لها بالصعود وامتلاك الثروات قد ولَّت بلا رجعة، كذلك أدرك الأمريكيون والغرب أنَّ العدوَّ القديمَ لهم سوف يصحو من سباته الذي طال نوعًا ما.

 

ولعل الأثر الأكبر لتولِّي بوتين الحكمَ في روسيا كان الأثر النفسي الذي تركه على الروس؛ حيث كان لحضوره القويّ وأجندته- وحتى على مستوى شكله وتكوينه الجسدي- تأثيرٌ كبيرٌ في صددِ إعادةِ إحياء الروح القومية الروسية؛ ممَّا كان له أبلغ الأثر في صدد تدعيم خطط بوتين في مجال إصلاح البيت الروسي.

 

وقد اعتمد بوتين مُنذُ مجيئه على أجندة ذات طابع قومي- كما سبق القول- تضمُّ حزمة القضايا والأهداف ذات طابع داخلي وأخرى خارجية تمس المصالح القومية الروسية في المحيط الحيوي لبلاده، وفيما وراء البحار الدافئة.

 

فعلى الصعيد الداخلي احتلت القضايا التالية على أولويَّات عمل بوتين:

* إعادة الهيبة لمُؤسَّسات الدولة الروسية، والقضاء على الفوضى، ولذلك قرَّب بوتين منه رجال الجيش والمؤسسة الأمنية الجديدة التي خلفت الـ(كي. جي. بي).

 

* التصدي للفساد في مختلف الأروقة وقطاعات العمل الوطني، وقد صفَّى بوتين بالفعل نفوذ الإقطاعيَّات الجديدة، واعتقل أو طرَد كلَّ رجال الأعمال اليهود الذين سيطروا على الاقتصاد الروسي، ومن بينهم خودوروكوفسكي وبيريزوفسكي، وهو ما كان له انعكاساتٌ على علاقات بلاده مع الغرب، وبالذات بريطانيا.

 

* إعادة إصلاح الاقتصاد الروسي، بما يشمل قطاعات الطاقة والأخشاب، ودعم الصناعات والصادرات المدنية والعسكرية الروسية لكي تعود روسيا إلى السوق العالمية كأحد أكبر الاقتصادات المصدرة، كذلك عمَد بوتين إلى تحرير الاقتصاد القومي الروسي بما لا يخلُّ بالتزاماته الاجتماعية؛ لاحتواء تأثيرات مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وما أدى إليه الفساد والاحتكار والفوضى من مجاعاتٍ حقيقية في أوساط شرائح ساحقة من أبناء الشعب الروسي.

 

* الأهم إعادة إحياء الروح القومية الروسية، وتصفية نفوذ الحرس الشيوعي القديم، وإحكام قبضته السياسية والأمنية على البلاد.

 

أمَّا خارجيًّا.. فقد عمد بوتين إلى محاولة استعادة نفوذ بلاده التقليدي في مجالها الحيوي في شرق أوروبا ووسط آسيا، وتصدَّى بوتين إلى محاولات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي (الناتو) والاتحاد الأوروبي للتغلغل في وسط آسيا ومناطق أوروبا الشرقية، ونجح بمعاونة بعض قادة هذه الدول من أعضاء الكومنولث الروسي مثل طاجيكستان، والدول ذات الغالبية السلافية في شرق أوروبا كأوكرانيا وروسيا البيضاء ويوغوسلافيا الجديدة (صربيا والجبل الأسود).

 

كذلك سعى بوتين إلى استعادة مكانة روسيا في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك قطاع مبيعات السلاح، فبدأ مفاوضات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، واستعاد مكانة روسيا في سوق السلاح الدولي، وعادت إلى المركز الثاني أو الثالث بعد الولايات المتحدة وبريطانيا، كذلك بدأ في اتخاذ سياسةٍ أكثر حزمًا ضد الاحتكارات الأجنبية في بلاده، وبخاصةٍ في قطاعات النفط والأخشاب والطاقة عمومًا.

 

واهتم بوتين بتفعيل سياسات الأمن القومي الخاصة ببلاده، بأدواتها العسكرية والأمنية، ولعل في قضية الجاسوس ليتفينينكو بين موسكو ولندن أحد أبرز الأدلة على ذلك، وأيضًا الحرب التي يخوضها بوتين حاليًّا ضد الدرع الصاروخي الأمريكي المزمع في شرق أوروبا؛ حيث بدأ في إحياء بعض أشباح الحرب الباردة القديمة، مثل طلعات القاذفات الإستراتيجية الروسية في مناطق قريبة للغاية من الولايات المتحدة في مناطق القطب الشمالي وفي الأجواء الروسية، مع التهديد بإعادة النظر في اتفاقيات الحدِّ من التسلُّح الموقَّعة مع الولايات المتحدة، وإعادة تطوير ترسانة بلاده الصاروخية الدفاعية والهجومية المحمولة على الصواريخ والغواصات.

 

انتقادات!!

على الرغمِ من كل هذه الميْزات التي يمكن رصدها في سياسات بوتين الوطنيَّة، إلا أنَّ هناك اعتبارَيْن أساسيَّيْن، يمكن لأيٍّ من المراقبين أخذُهما على سياسات بوتين: الأولى داخلية، وهي الخاصة بعدم مضيِّ بوتين قُدُمًا في سياسات الإصلاح السياسي الداخلية، وميله إلى تبنِّي نموذج الحكم الديكتاتوري القائم على سيطرة الفرد والسلطة التنفيذية دون إطارٍ ديمقراطيٍّ حقيقي، ولكنَّ عزاء بوتين في ذلك أنَّ سياساته في هذا الإطار تصبُّ في الإطار الوطني ومكافحة الفساد، دون استبداد ظالم بالسلطة.

 

كذلك هناك انتقاداتٌ كبيرةٌ لسجلّ بوتين الحقوقي، ويظل ملف أزمة الشيشان نقطةً سوداء في جبين الإنسانية في ظل جرائم الحرب الحقيقية التي ترتكبها القوات الروسية في هذه الجمهورية المسلمة الصغيرة، في مبادلة قذرة بين الغرب وروسيا فيما يخص دعم روسيا السياسي للولايات المتحدة في ملفِّ ما يُعرف باسم "الحرب على الإرهاب العالمي".

 

وفي الخارج- وهو أمرٌ يتعلَّق بالعرب أساسًا- هو عدم جدية روسيا في الوقوف إلى جانب حلفائها العرب، كما جرى مع العراق مثلاً خلال الحرب الأمريكية الأخيرة عليه، بذات درجة دعم الولايات المتحدة لحلفائها وعلى رأسهم الكيان الصهيوني؛ بما يشير إلى أنَّ تحالفات العرب الدولية تقوم على أساس المصالح الوقتية وليست في إطارٍ عقيدي ومصالحي دائم بخلاف الغرب.