يستصعب البعض الخروج من الفصائلية الضيقة البغيضة، ويستعذب رسم الصورة التي تناسب خلفيته الحزبية، فيضع عصابةً على عينيه لا يرى إلا من خلال ثقوب معينة فيها، فيكون ما يريده حزبه من تشويه وتسويف.
قرأتُ صباح أمس الأول موضوعًا حمل تعبير "حماسزم"، محذرًا من كارثةٍ محيقةٍ بأهلنا في غزة، بل في كل أنحاء العالم، ليسوق كاتبه اتهاماتٍ لم تستند لدليلٍ واحد، وليبرر جريمة من يختطف فصيله، مدافعًا ومنافحًا عن شرعية مزعومة يقودها عبَّاس، وهو من سبق وعارض وهاجم وانتقد عبَّاس ودحلان وأوسلو، ليعود اليوم ويحمل لواء أوسلو "الشرعي"، فسبحان مغير الأحوال.
يقول صاحب "الحماسزم": الـ"حماسزم" مرض عقائدي وديني ووطني بائس وفتَّاك، ويكفي متابعة مشاهد مسلسل الجرائم اليومية على أيدي أذرع "انقلابيي" قطاع غزة، من استهداف مَن هو في معسكر "ضد"، مهما كانت خانة تصنيفه، أو نوعية نشاطاته أو حتى أفكاره الخاصة، فضلاً عن حرية عبادته ورأيه، "فالصلاة" فقط على الطريقة الخاصة بها مع شروط الانتماء لفكرتها، وإلا فهي غير مقبولة وغير صحيحة، وحرية الصحافة والإعلام على طريقتها ولمصلحتها، وإلا فهي غير مهنية وهي في معسكر "الأعداء".
وللمراقب أيضًا متابعة ممارسة "الكذب" المفضوح عبر وسائل العرض وضمنها محطة "الانقلابيين" المحطة "الوضائعية"، ومراقبة وسائل تثبيت "الشروخ" و"التفرقة" على مستويات متعددة، وأخطرها ذلك الذي يستهدف الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني، والموروث الثقافي الوطني الإنساني المتميز، الذي طالما كان رصيدًا قويًّا، وجدارًا صلبًا للنسيج الفكري- الاجتماعي، لنصل إلى حجم الكارثة المحققة التي يمكن أن تحدق بهذا الشعب وهذه القضية، بل وتتعداها إلى ما يجاورها من أقطار عربية وحتى إسلامية".
هل يا ترى أصبح صاحبنا أعمى أم أنه يتعامى، أو ربما كانت مصادره الصفحات والصحف الصفراء التي تنشر الأكاذيب والأراجيف، لكن لا بأسَ من توثيق بعض الأمور ليس دفاعًا عن فصيلٍ أو تنظيمٍ، لكن توثيقًا لواقعٍ لا يستطيع لا هو ولا غيره إنكاره.
وبدايةً لنراجع قضية الصلاة يوم الجمعة الماضية والتي يُثيرها الكاتب في محاولةٍ بائسةٍ لإثبات أكذوبة صنعوها وصاغوها على مقاسهم، ولنقرأ معًا تفاصيل ما جرى، وليرد مَن شاء على تلك الوقائع إن استطاع، والتي تصبُّ في صالح مَن يحافظ على أمن وأمان غزة وليس ضده، وحتى نرد الحق إلى أهله لا أدعي هنا أنني مَن وثَّق الأحداث لكني أنقلها كما وصلت وحُقِقت مع الشكر لصاحب الفضل:
أولاً: سمحت لفصيلٍ سياسي معارض للأغلبية في الشارع الفلسطيني وللحكومة الشرعية بالتجمهر وأداء صلاة الجمعة في أحد ميادين غزة الرئيسية وإغلاق شوارع رئيسية ورفضت القوة التنفيذية تدخل عناصر حماس والمنتمين لها لأداء الصلاة في نفس المكان منعًا للاشتباكات، وسمحت لصحفيين تصوير الخطبة والمسيرة كاملةً.
ثانيًا: بالرغم من تأكدها من سوء نوايا مَن هم خلف هذه المسيرة إلا أنها سمحت لهم بتسيير مسيرة التي لم يشارك بها إلا بضع مئات من عناصر فتح ومعظمهم من الصبية.
ثالثًا: مارس هؤلاء كل أساليب الغوغائية (حتى وصل الأمر بهم للخروج من صلاة الجمعة وسب الذات الإلهية في الشارع.. لا أعرف كيف يمكن أن نُفسِّر أن تنظم صلاة جمعة وبعدها يبدأ من نظَّم وشارك في هذه الصلاة بالسبِّ على الذات الإلهية علانيةً وفي الشارع! ووصل بهم الأمر إلى إلقاء الحجارة ثم الاعتداء على محال تجارية وممتلكات عامة في الشوارع، ثم توجهوا صوب مسجد أبو خضرة واعتدوا على هذا المسجد الملاصق لمبنى السرايا؛ فاضطرت القوة التنفيذية إلى التدخل السريع لحفظ الأمن واستطاعت إعادة الأمن إلى مكان التظاهر في وقت وجيز.
رابعًا: بالرغم من عمليات الاستفزاز والعنف ضد الممتلكات العامة والشغب لم تسجل أي إصابة في المتظاهرين أو في المارة وفضت المسيرة دون إراقة دماء من أي طرف على عكس ما جرى في قمع أجهزة عباس للتجمعات والمسيرات، والجميع يذكر قمع مسيرة حماس بعد صلاة الجمعة في رام الله عند انطلاقة حماس العام الماضي وسقوط شهيد وعشرات الجرحى (وقمع الأجهزة الأمنية لمسيرة الجامعة الإسلامية ومسجد فلسطين ومؤخرًا قمع اعتصام طالبات جامعة النجاح وإعدام الشهيد محمد رداد في حرم الجامعة)..
خامسًا: عند فشل رعاع فتح في إثارة فوضى عامة ونقلها إلى أماكن أخرى وجر التنفيذية لاشتباك مباشر معهم نفذ بعض الصحفيين المنتمين لفتح مسرحية منعهم والاعتداء عليهم.. مع العلم أنه لم تسجل أي إصابة في الصحفيين وجميع الصحفيين استطاعوا تصوير الخطبة والمسيرة والكل شاهد على شاشات الفضائيات ميكرفونات وسائل الإعلام أمام خطيب الصلاة وكذلك تصوير المسيرة كاملةً من جهات مختلفة.
ما هي قصة الصلاة التي ثارت ثائرتهم لها، والتي يبدو أنها ستتخذ ذريعةً لإثارة الفوضى كل أسبوع كما صرح بذلك أبواق الفتنة جمال نزال وفهمي الزعارير؟، وماذا حدث يوم الجمعة؟ يقول د. حسن أبو حشيش تعقيبًا على ما جرى يوم الجمعة: "بعد أن تناولت طعام الغداء في أعقاب أداء صلاة الجمعة، رن جرس هاتفي النقال، كان المتحدث زميل صحفي يسأل عما حدث في مسيرة لحركة فتح في وسط غزة بعد أدائهم لصلاة الجمعة في ساحة الجندي المجهول، فقلتُ لا علم لي. فأنهيتُ معه المكالمة، وهرعتُ للتلفاز، وجهاز الحاسوب لتصفح المواقع، شاءت الأقدار أن أشاهد فضائية فلسطين من رام الله في البداية، وكان الخبر قد بدأ بثه عليها.
وكان في لحظتها يتحدث على الهواء من غزة صحفي، له علاقة بمجلس نقابة الصحفيين المنتهية الصلاحية، وإذا بسمعي يقع على ألفاظ مشينة، اعتقدتُ أن أجسادًا تطايرت، ورؤوسًا قُطعت، وأن طائرات ودبابات حماس والقوة التنفيذية اجتاحت جموع الفتحاويين الذين يصلون الجمعة في ساحة الجندي المجهول احتجاجًا على سياسة التحريض ضدهم في غزة من قبل خطباء حماس حسب زعمهم، ويضيف "إن ما حدث يوم الجمعة في غزة هو دليل واضح على أن تنظيم فتح يتمتع بحرية الكلمة، وحرية الحركة، وحرية التجمع والعمل التنظيمي.
وأنه لا يخضع للابتزاز السياسي، ولا للمضايقة السياسية، ولا وجود ميدانيًّا للاعتقال السياسي، ولا حظر على تنظيم فتح، فهم يمارسون نشاطهم ولقاءاتهم واجتماعاتهم ويخاطبون الرأي العام... عكس كل ادعاءاتهم وكذب إعلامهم، وناطقيهم، والحكم هو الكاميرا التي أثبتت كل شيء، ونتحدى أن تسمح فتح لأدنى نشاط لحماس في الضفة حيث منعوا خطباء المساجد، واحتفالات التكريم، والأفراح الجماعية، إضافة لحظر حماس واعتبارها تنظيمًا غير قانوني وغير شرعي، كما نتحدى أن تسمح فتح في الضفة لأي وسيلة إعلام بنقل أي حدث صغير وكبير إلا من يتحدث من رام الله عن غزة: شتمًا وسبًّا وقذفًا وتجريحًا وتهويلاً.
كما أن الحدث يدلل من جديد على أن فتح في قطاع غزة لا ترغب في إصلاح نفسها، أو لا تحكم، وهي رضيت على نفسها أن تكون بلا إرادة أمام قرارات رام الله، حيث نجدها تربط عودتها العلنية بعودة مظاهر الفلتان الأمني، ورضيت أن تهتف لأشخاص حية وميتة تاريخها ملطخ بالدماء على حساب أبو عمار وأبو جهاد وأبو إياد، إنه اختزال مخل ومعيب للحركة الممتدة عبر أربعين عامًا، إنه فقء لعين الحركة بأيدي أتباعها، إنه مؤشر خطير على أن فتح لم تتعظ ولم تستفد من تجاربها، وما زالت تقلب الحقائق، ونسيت ما فعلت ضد الشعب والقضية، وتريد تلويث حماس وإبرازها أنها مثلها في أخلاقها، الأمر الذي ينم عن عقلية انتقامية، وعقلية غير وطنية، وتشويه للكل الفلسطيني، وإغراق للسفينة كلها، على قاعدة علىَ وعلى أعدائي.
إن إعادة الأمور للوراء لن تخدم فتح، وستضر بالشعب، ومن المُفترض أن يتكاتف الجميع على منعه. وعلى فتح أن تبحث عن وسائل شريفة لترتيب أوضاعها. أما ما حدث مع الصحفيين، فرغم أن المعتدي هم القوة التنفيذية، ورغم تضامننا مع زملائنا، ورفضنا لما حدث، ونسعى مع الجميع لعدم تكرار مضايقة الصحفيين... إلا أننا نحمل حركة فتح خلق هذه المناخات التوتيرية التي تخلط الأوراق، وتُعكر العلاقات، ويقع ضحاياها من مختلف شرائح المجتمع، والصحفيون جزء منهم وماذا عن القمع المزعوم والممارس بحق كوادر حركة فتح؟ مرة أخرى لنوثق سويًّا صور "القمع" المزعوم لأبناء حركة فتح في القطاع:
- منذ اللحظة الأولى أعلنت حماس أنها ليست في معركة مع حركة فتح- بعد تطهير القطاع من "الزبالة"- كما وصفها جبريل الرجوب- صدر عفو عام عن كل من أجرم بحق شعبنا.
- لم يمنع أي مسئول في حركة فتح من العمل والحركة وعقد المؤتمرات التي يسب ويشتم ويتهم فيها قيادات غزة، كما فعل إبراهيم أبو النجا وأحمد حلس وزكريا الأغا.
- لم تُمنع صحف أوسلو العباسية الثلاث: "الحياة الجديدة" و"القدس" و"الأيام" من دخول القطاع، وهي التي تتبنى وتنطق باسم عباس وفياض.
- بحسب منظمات حقوق الإنسان لا يوجد سجين سياسي واحد في سجون غزة، لكن مساجين على خلفيات جنائية وعملاء، وليس ذنب القيادة في غزة أن يكون انتماء هؤلاء لفصيل بعينه! وسبق وتحديت كل الإعلام الأصفر أن ينشر قائمة بأسماء وأعداد المعتقلين السياسيين في غزة والتي بحسب ادعاءاتهم الباطلة هي بالمئات!
- لم تُمنع التجمعات لأي فصيل، والتي كان آخرها إقامة الصلاة في ساحة عامة وتسيير المظاهرات.
- كتائب شهداء الأقصى تتحرك وبحرية مطلقة وبسلاحها في قطاع غزة.
- تنطلق المقالات التي تهاجم حكومة تسيير الأعمال وبشكل يومي من القطاع وبأسماء أصحابها الحقيقية، دون أن يعترضهم أحد.
- تمارس مؤسسات حقوق الإنسان وبحرية تامة دورها دون أية إعاقات.
هذا "القمع" المزعوم يقابله "حرية مطلقة" في الضفة الغربية في نعيم عباس وفياض، من اعتقال للطلبة والأساتذة بل وقتلهم في الحرم الجامعي، ووجود 450 معتقلاً سياسيًّا علانيةً، وتدمير عشرات المؤسسات الخيرية والرسمية، وعربدة عصابات أبو جبل وأمثاله، ومنع توزيع الصحف الصادرة في غزة، ومنع الحديث أو التعبير لمن يخالفهم، بل ومنع الأعراس الجماعية السنوية، وممارسات أخرى لا يمكن حصرها، فهل يا ترى لم يسمع كاتبنا ومن لف لفه بتلك الأمور؟
إن خطأ حماس والقوة التنفيذية في قطاع غزة أنها تتعامل مع هؤلاء بالحسنى، ومن مبدأ اصبر واحتسب، وتعطيهم ما لا يستحقون، "فإذا أنت أكرمت اللئيم تمردا"، وهذا تمامًا ما يحدث في قطاع غزة، لأن "زبالة غزة" تأبى إلا أن تلوث هدوء وأمن القطاع الذي عاد بعد غياب قسري طوال سنوات أوسلو وما بعدها، ورغم حسن المعاملة، والتعامل الأخلاقي الزائد عن الحد، والحساسية المفرطة لإعلام منحاز من قبل قادة قطاع غزة، إلا أن الرسالة وصلت بشكل خاطئ لعصابة العشرة في رام الله، خاصة بعد وصول رأس الفتنة الهارب محمد دحلان لرام الله في تزامن عجيب مع بداية الفوضى مرة أخرى في القطاع.
لا يمكن لأي نظام سياسي أن يقبل بالفوضى وأعمال الشغب، فأكثر دول العالم ديمقراطية بمفهومهم تضرب بيد من حديد وتعتقل كل من يعتدي على الممتلكات العامة، وما حدث يوم الجمعة كان تهاونًا وتقصيرًا من القوة التنفيذية مع معتدين غوغاء لا علاقة لهم بحرية أو حضارة، بل مجموعات همجية كان من المفترض التعامل معهم بكل قوة وحزم، وأمام الصحافة والكاميرات وبنقل مباشر.
إن تطهير قطاع غزة وتنظيفه يبقى منقوصًا طالما استطاع الغوغاء إثارة الفوضى في محاولة لإعادة الفلتان إليه، وحل المشكل المعني بالحسم في شهر يونيو/حزيران الماضي يحتاج إلى استكمال بحل جذري لمشكل من نوع آخر، هو الإخلال بالأمن والهدوء والأمان الذي ينعم به قطاع غزة اليوم وبشهادة العدو قبل الصديق.
إن من يعتدي على حرية وأملاك الآخرين بحجة حرية التعبير والرأي يفقد تلك الحرية تلقائيًّا، ولذلك على قيادات غزة أن تستخدم الحزم والصرامة مع أي تجمع يهدف للإخلال بالأمن، والاعتداء على الممتلكات، وبشكل واضح لا لبس فيه، وبالتغطية الإعلامية التي لا يجب أن تكون سيفًا بيد الغوغاء والمرتزقة، بل ناقلاً أمينًا للأحداث.
الحزم والحسم يا صاحب "حماسزم" هما المطلوبان مع أشباه الرجال من الغوغاء والمرتزقة، وهذا ليس قمعًا أو اعتداءً، بل حمايةً للمجتمع من أمثال مَن شاهدناهم من "المصلين المتقين"، ومنعًا لعودة "قاذورات" غزة من شباكها بعد أن طُردوا شر طردة من بابها.
-----------
* كاتب وسياسي فلسطيني DrHamami@Hotmail.com