ليس من المصادفة أن تتوَّج لقاءات (عباس- أولمرت) بمجزرة مدوية في قطاع غزة أو الضفة الغربية، يذهب ضحيتها العشرات من أبناء ومجاهدي الشعب الفلسطيني، بين شهيدٍ وجريحٍ ومعاق، ولن أذهب بعيدًا إن قلت إن ما يقوم به العدو الصهيوني في قطاع غزة، وما يخطط له في المستقبل القريب بحق القطاع الصامد، جاء بغطاء كامل من سلطة أوسلو.

 

لقد وجد أبو مازن- الذي من المفترض أن يتحمل مسئولياته كرئيس للشعب الفلسطيني- في سيطرة حماس على قطاع غزة "شماعةً" لجميع الاجتياحات الصهيونية بعد ذلك على القطاع، وليت الأمر توقف على ذلك، بل سارع- وبشكلٍ فوري- بالاتصال بإيهود أولمرت هاتفيًّا، طالبًا منه سرعة توجيه ضربة قاسية لقطاع غزة، إلا أن أولمرت "السفاح" رفض طلب عباس "الرئيس"!!

 

أجهزة عباس ليست معنيةً إطلاقًا بالتصدي للتوغلات الصهيونية، التي تتكرر بشكلٍ يومي؛ وذلك لأنها منهمكة في التنسيق الأمني المُعلَن والسري مع العدو الصهيوني، وأصبح دورُها يقتصر فقط على إذكاء الاقتتال الداخلي بين الفلسطينيين والضلوع فيها بعد ذلك.

 

أخذت أجهزة عباس في الضفة الغربية- والتي فرَّ معظم أفرادها من قطاع غزة- على عاتقها مهمة رئيسية، تتلخَّص في مطاردة المطلوبين للجيش الصهيوني من مجاهدي القسام؛ بهدف تضييق الخناق على الحركة، وعلى مؤسساتها الخيرية العاملة؛ الأمر الذي جعلها تحظى بشهادات "حُسن سلوك" على ألسنة مسئولي حكومة الاحتلال مؤخرًا.

 

بات من الواضح أن مشاهد عباس المتكررة، وهو يتبادل القُبلات مع قادة العدو الصهيوني- رجاله ونسائه على حدٍّ سواء- لم تعد تُحتمل حتى لدى الصهاينة أنفسهم، في استفزاز واضح لمشاعر أهالي آلاف الشهداء، واستهتارٍ فاضح لقيود آلاف الأسرى، فها هو الكاتب الصهيوني جدعون ليفي يقول في مقال له بصحيفة (هآرتس) تحت عنوان: عباس.. قائد دُمية: "لو كان أبو مازن زعيمًا قوميًّا حقيقيًّا، وليس شخصية وهمية صغيرة لكان عليه أن يصرخ: لا مؤتمر ولا لقاءات إلى أن يُرفع الحصار عن غزة".

 

أظهرت حماس احترامها الشديد لاتفاق مكة المكرمة، بالرغم من كل المنغِّصات، التي رافقت وتبعت الاتفاق، وها هي اليوم تطالب عباس والقيادة في رام الله بالجلوس على طاولة الحوار؛ لأنه لا يوجد شخص واحد في حماس، سواء كان قياديًّا أو فردًا عاديًّا، يبحث عن مصالح شخصية تعود بالنفع عليه أو على أبنائه من بعده على حساب أقدس وأطهر قضية، إلا أن الآخرين لا يروق لهم ذلك، فتراهم يضعون العصيَّ في الدواليب لإيقاف أي تحرك يصب في صالح القضية!

 

يجب على محمود عباس أن يتعلم جيدًا أنه يلهث وراء السراب "الصهيو أمريكي"، كما يجب علينا جميعًا أن نعرف أن الأفعى لا تنفث إلا سُمًّا؛ ذاك السم الذي قتل الرئيس ياسر عرفات، بالرغم من جميع التنازلات التي قدمها، وكانت النتيجة الاغتيال.

 

ما تقوم به أجهزة عباس في الضفة الغربية يقع في دائرة الخيانة العظمى لله والدين ثم الوطن، فما معنى أن تقوم هذه الأجهزة بأوامر مباشرة منه بتسليم ضابط صهيوني بعد أن استدرجته المقاومة إلى حيث استدرجته، في حين أن هذه الأجهزة هي ذاتها التي أطلقت النار على قادة حماس أمثال محمد الرفاتي وزهير المنسي.

 

ما تمارسه الأجهزة الفلسطينية بحق نشطاء حماس في الضفة الغربية لن يدوم، كما أنه لن يثمر عن شيء؛ لأن الحق في النهاية هو المنتصر، مهما طال ليل الظلم وعربد، وواضحٌ تمامًا أن سياسة ضبط النفس التي تمارسها حماس قد أرهقت أولئك الذين يبحثون عن ثورة فلسطينية داخلية، يكون المستفيد منها فقط من كان عدوًّا لله ورسوله والمؤمنين.