لا أحد ينسى نشيد "الله أكبر"، و"دع سمائي" في إلهاب الحماس لدى الجمهور العربي والمصري في ستينيات القرن الماضي، ولا ينكر أحد أشعار "طاغور" أو روايات "همنجواي" التي لم تكن تُقاوم الآخر، وإنما كانت تُقاوم العدوان والظلم داخل الذات، وهناك القصيدة التي أسقطت "شاوشيسكو".
فالفن إما أن يُخدِّر المجتمع أو يُوقظه ويُحيي مماته، ولما كانت الأمة العربية والإسلامية تعيش عصر المآسي والمحن والعدوان الأجنبي الغاشم على مقدَّراتها، كان لنا أن نسأل: هل هناك أدب عربي معاصر يمكن أن يُطلَق عليه أدب المقاومة؟! وهل له دور ملموس في الحياة؟! هل هو أدب غير جماهيري؟! هل هو وصْفٌ للواقع أم تحريضٌ على الفعل المستقبلي؟! هل يحمل هذا الأدب أيديولوجيةً معينةً؟ ومن الذي يُعبِّر عنها الآن؟ هل مقاومة العولمة والتغريب والبحث عن الذات والهوية نوع من أدب المقاومة؟! أسئلة كثيرة يُجيب عنها هذا التحقيق:
يبدأ د. جابر قميحة- أستاذ الأدب العربي- بتعريف مفهوم "أدب المقاومة"؛ فيقول: أدب المقاومة: هو الشعر والنثر الذي يُعالج فضْح الاستعمار والظلم الواقع على الشعب، ويستنهض الشعب بطبقاته المختلفة للوقوف في وجه هذا الغزو الاستعماري ومقاومته، ومحاولة القضاء عليه، ويعمل على بثِّ القيم المعنوية التي تتعلق بالمقاومة؛ مثل ضرورة الاتصاف بالصبر والتضحية، وتقديم مصلحة الأمة على المصلحة الخاصة، والإشادة بالأبطال والشهداء؛ مثل: أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي، والنعي على الخونة والعملاء الذين يسيرون في ركب المستعمر المعتدي.
![]() |
|
د. جابر قميحة |
ويستطرد د. قميحة قائلاً: وهذا النوع من الأدب أخذ عدة أسماء على مدار التاريخ، فكان يُسمَّى قديمًا "أدب الجهاد"، وكان للإسلام خطباؤه وشعراؤه الذين يجاهدون بالكلمة ويحمِّسون المسلمين ليتقدَّموا في الجهاد، وعاد للظهور وقت الحملات الصليبية؛ فقام الشعراء بتحميس الأمة لمقاومة هذا الغزو مع الإشادة بالشهداء، ثم أخذ اسمًا جديدًا في وقتنا الحاضر، وهو اسم "أدب المقاومة".
ونجد صورته واضحةً عند الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود، والشاعر أبو سلمى، وكذلك مطلق عبد الخالق، وكان شعر هؤلاء يتعامل مع فلسطين مباشرةً، ثم ظهر شعر مقاومة آخر مصبوغ بأيديولوجية يسارية كما نجد عند محمود درويش، وسميح قاسم، وتوفيق الزيات.
أدب الجهاد
ويشير إلى أن هذا النوع من الأدب قد يتناول أو يدور حول محاور تختلف باختلاف الظروف السياسية؛ فمثلاً نجد في وقتنا الحاضر ضمن شعر المقاومة الهجوم على الحكَّام العرب والمسلمين؛ لتخاذلهم تجاه القضية الفلسطينية، وتقديم التنازلات وإبداء التبعية لأمريكا التي أصبحت تلعب بأوراق هؤلاء الحكَّام، ويرى أن هذا النوع من الأدب ينبغي أن نعودَ إلى تسميته بـ"أدب الجهاد"؛ لأن الجهاد له مفهوم شامل، أما المعنى اللغوي للمقاومة فهو معنى ضيق؛ إذ إنه يعني أن ألجأ إلى المقاومة، بمعنى أن أدافع بعد أن يقع عليَّ العدوان.
بينما الجهاد هو تجنيدٌ دائمٌ واستعدادٌ للدفاع والهجوم، ومن هنا نجد الأوامر في القرآن "وجاهدوا" وليس "وقاوموا" وعلى أي حال تُضاف لهذا النوع من الأدب معانٍ جديدةٌ بتطور الأوضاع السياسية في الشرق العربي، وعلاقة العرب مع الكيان الصهيوني.
ضد الحكومات
ويعتبر الروائي يوسف أبو رية أن هناك تناقضًا بين حدَّة الصراع القائم الذي نعيش فيه، وبين التغييب الذي حدث على المستوى الفكري والأدبي، ويقول: أدب المقاومة خبا طويلاً وانسحب من الساحة، ولم يطلع جيل جديد بقوة الشعراء والأدباء وكُتَّاب الستينيات؛ لأن في ذلك الوقت كان المشروع الناصري كله مشروع مقاومة، وبالتالي كان يعطي الأولوية ومساحة في الإعلام للمقاومة، حتى إن الإعلام المصري هو الذي قدَّم محمود درويش وتبنَّاه.
![]() |
|
يوسف أبو رية |
أما الآن فالحالة المصرية هي حالة انسحاب، والنظام يخنق المواطنين داخل الوطن، وهذا يؤدي إلى أن تكون أولوية المقاومة موجَّهةً ضد حكوماتنا؛ لأنها هي التي تمنعنا من مقاومة الأغيار، واتجهت الكتابة المقاومة للكمون داخل الذات بعد أن انتشرت الكتابة عن الجسد، فأصبح الأديب بين فكَّي الرَّحَى، السلطة فوقه، والجمهور الذي أصيب بالضحالة ولم يعد يملك إلا رؤيةً ضيقةً على الجانب الآخر.
ويرى أبو رية أن الأدب لا بدَّ أن يقوم على أيديولوجية ولا يُستثَنى "أدب المقاومة" من هذا المبدأ، ولكنَّ هذا لا يعني أن تكون هذه الأيديولوجية حزبيةً؛ لأنه يقول: لا يوجد كاتب أو شاعر خرج من عباءة حزب سياسي؛ لأنه إذا فعل يقتل الإبداع داخله، فيظل حبيس أيديولوجية مقدَّسة لا يستطيع الخروج منها، فأيديولوجية المقاومة فردية مستقاة من الموروث المعطَى كالجاحظ، والموروث الشعبي كألف ليلة وليلة، وسيرة عنترة وأبو زيد الهلالي، وهو في هذا يُدرك قانونها العام؛ حتى يكون أصيلاً لا مقلِّدًا أو متبعًا، ثم يستمد حياته واستمراره من مجتمعه بكل أعباء هذا المجتمع؛ فيجعل كل همِّه التأثير على الجماعة الإنسانية التي ينتمي لها من كشف عيوب وفساد، على أن يكون صاحب صوت عالٍ، وإن كان من الممكن اللجوء للرمز أو للتاريخ مثل أدب نجيب محفوظ، والإسقاط على الواقع مثل "كفاح طيبة"، ونجد محفوظ لجأ هنا للفرعونية لأنها أيديولوجية عنده.
الجهل الناطق
ويرى أبو رية أننا في حالة صراع الجهل الناطق في مواجهة الوعي غير الناطق، وحتى يستطيع "أدب المقاومة" أن يؤثر في الجماهير يحتاج الأمر إلى تغيير في موازين القوى، وأن نكون في وضع ثوري ناضج، والجمهور مفتوح المسامِّ والثمرة مهيَّأة، نحتاج أن يكون هناك أحزاب فاعلة، والشارع المؤيد، والشاعر أو الأديب الصادق، الذي تردَّد قصائده أو تُقرأ أعماله.. أن نتخلص من الإعلام العربي السطحي التافه، الذي لا يهتم إلا بما يُشكِّل عقليات خفيفة، فيُنيم الأمة وينزع فتيل الشباب، وليس شرطًا أن يُدار "أدب المقاومة" في الثكنات، ولكن ما يكون بين الناس والحياة وسط هذه المقاومة علينا أن نعبر عن مقاومتنا الداخلية أولاً.
ليس ضد الذات
ويرى د. حامد أبو أحمد- عميد كلية اللغات والترجمة السابق بجامعة الأزهر- أن أدب المقاومة هو كل ما يُتناول، سواءٌ بالوصف أو التحريض أو الحث أو دفاع طرف مظلوم ضد طرف ظالم، وقد كان موجودًا لدى العرب منذ ما قبل الإسلام في شكل أشعار حَمَاسية أو تحريضية، واستمرَّ بعد الإسلام كشِعرٍ يدافع عن الدعوة ويردّ على الأعداء، وكان له أثر كبير في التأثير وتحريك مجريات الأمور، ويظهر هذا بوضوح في واقعة "عمورية" عندما جيَّش المعتصم الجيوش استجابةً لأبيات الشعر التي استغاثت به.
ويضيف د. حامد: إن المقاومة تتغير أشكالها من زمن إلى زمن، واختلافها الآن ناتج عن أن الجيوش العربية تخلَّت عن الدفاع، وبالتالي أصبح لزامًا أن تكون المقاومة نابعةً من الشعب، ويعبر أدب المقاومة عن الظروف والحالة الموجودة على أرض الواقع، وهو إما دفاعيًّا حماسيًّا أو تحريضيًّا، والمعتدي من الممكن أن يكون من نفس الأمة، وليس شرطًا أن يكون عدوًّا خارجيًّا كما حدث وقت اعتداء صدام حسين على الكويت، وظهر وقتها أدب يقاوم هذا الاعتداء، وإن كانت هناك حالات لا ينبغي أن يكون فيها أدب مقاوم ضد الآخر؛ لأنه في هذه الحالة يكون مبتذَلاً وضد الذات، كما في حالة النزاع الأخير بين فتح وحماس، ورغم أنه مات خلالها أشخاص، لكن لا يصح أن يظهر فيها أدب مقاومة.
التقاط اللحظة
وعايشت سلوى بكر حصارَ لبنان سنة 1982، ولمست بنفسها كيف استطاع أدب المقاومة مواكبة اللحظة، وكان قادرًا على إلهاب حماس المقاومين، ورفع روحهم المعنوية، والتوعية بصورة غير مباشرة بسبل الصمود والتحمُّل، عن طريق الشعر والكتابة القصصية والمقال الأدبي الذي يستطيع أن يلتقط لحظةًً ما ويعبر عنها بحساسية عالية.
ورغم أن سلوى بكر تعتبر أن الفارق الأساسي بين الرجل والمرأة هو فارق فسيولوجي جسماني بحت، إلا أنها تقول: لا أنكر أن هناك كتابةً نوعيةً للرجل وكتابةً نوعيةً للمرأة؛ لأن عوالم الرجل غير عوالم المرأة، ومنظور كل منهما قد يختلف عن الآخر، وقد كتبت عدة قصص عن حصار بيروت وكتبتها وقت الحصار منها: "أسامة الذي لا يحب الطائرات"، ولكن بعد حرب لبنان الأخيرة لا ينبغي أن ننتظر أن يكون هناك إنتاج أدبي فوري؛ فالإبداع لا يكون بردِّ الفعل المباشر، ربما الشعر يمكن أن يكون فوريًّا لأنه يعتمد على المشاعر والأحاسيس، فيستطيع أن يلبي انفعال اللحظة، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يكتب روايةً عن المقاومة في لبنان في بضعة شهور..؟!
وتضيف قائلة: إن الأمر يحتاج انتظارًا وتحتاج التجربة أن يتم هضمُها؛ لأن الناس تستجيب فقط لما هو صادق وجيد، أما الكتابة الأدبية ذات الطابع الدعائي فلا يستجيب لها أحد، والمتلقِّي الواعي يستطيع دائمًا التقاط ما بين السطور.
وفي النهاية ربما تؤدي الكلمة إلى نهضة أمة، وأحيانًا تكون السبب في الحروب والثورات، أو تكون وسيلةً من وسائل التنويم المغناطيسي وسلب الإرادة الجماعية لشعب بأكمله، ويمكننا القول بأن أدب المقاومة هو الصيحات التي تنفجر في آذان الشعب ليفيق من سباته، وهو يُرسِّخ قيمًا عُليا ويتبنَّاها ويُدافع عنها، ويُدافع عن الذات والهوية، ويُناضل من أجل الحرية.. والذي يُعرفنا بحجم العدوان الواقع علينا، وحجم إمكانياتنا، وماذا نستطيع أن نفعل، هو الخندق الذي نلجأ إليه وقت الأزمات ليحمينا من قذائف الباطل، وهو النبع الذي نتزود منه؛ حتى نستطيع الاستمرار في الدفاع والحفاظ على مواقعنا بعيدًا عن أرض المعركة ولكن داخلها في الوقت ذاته.

