مما لا شك فيه أن القدس هي قضية الإنسانية؛ فهي مهد الحضارات، وملتقى الأرض بالسماء، فهي مهد الديانات السماوية كلها؛ فهي مسيحية إسلامية، فعلى ثراها الطاهر يوجد المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين مسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وفي ربوعها الطيبة تتربع كنيسة القيامة، التي يحج إليها المسيحيون من مشارق الأرض ومغاربها، ولها تخفق قلوبهم، وتهفو نفوسهم، فهي مدينة الأنبياء، ومهد الرسالات، ومأوى الصالحين، فهي أرض المحشر والمنشر، ومهاجَر إبراهيم، وديار أيوب، ومحراب داود، وعجائب سليمان..

 

لا يٌنكر قدسيتها إلا جاحدٌ، ولا ينتهك حرمتها إلا مستهزئ بمواثيق الإنسانية كلها، يجب علينا أهل الأرض جميعًا أن نتصدَّى له، ونقتص منه؛ فقضية القدس هي قضية الإنسانية جمعاء، لا علاقة لها بدين أو حدود، فتجد على ترابها المبارك يمتزج الإرث الحضاري للبشرية على تنوعه في تناغم عجيب لتخرج لنا لوحة فنية تسر المحبين، وتغيظ الأعداء، يستحيل أن تتكرر في عالم ملأته الصراعات والمنازعات.

 

هذه هي القدس وما تتعرض له الآن من انتهاكات وتخريب وتغيير الوجه الحضاري المشرق لها واستبداله بوجه استيطاني قبيح لباعث لكل حي حر يحترم إنسانيته أن يتحرك لنصرتها، وانطلاقًا من هذه الثوابت شاهدنا في الأيام القليلة الماضية انتفاضةً عالميةً في ملتقى القدس الدولي الذى انعقد في عاصمة الخلافة الإسلامية إسطنبول في الفترة بين 15-17/11/2007؛ حيث شارك ممثلون عن أكثر من 60 دولة بلغ عددهم أكثر من 6000 مشارك وتحت شعار: "فلنحمِ وجه الحضارة" كان الانعقاد برعاية اتحاد المنظمات الأهلية في العالم الإسلامي- تركيا، ووقف تركيا للمنظمات التطوعية وتحت مظلة مؤسسة القدس الدولية التي نقدم نبذةً موجزةً عنها في السطور القلية القادمة:

 

- فهي مؤسسة مدنية مستقلة، تضم شخصيات وهيئات عربية وإسلامية وعالمية، غايتها العمل على إنقاذ القدس، والمحافظة على هويتها العربية ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

 

- وُلدت مع انطلاق الانتفاضة الثانية بعد تدنيس شارون للمسجد الأقصى في 28/9/ 2000م.

 

- وبعدها تمكنت لجنتها التحضيرية من عقد مؤتمر القدس 30/1/2001 على أرض لبنان، وتمخض هذا المؤتمر عن تبني فكرة إنشاء "مؤسسة القدس"، ثم انتخبوا من بين أعضاء مجلس الأمناء هيئةً لرئاسة الأمناء برئاسة فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وثلاثة نواب للرئيس هم: معالي الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، وسماحة حجة الإسلام السيد علي أكبر محتشمي، ومعالي الأستاذ ميشيل إده، والدكتور محمد مسعود الشابي "أمينًا للسر".

 

- ثم مؤتمرها الثاني في بيروت بتاريخ 16/2/2002م، ومن ثم عقدت عدة اجتماعات لهيئتها التأسيسية ومجلس إدارتها في كل من اليمن وإيران؛ لإتمام إطلاق وتشغيل المؤسسة، فحصلت على رخصة تشغيلها كـ"مؤسسة دولية" بقرار من مجلس وزراء الجمهورية اللبنانية بتاريخ 15/7/2002م.

 

- كما حصلت على ترخيص قانوني لإنشاء فرعها الأول في الجمهورية اليمنية بعد موافقة فخامة رئيس الجمهورية الأخ علي عبد الله صالح، وتسعى لاستكمال إجراءات الموافقة من قبل الجهات الرسمية لافتتاح فروع لها في كل من سوريا وإيران والأردن والجزائر وأندونيسيا وقطر والسودان.

 

- ينعقد هذا الملتقى في ظل نكبات متلاحقة تعاني منها الأمة الإسلامية والعربية راضخة تحت ظلم الحكام وقهر أعدائها، فبيضتها مستباحة من الداخل والخارج، فلا تسأل عن حرمة أُبيحت ولا عن عرض ينتهك أو عن مسجد يدنس.

 

وسنعرض بعض ما جاء على ألسنة الحاضرين:

- نبدأها بصرخة أطلقها المطران عطا الله حنا: "القدس توحدنا مسلمين ومسيحيين".

 

- ووقفة غضب لمدة دقيقة من أجل القدس، دعا إليها الشيخ رائد صلاح مردِّدًا شعار "بالروح بالدم نفديك يا أقصى".

 

- ونداء النائب في مجلس العموم البريطاني جورج جالوي لـ300 مليون عربي ومليار مسلم: "نرفع صوتنا للقدس، إننا لن نتركها تحت الاحتلال؛ فالقدس كنز عربي وإسلامي ومسيحي وكنز للبشرية جمعاء، ولكنها في يد عصبة من المغتصبين يفعلون بها ما يشاءون".

 

- واقتراح عزيز صدقي: "نريد إنشاء جامعة للشعوب العربية".

 

وما سبق غيض من فيض، وله دلالات في غاية الأهمية:

1- دور الشعوب لا يمكن إغفاله في حل القضايا المصيرية، وخاصة قضية فلسطين والقدس..

 

فإذا الشعب يومًا أراد الحياة       فلا بد أن يستجيب القدر

 

فالشعوب إذا تترَّست خلف هذه القضية فلا بد أن يخرج المغتصبون وينعم الناس بالحياة من جديد، وهنا لا نخوض فيما تفعله الشعوب؛ لأن دورها ظاهر جليٌّ وتعلمه جيدًا.

 

2- دور الحكومات العربية والإسلامية في نصرة القدس خاصة والقضية الفلسطينية عامة، والواقع يشهد بأن هذا الدور أصبح لا يعول أحد عليه، فهما موقفان كلاهما ضعيف، فالأول مرتمٍ في حضن الجلاد ويستعطفه لأخذ الفتات، والآخر لا يشغله هذا الأمر في شيء ما دام عرشه محفوظًا لا يهمه شيء.

 

وهنا أخص بالذكر رد الفعل المصري الرسمي؛ فالحكومة المصرية أدارت ظهرها للقدس وللقضية الفلسطينية برمَّتها، ونعرج عليه في السطور القليلة القادمة:

* بعدما كانت مصر حكومةً وشعبًا في دور الفاعل في الشأن الفلسطيني، منذ حرب 1948 حتى فترة ليست بالطويلة، موجهة الجحافل العربية والإسلامية تخلَّت عن هذا الدور منذ اتفاقية كامب 1979م.

 

* استمرار الضغوط الحكومية لمنع الحركات والجمعيات الأهلية من دعم القضية الفلسطينية، سواءٌ ماديًّا من مطاردة القائمين على جمع التبرعات العينية بل توجيه التهم إليهم والزج بهم في السجون والمعتقلات، ومعنويًّا من منع المؤتمرات والندوات الحاشدة للتعريف وبالقضية والضغط الشعبي من أجل الحل، بل لا يصل الحد إلى المنع، بل يصل إلى المطاردة الأمنية، فتجد جحافل الأمن تطوِّق مثل هذه المؤتمرات والندوات دون مبرِّر!!.

 

* التعتيم الإعلامي على القضية، فلا تجد القضية تطرح أو تناقش بموضوعية بعيدًا عن أي غرض سياسي أو مأرب شخصي، فلا تجد الآن سوى الحديث عن الفتنة وخلافات الفصائل، وكيف أن كل فصيلٍ يتشفى في الآخر متهمًا إياه بالانقلابية تارةً وبالعمالة تارةً أخرى، ونسينا القدس وفلسطين السليبة، وما يحدث فيها يوميًّا من انتهاكات وقتل وتشريد وهدم وهتك الأعراض والزج بالأبرياء في السجون والمعتقلات، دون مراعاة لسن أو جنس، ثم توسيع البؤر الاستيطانية على حساب الأراضي الفلسطينية.

 

* حصار الشرفاء من أبناء الأمة وحرمانهم من المشاركة في أي فعالية قد يكون لها صداها لتمثل وسيلة الضغط، ووضح هذا جليًّا في منع 4 من الشخصيات المصرية البارزة في مقدمتهم د. جمال حشمت وم. علي عبد الفتاح، مُنعوا دون إبداء أسباب؛ لا سيما أنهم جميعًا من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

 

* عدم وجود رد فعل على المستوى الرسمي في إدانة أي انتهاك لحرمة السجد الأقصى أو لتراب وشعب فلسطين؛ ففي يوم الخميس قام أحد وزراء دولة الاحتلال الصهيوني بتدنيسه للمسجد الأقصى تحت سمع وبصر الأمة كلها، ولكن لا حياة لمن تنادي.

 

* خير دليل على أن مصر أدارت ظهرها لهذه القضية التي تعتبر ترمومتر لقياس حال الأمة الإسلامية، أن مؤسسة القدس الدولية قامت في حضن لبنان، واليوم الملتقى في تركيا عاصمة الخلافة الإسلامية، التي ترجع لحضن أمتها الإسلامية مرةً أخرى بعد قطيعة ظلت لعشرات السنين، وغدًا المؤتمر عند الجلاد الأمريكي، وفي بعض الأحيان دعم غير مبرر للكيان الصهيوني.

 

مما سبق يتضح أمران: أن الأنظمة لا يعول عليها، وأن المناخ السياسي الذي أحاط بالملتقى قبل وأثناء انعقاده والضغوط من كل الجهات لمنعه أو تأجيله، كانت تستوجب من المجتمعين في الملتقى أن يخرجوا بإعلان من القوة بمكان لا بد أن يساوي حجم التحديات التي تواجهها القضية، ونختم حديثنا بالعروج سريعًا إلى هذا الإعلان الذي تتضمن أحد عشر بندًا والذي تلاه الأمين العام لمؤسسة القدس الدولية "محمد أكرم العدلوني".

 

نجملها فيما يلي:

1- التأكيد على أن القدس عربية إسلامية، مهما حاول اليهود تغيير وجهها، وأن عملية التهويد المستمرة عملية منكرة يجب توقيفها فورًا واستنكارها، ويجب مناهضة الاحتلال لكافة الأراضي العربية، في فلسطين والجولان وبقايا شبعا، فهو عامل الاحتقان الأكبر وسبب التوترات على كافة الأصعدة.

 

2- الصهيونية حركة إرهابية عنصرية كما أكد مؤتمر دربن.

 

3- التأكيد على حق العودة للنازحين واللاجئين إلى القدس ولكل الأراضي الفلسطينية؛ باعتباره حقًّا فرديًّا وجماعيًّا.

 

4- مطالبة الدول العربية والإسلامية بتكريس كل الجهود لإنهاء احتلال القدس وإنهاء كل أشكال التطبيع مع الصهاينة، والتأكيد على أن المقاومة والجهود الشعبية هي الطريق الأنجح في مواجهة الاحتلال.

 

5- عدم جدوى المؤتمرات الدولية في مجملها، خاصةً أنها تحت المظلة الأمريكية، فهي لا تصبُّ إلا في خانة خدمة الكيان الصهيوني.

 

6- إن الأممِ المتحدة، وقد كانت معظم قراراتها من أسباب النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني، مُطالَبةٌ بالالتزامِ الكاملِ برفع العدوانِ والحصارِ عن هذا الشعبِ، ومطالبةٌ أيضًا بتفعيل دورِ لجنةِ حمايةِ القدسِ التي تأسست عام 1947م، كما أن الدولَ العربيةِ والإسلاميةِ وسائرَ الدولِ المحبةِ للسلام مطالبةٌ أيضًا برفعِ هذا الحصار، ومساعدةِ أهلِنا بكل ما يحتاجون إليه.

 

7- هذا الملتقى شكَّل تجسيدًا حيًّا لنبض الشعوب ويتوجه إليها جميعًا، فإنها أوسع حركة، فلينصروا القدس والقضية الفلسطينية، ويتوجه أيضًا إلى الفلسطينيين، مطالبًا إياهم بالوحدة ونبذ الخلافات ليواجهوا الاحتلال بأرجل ثابتة وسواعد قوية.

 

وأختم هذا المقال وأتوجه إلى الأمة الإسلامية كلها بصرخة المطران عطا الله حنا "القدس توحدنا"، فلنوحد جهودنا وقلوبنا وعزائمنا ووجهتنا، ولننبذ خلافاتنا جانبًا، ولنقف وقفة غضب تستمر حتى يخرج المحتل وتعود الأرض إلى أحضان الأمة، ونصلي معًا في الأقصى.