بين الحين والآخر يخرج علينا من يرفضن التعدد، ويعارضن اتجاه الأزواج إليه، بل هناك من يطالبن بتحريمه، وأخريات يسعَين لاستصدار تشريع وضعي بمنعه، كما في تونس، متعللاتٍ بحُجج بعيدة عن روح الشريعة ومقاصدها، ومجتهداتٍ في تفسير الآية الكريمة، وهن لا يملكن أدوات التفسير، ومستدلاتٍ بصور فاشلة ناتجة عن سوء التطبيق، لا علاقة للشريعة الإسلامية بها.

 

وإذا دافعت امرأةٌ عن التشريع حميَّةً لدينها، وإنكارًا لتعطيل تشريع في زمن تكالب فيه الأعداء على شريعتنا الغراء، اعتبروها مجامِلةً للرجل، تبدي خلاف ما تبطن، وأكدوا أن الأمر لو تعلَّق بها فأراد زوجها الزواج بثانية ما قبلت، والقضية ليست قضية قبول أو رفض امرأة أو أخرى، فلا شك أن التعدد أمرٌ غير مستحب لأي زوجة، لكن ليس لها أن تنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو تعطِّل تشريعًا.

 

تلك هي القضية التي يجب أن ننتبه إليها، فالله عز وجل لم يُنزل تشريعًا للمرأة كفرد وآخر للرجل، وترك لكل منهما مهمة تطبيقه وحده، والدفاع عنه، بل شرَّع أحكامًا للأسرة كلبنة في المجتمع المسلم، تتكامل فيها أدوارهما، وتدور حقوقهما وواجباتهما في إطار تحقيق مصلحتهما الشخصية والصالح العام معًا.

 

وأبسط مثال على ذلك هو تشريع التعدد، لماذا نهاجم الرجل وكأنه الطرف الوحيد المستفيد؟! ألا يتزوج امرأة، أم أن طرفي القضية رجال؟!! ولماذا لا نستمع لوجهة نظر الزوجة الثانية والثالثة والرابعة، وهي وجهة نظر نسائية بحتة بعيدة عما تراه بعض النساء من أنانية الرجل وظلمه وقهره.. إلخ؟!

 

سأنقل لكم الصورة من خلال عملي كمسئولة لجنة زواج بإحدى الجمعيات التابعة لمسجد؛ ففي الوقت الذي تطالب فيه بعض النساء بتحريمه هناك من تطالب بتوعية النساء بضرورته ممن لا تسمح ظروفهن إلا أن يكنَّ "زوجة ثانية"، بل إنهن يحمِّلن الزوجات اللائي يمنعن أزواجهن من الزواج بثانية إثْمَ عدم زواجهن.. قالت لي إحداهن: "إن الزوجات اللائي تسمح ظروف أزواجهن بالتعدد ويمنعنهم آثمات؛ لأني ومَن لهن مثل ظروفي متضررات"!!.

 

وقالت أخرى: "لن أسامح الزوجات اللائي يعارضن التعدد، وأشكوهن إلى الله، وسأقتصُّ منهن يوم القيامة"!!.

 

وجاءت إلى اللجنة ذات يوم امرأةٌ، طلبت أن تتزوج، وقالت لي إنها ترضى أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة!!

 

وتتصل بي كثيرات، منهن المطلقة والأرملة والتي تقدم بها السن، تطلب زوجًا يحتاج زوجة ثانية!! وهكذا يجب أن نرى الصورة كاملةً؛ ففي الوقت الذي تعترض وتُحرِّم بعض النساء التعدد، نجد أخريات يطالبْن به ويرينه ضرورةً، ويسعَين إليه، ولا يجدن غيره سببًا يأخذن به لتحقيق الاستقرار والسعادة.

 

وأرى أن هناك هدفًا أشمل وأعم يمثل رسالةً في المرحلة الراهنة؛ فالجهود تكثَّف على مستوى دولي لتُخرج الأسرة العربية من جلبابها الإسلامي، وتطرح تشريعاته جانبًا، وتستبدلها بتشريعات تقنِّنها مؤسسات دولية؛ لتصبح أمتنا في النهاية جزءًا من نسيج النظام العالمي الجديد، تلك هي قضيتنا الأساسية: بناء أسر تعيش سعيدةً بالإسلام، ومجتمعات تنظمها تشريعاته، وإلا فكيف سنحافظ على هويتنا؟!

 

فالرجل الذي يؤمن بالتعدد لأنه يحتاجه، ويرى أن غيره يجب ألا يعدِّد إلا لضرورة، والمرأة التي تدافع عن التعدد لأنه الأنسب لظروفها.. كلاًّ منهما قد تعايش مع ذاته، وتمحور حولها، وتعامل مع التشريع بمنطق الـ"أنا"، فتطبيق الجزئيات يكشف مدى فهم الكليات، ولو تدبَّرنا حالنا لوجدنا الكثير منا يتعامل مع الشريعة بهذا المنطق، منطق المكسب والضرر، الرجل والمرأة، فيتعسَّف الرجل في استعمال قوامته، وتراها الزوجة قيدًا وقهرًا، ولا يطبق الزوج من الشرع إلا "إذا أمرها أطاعته"، و"أمك ثم أمك ثم أمك"، و"أنت ومالك لأبيك"، وترد الزوجة بـ"خيركم خيركم لأهله" و"رفقًا بالقوارير" و"وأوصيكم بالنساء خيرًا".. إلخ.

 

وهكذا يقف كل منا في وجه الآخر، شاهرًا مجموعةً من الأحكام والوصايا الخاصة به، متمسكًا بما يعنيه، تاركًا ما يعني الطرف الآخر، اقتطعها من نسيج الشريعة، ففقدت روح الشريعة وسماحتها، فعجزت عن تحقيق السعادة التي أرادها الشارع لنا رجالاً ونساءً، وعجزت عن تحقيق مصلحة المجتمع والأمة، وهكذا سلكنا مسلك أعداء الإسلام في التمييز والنديَّة بين أفراد المجتمع كرجل وامرأة، وفي تعطيل أحكامها حين تتعارض مع أهوائنا، ناسين أن هذا فعل اليهود، الذين وبَّخهم الله عز وجل بسببه في القرآن الكريم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: من الآية 85) بل هو منهج المنافقين في التعامل مع الشريعة، ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (52) (النور).

 

فالصعوبة ليست في تطبيق الشريعة، بل الصعوبة جاءت من افتقادنا روح الإسلام، ويجب أن نتخلَّى عن أنانيتنا، ونستشعر مسئوليتنا تجاه شريعتنا، ونفهمها في إطار الصالح العام للمجتمع  فمراعاة الصالح العام مبدأ عام للتشريع، حينئذٍ سنشعر بانتمائنا لمجتمعنا، ونتآزر رجالاً ونساءً لتطبيق شريعتنا، ونحقِّق مقاصدها، فنسعد بها رجالاً ونساءً، ونسير في طريق وحدة الأمة فقوتها في نصرها.

---------------

* أكاديمية وباحثة دكتوراه في أحكام الأسرة وماجستير في التفسير وعلوم القرآن.