انشغل الكتَّاب والمفكرون بالمؤتمرات التي دعت إليها الولايات المتحدة أو ساندتها لتسوية الصراع العربي الصهيوني، وكان آخرُها مؤتمر أنابوليس, ومن المفيد أن يتم تحليل الموقف عقب هذه المؤتمرات، ولكنَّ الأكثرَ فائدةًً هو تسجيل وضع القضية الفلسطينية على ضوء هذه المؤتمرات، خاصةً في إطار السياق العام للمشروع الصهيوني الذي وضع لنفسه أهدافًا واضحةً وفق برنامجٍ صارمٍ يقوم على استقراءٍ دقيقٍ للأوضاع الإقليمية والدولية؛ فلا شك أن المطالب الفلسطينية- بشكلٍ عامٍ- في تراجعٍ مستمرٍّ لصالح المشروع الصهيوني الذي يرى أن الصراع في فلسطين بالذات معادلةٌ صعبةٌ؛ لأن ما يخسره الفلسطينيون يكسبه الصهاينة، ونجح الكيان في أن يجعل كل مؤتمرٍ محطةً متقدمةً، وعلامةً من علامات ارتفاع المشروع الصهيوني.

 

ولعله من المناسب في هذه العُجالة أن نعالج نقطتَيْن مهمَّتَيْن:

النقطة الأولى: هي بيان التراجع الفلسطيني والعربي لصالح المشروع الصهيوني منذ مدريد 1991م.

 

والنقطة الثانية: هي تراجعٌ ينتظر الوضع الفلسطيني بعد المؤتمر الأخير.

 

لقد كان واضحًا أن مؤتمر مدريد هو ترجمةٌ دقيقةٌ لأوضاع العالم العربي المهزوم بعد أن غزا العراقُ الكويتَ، وكشف عن نقائص النظام العربي، ودفع هذا النظام دفعًا؛ لكي يستعين بالولايات المتحدة الأمريكية، وهي في لهفةٍ وانتظارٍ لهذه اللحظة التي دعاها فيها أصحابُ الشأن، مُضطرِّين لمواجهة الوحش العراقي التي صنعته الولايات المتحدة، وقبلت واشنطن المهمة وفق سيناريو مدروسٍ مقابل أن يُسلِّم الجميع لها بقيادة النظام الدولي الجديد، وهو الوجود العسكري الكاسح في الخليج وبعض الدول العربية، وبأن تتولَّى الولايات المتحدة بنفسها تحديد المخاطر التي تتعرض لها منطقة الخليج، وتحديد المتطلبات الأمنية والعسكرية اللازمة.

 

وظلَّت واشنطن تُشدد على خطر العراق حتى اعتقد العرب أن العراق هو الخطر البديل عن الكيان الصهيوني، وبضربةٍ واحدةٍ تمكَّنت الولايات المتحدة تحقيق خمسة أهدافٍ كبرى، وهي:

 

* تقرر قيادة التحالف الدولي ضد العراق.

* السيطرة المتقدمة على مقدرات المنطقة السياسية والأمنية والبترولية.

* القضاء على العراق قضاءً وصل إلى حدِّ احتلاله بعد ذلك بثلاثة عشر عامًا، والانفراد بالقرار الدولي والإقليمي، فأنهت بذلك كل فاعلية للجامعة العربية.

* أما الهدف الرابع هو استغلال الموقف العربي والفلسطيني المساند للغزو العراقي؛ لتصعيد القضية الفلسطينية وإعلاء شأن الكيان، وإظهاره للمرة الأخيرة كضحيةٍ تستهدف فيها صواريخ المعتدي الديكتاتوري صدام حسين، وأنها دولة تجاهد كي تكظم غيظها لمواجهة هذا الاستفزاز.

* وأخيرًا تمكَّنت الولايات المتحدة من أن تدشن عصرًا جديدًا اختفى فيه الاتحاد السوفيتي، وتمكَّنت فيه واشنطن من السيطرة على النظام الدولي.

 

ففي مدريد تم الاتفاق على أن الصراع بدأ عام 1967م, وأن الحديث عنه يبدأ فقط بقرار مجلس الأمن رقم 242 وبالتفسير الذي قدَّمه الكيان؛ بما يعني إسقاط قرار التقسيم, وبالتبعية قرار عودة اللاجئين رقم 194, وهما أخطر قرارين في تاريخ الصراع؛ لأنهما يذكِّران بنشأة إسرائيل على أراضي شعبٍ آخر لا يزال يدق أبواب العودة ويرفض أي تعويض.

 

وهكذا اعتقد الوطن العربي أنه دخل مرحلة السلام، وأن الصراع سوف يُسوَّى على أساس هذا القرار, ولكن المؤتمر قرر أمرًا آخر، وهو الالتفاف على القضية, ووضعها في مرتبةٍ تاليةٍ, والسعي إلى إشاعة روح التعايش العربي الصهيوني بعد أن أوهم العالم أن مجرد الاتفاق على عملية السلام قد حقَّق السلام بالفعل.

 

وكانت نتائج مؤتمر مدريد باهرة؛ حيث زالت عن إسرائيل كافة حواجز المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية والنفسية, وتراجعت حقوق الشعب الفلسطيني, وتم فك الارتباط فعليًّا بين الإطار العربي الواقي للإطار الفلسطيني، فشعر عرفات بهذه الحقيقة, بل إن الوفد الفلسطيني في المحادثات المتعددة الأطراف والثنائية كان ضمن الوفد الأردني, ففتح له الكيان شراعًا من نورٍ سرابيٍّ في أوسلو, فانطلق إليه؛ حتى لا يضيع زخم الانتفاضة الأولى، وحتى يمكن تقنين المرحلة الثالثة من الصراع والتي اتسمت بالتراجع المستمر والانقطاع الفعلي بين القضية الفلسطينية والعالم العربي مع استمرار انطلاق المشروع الصهيوني إلى غاياته النهائية.

 

وكانت المرحلة الأولى من الصراع هي عمليات 1967م التي حوَّلت القضية عن المطالبة بزوال إسرائيل إلى المطالبة فقط بإزالة آثار عدوان الكيان, على أن يظل العدو الصهيوني بطاقاته ومشروعه العدواني التوسعي, فكان رد سيناء هو ثمن خروج مصر من المواجهة، وهو أعظم إنجاز حقَّقه المشروع الصهيوني طوال تاريخه القصير.

 

أما المحطة الثانية التي ترتبت فورًا على هذا الإنجاز فهي احتلال بيروت، وطرد المقاومة الفلسطينية إلى الأبد، وانتزاع الذراع العسكري للثورة الفلسطينية, ثم كانت المحطة الثالثة في مدريد التي روَّج لها الإعلام العربي بأنها المحطة الرئيسية التي تنطلق منها كل قطارات السلام إلى كل الاتجاهات, والكيان الصهيوني يُمسك بزمام الموقف تمامًا, بينما يتخبَّط العالم العربي بين يديها.

 

ثم كانت المحطة الرابعة هي أوسلو التي رهنت كل القيادات الفلسطينية على الأرض بإدارة المحتل, وتصور الصهاينة أن أوسلو محطة إنزال القيادة الفلسطينية إلى ميناءٍ تتحكم فيه بعد أن أغلقت في وجهها كل السماوات العربية التي ابتعدت كثيرًا بعد مدريد عن القضية برمتها, بعد أن اطمأنت إلى أنها استقلت إلى أيدٍ أمينةٍ، تعرف كيف تتصرف فيها، وهي إسرائيل والولايات المتحدة؛ وذلك بعد أن تربَّعت واشنطن على قمة النظام الدولي, واختفى الحليف السوفيتي "الطبيعي" كما كان يوصف حينذاك.

 

وقد حققت أوسلو للصهاينة عددًا كبيرًا من المكاسب:

* أولها أنها مزقت السلطة الفلسطينية بين أوسلو وخصومها.

* وثانيًا أنهم توسعوا في بناء المستوطنات, وتهديد القدس, وهي تعلم أنها وقعت أوسلو لكي تنتهكها وتلوي عنقها.

* وثالثها أنهم حصلوا من عرفات- صاحب الأرض- على اعترافٍ بالكيان، وهو أهم من أي اعترافٍ آخر؛ لأنه اعتراف المالك للحائز الغاصب.

 

ولكنَّ عرفات الذي يعلم جيدًا أن المشروع الصهيوني يمضي في طريقه كان يراهن على تغير الظروف، وكان برجماتيًّا إلى حد الاعتقاد بأن وجوده في فلسطين يمكن أن يكون بدايةً لتطبيق نظرية بورقيبة: "خد وطالب", ولكن انتهى به الأمر إلى أن سحقه الصهيوني مثلما دفن مئات المناضلين تحت ركامه.

 

وبصرف النظر عما أحدثته أوسلو من خلافٍ بين الفلسطينيين فقد راودنا رغم ذلك أملٌ في أن تُنفَّذ أوسلو، فتؤدي إلى تحقيق جزءٍ مما لم تتناوله براثن المشروع الصهيوني, ولكن أحداث السنوات الخمسة عشر الأخيرة وخصوصًا أحداث سبتمبر 2001م دفعت المشروع الصهيوني بأكثر مما كان يندفع على الأقل بمائة عام؛ حيث تم الفصل عمليًا بين العرب والفلسطينيين الذين تُرِكوا وحدهم بلا مساندةٍ ماديةٍ أو معنويةٍ أو دبلوماسيةٍ لأقدارهم أمام الوحش الإسرائيلي الذي التهم المزيد من الأراضي والمزيد من السكان, وجعل الحياة في فلسطين أشد نكرًا على سكانها من الجحيم, بعد أن تمكَّن شارون من تسخير القوى الأمريكية كي تقلب موقفها بالكامل من القضية في عام 2004م, وأصبحت واشنطن تتقدم الصهاينة في تحقيق مشروعهم في الجدار العازل وإبادة السكان والاستيطان والإذلال.

 

وأخيرًا وصل قطاع المشروع الصهيوني إلى أنابوليس؛ حيث بلغت القوة الأمريكية حد جمع العالم العربي لكي يُضفيَ الشرعية على الفصل الجديد من المشروع، وهو أن يقود أبو مازن عملية المواجهة مع حماس بمساندةٍ أمريكيةٍ وصهيونيةٍ تحت عنوان استعادة الشرعية, وتحت عنوانٍ دوليٍّ، وهو تنفيذ الشق الأمني من خارطة الطريق، ولذلك أعتقد أن القضية الفلسطينية قد تحوَّلت من مُطالَبة الصهاينة بالتسوية إلى تصفية القضية بالتضامن بين بعض أبنائها والكيان وواشنطن, ولا أظن أن الدول العربية تمانع في ذلك، وإن ترددت في الموافقة على ذلك صراحةً.

 

أما الدولة الفلسطينية ومفاوضات الوضع النهائي وغيرها من العناوين البرَّاقة فقد تم ذكرها؛ ذَرًا للرماد في العيون، ومزيدًا من الاستخفاف بالعالم العربي وكرامته.

أما كيف يمكن إنقاذ ما تبقَّى من فلسطين، فهو موضوع المقال التالي.