- الكتاتني: المحاكمات العسكرية جاءت ردًّا على شعبية الجماعة في الشارع
- هيثم مناع: المحكمة كارثة وإجراءاتها تفتقر للشفافية والعدالة والنزاهة
- صبحي صالح: الحكومة "أفلست بيديها الاثنتين" فلجأت لهذه المهزلة
باريس - أنور مالك
نظَّمت اللجنة العربية لحقوق الإنسان مؤخرًا في باريس ندوةً حول المحاكم العسكرية والحريات الأساسية في مصر، وهي الندوة التي تم تنظيمها في بيت الجمعيات الجديد بمدينة مالاكوف بالضاحية الباريسية، ودعت اللجنة فيها الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، والنائب المحامي صبحي صالح عضو هيئة الدفاع عن الإخوان، الذين يحاكَمون أمام المحاكم العسكرية.
ورغم أن موضوع الندوة كان عن المحاكم العسكرية في مصر، إلا أن الحوار توسَّع وشمل قضايا مختلفةً، منها التعذيب في سجون الجزائر، والاستبداد بتونس، وتُعتبر الندوة الثانية بعد الأولى التي عُقدت بلندن، وتناولت الحريات في مصر والعالم العربي.
![]() |
|
فيوليت داغر اتهمت النظام المصري بالاستبداد وانتهاك الحريات |
بعدها أحالت الكلمة إلى التونسي فتحي بلحاج، الذي تحدث عن إضراب الجوع في تونس، الذي يشنُّه أساتذة مطرودون تعسُّفًا، وهم: معز الزغلامي، علي الجلولي، محمد المومني، منذ 20 نوفمبر 2007، ثم عرج في كلمته المختصرة عن واقع الحرية في تونس، وما يعانيه المعارضون من استبداد واضطهاد.
بعدها سلَّمت الكلمة للصحفي أنور مالك، والذي تناول فيها قضية وتداعيات تقرير "التعذيب في سجون الجزائر" الذي أصدرته اللجنة العربية مساء الجمعة 7 نوفمبر 2007، وكان له الصدى البالغ، سواءٌ على المستوى السياسي أو الأمني، والذي أدان النظام الجزائري بممارسة التعذيب في السجون، وكشف تورُّط وزراء في ذلك، نذكر من بينهم الوزير وزعيم حركة حمس بوجرة سلطاني، والذي كان ردّه يوم السبت 8 نوفمبر على صدر يومية "النهار" الجزائرية؛ حيث برَّر قائلاً: "أنا مشغول بحزبي وليس لديَّ الوقت لتعذيب الناس"؛ مما فسره الكثير من الملاحظين بأن الوزير لا يُدين التعذيب، بل يبرِّره في حالة وجود الوقت الكافي، وكذلك انتقاصه من شأن اللجنة العربية التي أصدرت التقرير.
وقد كشف الصحفي أنور مالك في كلمته أشياء كثيرة حول ما يحدث في سجن الحراش (الجزائر العاصمة)؛ حيث اخترقه رجال الأمن، ومارسوا التعذيب لمساجين تناول تقرير اللجنة قضاياهم، وأشار إلى أسمائهم، وناشد كلَّ المنظمات الحقوقية الوقوفَ مع هؤلاء المساجين، الذين يتعرَّضون للاضطهاد في زنازينهم.
بعدها تقدمت الدكتورة فيوليت بتعليق عن تقرير التعذيب في السجون الجزائرية، وأعطت مقاربةً حول ظروف العمل به ونشره، ودعت بدورها إلى ضرورة مناصرة هؤلاء المضطَّهدين.
جلسة المحاكمات
الجلسة الثانية ترأَّسها الدكتور هيثم مناع، وحضرها الدكتور محمد سعد الكتاتني، والنائب صبحي صالح، وتحدث في البداية د. هيثم مناع منتقدًا مسيرة هذه المحاكمات العسكرية والمحاكمة الأخيرة التي دامت عامًا، واعتبرها كارثةً، خاصةً فيما يتعلق بالكيفية التي يتم بها نقل المتهمين إلى المحكمة، وانتقد بشدة السيارات المستعمَلة والتي شبَّهها بـ"إسطبلات"، والتي يتم التبوُّل فيها لأجل الحطِّ من كرامتهم، قائلاً: "إنها محاولة إذلال للمتهمين ولكن في الحقيقة هم الأذل...".
ثم استرسل في الحديث عن الاعتقال ومدة التوقيف التي لا تُحتَرَم، واعتبر أن التوازي بين القضاء العسكري والقضاء المدني جاء لضرب القيم الإنسانية، واستنكر بشدة محاكمةَ مدنيٍّ أدَّى واجبَ الخدمة الوطنية بمحكمة عسكرية، ليزيد في انتقاده للقضاء العسكري الذي يتجاوز رسالته الحقيقية في مثل هذه المحاكمات الهزيلة، ليذهب بعيدًا في رؤيته؛ حيث إن المحاكمات التي تُجرَى الآن هي مقدمة لمحاكمات قادمة، فقد بدأت بالإخوان وتنتهي بالليبراليين على حدِّ تعبيره.
بل ذهب إلى نعتها بأنها عملياتُ تجريبٍ تستهدف هؤلاء الكوادر، فإن نجحوا في الحكم عليهم فإنه لن ينجو أحد منها.. أيضًا ذهب إلى أنَّ وجود نواب من الإخوان في العاصمة الفرنسية هو في حدِّ ذاته أمرٌ هامٌّ للغاية، وتجدر الإشارة إلى أنه كان من المفروض أن يلتقي نواب الإخوان مع نواب فرنسيين ولكِنْ أُلغِيَ ذلك بسبب تداعيات زيارة الزعيم الليبي القذافي إلى باريس.
![]() |
|
د. محمد سعد الكتاتني |
ثم انتقلت دفة الحديث إلى د. محمد سعد الكتاتني، الذي افتتح كلمته بالشكر الجزيل للجنة العربية لحقوق الإنسان، التي أتاحت له الفرصة، ووجَّه شكره الخاص للدكتورة فيوليت والدكتور هيثم على تحمُّلهما مشاق السفر نحو بلاده، ومحاولاتهم حضورَ جلسات المحاكمة، بعدها بدأ الحديث عن القضية والتي وصف ملفَّها بـ"الضخم والمؤثر"، ليبدأ في محاضرته التي قسمها لمحاور، بدأها بتساؤلين: لماذا هذه القضية؟! ولماذا هذا التوقيت بالذات؟! ليصف أن ما يقوم به النظام بـ"المسلسل"؛ لأن المحطة الآن هي القضية السابعة لإحالة قيادات الإخوان للمحاكمة العسكرية في ظرف 10 سنوات، ليردف في حديثه هذا عن طبيعة المتابَعين؛ حيث وصفهم بأنهم صفوةُ المجتمع، من أطباء ونقابيين وأساتذة جامعيين.
ثم أشاد بنواب الإخوان، وبالشعبية التي يتمتعون بها، وقد تعجَّب كثيرًا من التُّهَم الموجَّهة إليهم والمتمثِّلة في تمويل الإرهاب وغسيل الأموال، جاعلاً منها مجرد باطل لا أساس له، ونفى نفيًا قاطعًا وجودَ أي علاقة لهم بكل ما ذُكِرَ.
أما في إجابته عن تساؤله حول التوقيت المختار، فقد أرجع ذلك إلى صعود الإخوان التدريجي وحيازتهم لثقة الشعب (88 نائبًا- 20% من النواب)، وهذا الذي أثار حفيظة النظام المصري، وبدل المنافسة لجأ إلى أسلوبين- حسب رأيه-: الأول ويتمثل في منعهم من تشكيل حزب سياسي، أما الثاني فهو اعتقالهم وتشويه صورتهم ومحاكمة القيادات عسكريًّا، ليضيف أن هاجس النظام الآن هو الخوف من فوز مرتقب للإخوان في انتخابات مجلس الشورى، إلى جانب سعيه إلى نقل السلطة، وتوريثها من دون أي تأثير يعوق هذا التحول، إلى جانب مواقف الإخوان التي تساند القضايا العادلة والتنظيمات الجماهيرية الأخرى، التي بدورها وقفت ضد التعديل الدستوري المكرِّس للاستبداد.
أمر آخر أشار اليه الدكتور الكتاتني والمتعلق برسالة وجَّهها النظامُ لأمريكا، من خلال توجيه تهم تتعلق بالإرهاب، وهو ما تسعى إليه الكثير من الأنظمة لكسب وُدِّ البيت الأبيض.
جانب آخر لم يغفله المحاضر، ويتعلق بالمساعدات المقدمة للشعب الفلسطيني، والدور البارز للإخوان فيها؛ لذلك يسعى النظام المصري لمنعها من خلال ما يطال الإخوان من تجاوزات، والمحاكمات بحدِّ ذاتها تهدف إلى تغييبهم وحرمانهم من الترشح للانتخابات القادمة حتى تضعف شعبيتهم.
أما المحور الثاني، فأشار فيه إلى بعض النقاط البارزة في القضية، منها عدم وجود دليل محدَّد يخص أيًّا من المتهمين، أيضًا أحكام القانون والدستور المنتهكة، واصطناع الدليل لموافقة الاتهام، والمحكمة العليا السرية.. ليشير إلى بعض الأسماء التي حضرت لمناصرة قضية الإخوان، ومنها طبعًا الدكتور هيثم مناع، الدكتورة فيوليت داغر، الصحفية الإنجليزية إيفون ريدلي، الحقوقي الأردني سميح خريس، وزير العدل الأمريكي السابق رامزي كلارك، الناشط الحقوقي الأمريكي بورس نستور، الدكتور عمار القربي... إلخ.
وأعطى المحور الثالث من مداخلته صورةً عن انتهاكات حقوق الإنسان للمحالين للقضاء العسكري، ومن بين الانتهاكات التي تحدث عنها انتهاك الحرية الشخصية وحرية المسكن؛ حيث تم ترويع الأطفال والنساء والمعاملة الهمجية، أيضًا تحدث عن انتهاك الحقوق القضائية للمتهمين، وذلك بعدم احترام قرارات القضاء المدني بالإفراج عنهم، والإهمال في الرعاية الصحية، وسوء استعمال سلطة الحبس الاحتياطي، وسوء معاملة المدعَى عليهم، ونقلهم لجلسات المحاكمة في سيارات مهينة، وإيداعهم أثناء المحاكمة في أقفاص حديدية ضيقة، وتسارُع جلسات المحكمة بسبب إرهاق المدعَى عليهم وحتى المحامين، وعدم إصدار تصاريح لزيارتهم في السجن؛ مما يقطع الصلة بين المحامين وموكليهم.
في الأخير أكد أن الاتهام ملفَّق لا أساس له، والغرض منه إقصاء المعارضين من الحياة السياسية المصرية.
![]() |
|
صبحي صالح |
وأضاف صبحي صالح أن القبض على المتهمين جاء على خلفية أحداث جامعة الأزهر، وأكد أن الطلاب هم من قاموا بها، وتم استبعادهم من الاتهام، وتعجَّب من التناقض الصارخ في القضية، أيضًا استرسل بلغته التي شدَّت انتباه الحضور إلى مسألة قرار الإفراج الذي صدر والملزِم بالإفراج الفوري وبلا ضمان ولا متابعة، ولكن تم اعتقالهم مجددًا فورَ الإفراج هذا.
وانتقد وزير الداخلية الذي اعترض على قرار الإفراج، واصفًا الحكومة من أنها "أفلست بيديها الاثنتين"، ليزيد في مسائل مختلفة، منها الطعون المقدَّمة، سواءٌ كانت في قرار الإحالة أمام مجلس الدولة، وأطلق على ما يجري لفظًا مصريًّا شهيرًا، هو "البلطجة"، ليتساءل: أين القانون؟! وقال بأسلوب ساخر: نحن لا نعرف بأي قانون نحاكَم، ليجعل المحاكمة العسكرية لكوادر الإخوان تتعارَض مع أكثر من 35 مبدأً دستوريًّا، و33 نصًّا من الدستور، يتعارض مع هذه المحاكمات التي وصفها بغير القانونية وغير الدستورية.
إضافةً إلى أن المحاكمات لم تكن علنيةً كما يفرض القانون، وأقل دائرة العلنية هي لعائلات المتهمين، وهذا الذي تم خرقه، ليعود في الحديث بصفته محامي المدعى عليهم عن الصعوبات الكبيرة والعراقيل المختلفة التي يتلقَّونها، والتي يهدف من ورائها لحرمان المتهمين من حقِّهم في الدفاع، ليفيض في وجوه مختلفة تؤكد عدم دستورية المحاكمة، كالطعن المقدَّم منذ 1995 ولم يُفصَل فيه، والمادة 86 مكرر المطعون فيها بعدم دستورية نص الإحالة، أيضًا عدم دستورية الاختصاص، والمحاكمة أمام محكمتين في قضية واحدة.
ولم يغفل المحاضر أيضًا بعض الأمور التي تجعل من هذه المحاكمة مجرد مهزلة، كما أطلق عليها من خلال كتاب وُزِّعَ في الندوة، كسرقة الأحراز التي تستند عليها مباحث أمن الدولة كركن ثانٍ في الاتهام، وأيضًا ما يتعلق بالشاهد الضابط عاطف الحسيني، الذي كانت إجاباته كلها: "لا أعلم"، "لا أدري"، "معلومات سرية"، "مصادر سرية"، "أفضِّل الاحتفاظ بالإجابة".. إلخ، ليختم حديثه بقوله: "إن الملاحظات كثيرة جدًّا ولا أريد أن أتجاوز الوقت".
بعدها علَّق الدكتور هيثم قائلاً: "إن المحامي صبحي محامي الحريات وليس الإخوان فقط"؛ ليقدم ملاحظته حول التراجع الخطير؛ حيث إنه في عام 2002 تم السماح لوفد اللجنة العربية بدخول قاعة المحكمة، ولكن مُنِعُوا مؤخرًا من ذلك، ليحيل الكلمة للدكتورة فيوليت التي قرأت مداخلةً مكتوبةً أرسلها الدكتور محمد السيد السعيد، وهو كما وُصِفَ "رجل علماني ورئيس تحرير صحيفة (البديل)"، والذي بدوره انتقد المحاكمة العسكرية التي وصفها بأنها اختراق للدستور، وفصَّل في النتائج المدمِّرة لهذه المحاكمات على المدنيين والمجتمع المدني، ليعود في حديثه للعلاقة القهرية بين المدني والعسكري، معطيًا الصور المختلفة التي منها يشرع الاستبداد، ليؤكد أن الحكم العسكري في مصر بدأ عام 1952، وأن حسني مبارك هو الوحيد الذي حكم بقانون الطوارئ منذ أكثر من 26 عامًا.
كما عرج أيضًا على القوانين الاستثنائية؛ ليصل إلى نتيجة مفادها أن المجتمع سيصل لتقهقر وتفكك، وإلى القابلية للاستعمار، على حدِّ نظرية الفيلسوف مالك بن نبي.


