جمعني في بيروت لقاء في منتصف ديسمبر 2007، نظَّمه مركز الزيتونة الفلسطيني للدراسات، جمع عددًا من المفكِّرين المتصلين مباشرةً بالقضية الفلسطينية، سواءٌ بحكم التخصص أو الانتماء والخبرة النضالية أو الهمّ المشترك، أو كل ذلك في وقت واحد، وكلهم بخلفيات جامعية جادَّة، فضلاً عن شخصيات تعكس اتجاه الفصائل والقوى.

 

ومن محاسن اللقاء أنه ليوم واحد والموضوع واحد والحديث فكر مركَّز، وكانت الحصيلة استعراضًا دقيقًا لأوضاع القضية، سواءٌ في بُعدها الداخلي والعربي والإسلامي، أو في بُعدها الآخر مع "إسرائيل"، ونظرًا لضيق المساحة فلعله من المناسب أن نلخِّص أهم الاتجاهات في عدد من الملاحظات..

 

الملاحظة الأولى: أن الحديث عن القضية الفلسطينية لا بد أن يضع في اعتباره منهج التحليل macro- analysis الذي يركِّز على معدل التفاعل بين خط المشروع الصهيوني بكل ما يمثله، وخط المشروع الفلسطيني والعربي بكل مشاكله، كما يركِّز في الطبقة الأعلى على المؤثرات الخارجية الدافعة لحركة الأطراف المحلية، وأخيرًا يركِّز التحليل على سلوك الأطراف المحلية نفسها والمسافة الفاصلة بينها وبين المؤثرات الخارجية، هذه المستويات الثلاثة من التحليل: المحلي والصهيوني والعربي والخارجي، تكشف عن حقائق مخيفة.

 

الملاحظة الثانية: هي أن تناول القضية من زاوية تقييم وضعها خلال عام 2007 وتقدير المتوقع لها خلال عام 2008 أمرٌ متصل؛ فالانفصال بين تقييم الماضي القريب وتقدير المستقبل القريب؛ حيث تتحرك العوامل المشكلة لمشهد عام 2007 بشكل لا يترك الكثير من الاختلاف في قراءة مشهد عام 2008، ما لم يدخل عامل حاسم من خارج السياق، أو تحدث معجزة.

 

الملاحظة الثالثة: هي أن التقييم والتقدير يتأثران بالتفضيلات أو الانحيازات الشخصية أو العلمية للباحث أو للمفكر، ولكنَّ الثابت هو أن هدف الجميع لا يقف عند مجرد تسجيل موقف أو إظهار البراعة في تشريح المشهد، وإنما يمتدُّ الهدف إلى التوصُّل إلى تشخيص أقرب من الواقع والبحث في حلول لا تخلو من مسحة الخيال الذي تغذيه الآمال، أي أن التشخيص لا بد أن يستهلك البحث عن علاج وليس الوقوف عند حدِّ التشخيص؛ فتقدير الجميع هو أن القضية الفلسطينية تمر بحق في مفترق الطرق؛ فإما أن تهوي إلى هوَّة سحيقة، أو تتعافى صوب التحسن والانتعاش.

 

الملاحظة الرابعة: هي أن الصورة العامة قاتمة، وتتراوح كآبتها بين استمرار المشهد السائد عام 2007 إلى عام 2008 أو يزداد كآبةً عندما تتصاعد العوامل السلبية وتجرف أي أثر للعوامل الإيجابية القليلة أو المتصورة.

 

الملاحظة الخامسة: هي أن بداية التشخيص عند البعض تنطلق من علاقة المشروع الصهيوني بعوامل تغذيته أو مقاومته والبيئة التي يتطور فيها، وبذلك يمكن القياس بدقة- على مقياس محدد- معدل تطور المشروع مع كل العوامل المرتبطة به سلبًا أو إيجابًا.

 

أما بداية التشخيص الأهم عند البعض الآخر فهي عدم حسم أي المنهجين في فلسطين يجب أن يسود: منهج التسوية أم منهج المقاومة؛ فأنصار منهج التسوية يرون أهمية الحصول على أي شيء أفضل من لا شيء، حتى مع التسليم بصعود المشروع الصهيوني، بل إن انكسار المشروع العربي وغياب المشروع الفلسطيني في الظروف الراهنة هو الذي أضعف عوامل المقاومة وغذَّى نمو المشروع الصهيوني، فيكون منهج التسوية هو الأكثر قبولاً وأولوية.

 

أما أنصار منهج المقاومة فيرون في منهج التسوية تسليمًا للمشروع الصهيوني ما دام أنصار التسوية لا يملكون أوراقًا، وما دام المشروع الصهيوني ماضيًا في طريقة على أية حال، ويرى أنصار منهج المقاومة أن العدو الاستيطاني الإحلالي لا يفهم سوى لغة القوة، وأن التفريط في هذا المنهج هو تفريط في القضية برمَّتها، فالخلاف عندهم بين غايتين إحداهما تهدف إلى استرداد الحق، والأخرى تهدف إلى كسب السلطة على حساب حق الشعب والوطن، غير أن الثابت أيضًا أن جميع حركات التحرر الوطني اعتمدت منهج المقاومة كطريق لمنهج التسوية؛ لأن أوراق المفاوض هي مجموع نقاط إنجاز المقاومة، وبغيرها يلعب المفاوض بلا أوراق أصلاً.

 

وقد يرى البعض أن المشهد الفلسطيني فريد في كل شيء، ويترتب على ذلك ألا تنطبق بشأنه قاعدة الجمع والتسوية واستبعاد المقاومة، ومن ثم لم تعد الحركة الوطنية في فلسطين تنتمي إلى حركات التحرر الوطني؛ لأنها ضد عدوٍّ إحلالي يتمتع بكل أصناف القوة والدعم الدولي مقابل انحسار أي تأييد لفكرة المقاومة ضده في فلسطين.

 

الملاحظة السادسة: هي أنه إذا كانت الوحدة الوطنية الفلسطينية ضرورةً مطلقةً؛ فإن الواقع على الأرض يجعل هذه الوحدة أملاً بعيد التحقيق؛ فقد اجتهدت فتح وحماس على تعميق الانتماء لكل منهما في الضفة وغزة، واستبعدت كل منهما أنصار الطرف الآخر، بل انقسم الشارع والخدمات والمدارس والجامعات والأسرة الواحدة وأصبح العداء الفلسطيني- الفلسطيني أشدَّ من عداء الفلسطينيين "للإسرائيليين" في بعض الأحيان، وأصبح كل فصيل يسعى إلى تأكيد وجوده بكل الطرق، ففتح ذلك الباب واسعًا أمام القوى الخارجية لكي تساند كل طرف مقابل تحقيق أجندتها، وتسعى "إسرائيل" جاهدةً إلى الطرق على هذا الوتر؛ لأنها تدرك أن في تمزيقه نهايةٌ للقضية برمَّتها، وهو أسهل الطرق، وأرخصها عند "إسرائيل"، وبالتوازي تغلق "إسرائيل" كلَّ منفذ للحوار وتدمر كل فرصة له، وتناهض أي طرف عربي يسعى إليه حتى تُحكِمَ الحصار تمامًا على الشعب الفلسطيني، وتسرع عملية إبادته بحصارها لغزة وحرمانها من مقومات الحياة، وتعمد إلى التوغلات والاغتيالات في هذه الظروف المثالية، والعالم العربي يتفرَّج ليرى نهاية المأساة.

 

في ضوء هذه الصورة القاتمة لا يرى كثيرون أي فرصة للحوار، ولكن الجميع مصرٌّ- رغم ذلك- على كسر الطوق "الإسرائيلي"، وقناعة الجميع أن هذا المخرج لن يتحقق بدون دور مصري وسعودي جاد في هذا الاتجاه.

 

الملاحظة السابعة: هي الاختلاف بين الباحثين في تقرير البيئة الإقليمية والدولة المحيطة بالقضية الفلسطينية، وإن أجمعوا على فشل منهج أبو مازن؛ لأن مجرد اللقاء بأولمرت دون مضمون أو إطار لمفاوضات جادة على قضايا جوهرية مضيعةٌ للوقت وإحراجٌ لأبو مازن، وارتدادٌ لرهانه الذي وضع خلفه حياته السياسية، فبدا وكأنه يحارب معركته وبقاءه، وليس معركة الوطن والحقوق المغتصبة.

 

فيرى البعض أن ضغط أمريكا و"إسرائيل" على الأطراف العربية قد حوَّل هذه الأطراف من موقع المساند للقضية إلى موقع المتخلِّي عن القضية، فتزداد قربًا من أبو مازن وبعدًا عن خصومه تحت عنوان الشرعية.

 

أما المشروع الصهيوني فيرى المراقبون أنه يمضي كالسهم في طريقه؛ بسبب ما توفرت له من عوامل النماء، وما تيسرت له من عوامل إنهاك خصومه من الفلسطينيين والعرب، حتى يكاد المشروع يحقق في بضع سنوات ما كان يحققه عادةً ربما في عقود، ورغم عوامل القوة في المشروع وعوامل الضعف في مناهضيه، إلا أن البعض الآخر يلمح فيه عناصر الضعف، وأهمها توزُّع يهود "إسرائيل" بين العلمنة والدين، وهذه ظاهرة مرتبطة بدولة تريد أن تكون دولة كل اليهود، ثم التحديات التي تطرحها العولمة على فكرة الدولة ووظائفها، وكذلك التناقض بين ديمقراطية الدولة والتميز بين حاملي جنسيتها حسب دينهم، وضعف الخطر الخارجي بإخضاع الوسط المحيط وقمع الداخل، والمشكلة الديمغرافية أو معركة الأرحام الفلسطينية- "الإسرائيلية"، والخوف من ظهور قائد تاريخي في العالم العربي أو حيازته لسلاح ذري أو التخلي الأمريكي عن "إسرائيل".

 

الاتجاه الأغلب هو أن المشروع يتقدم على الأرض، ولكن يتعيَّن السعي لوقفه حتى لا يضطر العالم العربي إلى المزيد من التراجع أمامه، يترتب على ذلك أنه من العبث توقُّع أي خير من هذا المشروع والمؤتمرات التي تعقد في ظله فهي كلها تهدف إلى تطوير المشروع لا تراجعه، كما أظهر الارتباك في قراءة مدى تأثر المشروع بالمشهد "الإسرائيلي"، فهل تتخلى واشنطن حقًّا عن المشروع الصهيوني؟! وهل فشلت واشنطن حقًّا في العراق بما يؤثر على تقدم المشروع في العراق؟! وهل يتصل هذا المشروع بالصراع السياسي بين واشنطن وطهران في الفترة القادمة؟!

 

تلك أسئلة وغيرها مما يتعلق بأولوية المشروع الفلسطيني الذي أوصى اللقاء بصياغته والبحث الجدي في فرض الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تصدَّت "إسرائيل" لها من كل جانب.

 

وأخيرًا، لم يعد الصراع في فلسطين صراعًا بين منهجي التسوية والمقاومة، ولكنه صراع بين منهج الصراع الداخلي والمقاومة؛ فإما أن يتوجه الفلسطينيون إلى المقاومة ليقفزوا فوق موجبات الصراع التي تخلقها "إسرائيل" والظروف السائدة، وبذلك ينجون بأنفسهم ومجتمعهم ويكتسبون الشرعية السياسية والشهادة عند الموت، أو ينخرطوا في صراع ينهي وضعيتهم ويسهل التهامهم وتصفية قضيتهم وتحقيق الانتصار النهائي للمشروع الصهيوني.